الإثنين  23 أيلول 2019
LOGO

"ارتديت قبعتي الحمراء ووضعت قناعا للوجه.. تمنيت فقط أن لا يتعرف عليّ أحد"

2018-09-03 12:18:31 PM
خليل ناصيف

 


أنقل لكم أصدقائي هذه التجربة كما هي وبدون إضافات..
استيقظت في الرابعة والنصف صباحا، تناولت ُ إفطارا خفيفا وارتديت ملابسا أنيقة في محاولة ذاتية لرفع معنوياتي، وتوجهت إلى يومي الأول في العمل كعامل تنظيف في البلدية.
مشيت في شوارع المدينة وسط ضباب أواخر الصيف  تحت الإنارة الباهتة للمصابيح.. عملي يبدأ في السادسة صباحا.

بتمام  الساعة السادسة  تجمعنا في ساحة البلدية نحو 20 عاملا تقريبا، أغلبهم شبان من القرى  المجاورة، جاء مراقب العمال وكانت تحيته الصباحية الوحيدة توزيع الشتائم على الموجودين في المكان بذريعة أن أحدهم قام بإخفاء عربة جمع النفايات وهرب من العمل، أخبرونا أن العمل يبدأ في السادسة صباحا وينتهي في الواحدة ظهرا، وأن العامل يتم وضعه تحت التجربة لمدة 6 أشهر والراتب 2000 شيقل أي حوالي 550 دولارا شهريا، إضافة إلى يوم عطلة واحد في الأسبوع وهو يوم الجمعة.

فجأة وجدت نفسي أحمل مكنسة مقشة وارتدي قفازات و"يونيفورم" عاكس فوسفوري، وتم تكليفي بالعمل مع سائق الشاحنة التي تقوم بكنس الأرصفة، كانت مهمتي تتلخص بجمع الحجارة والزجاجات وأي نوع من النفايات التي من الممكن أن تؤدي إلى تلف شفاطات الشاحنة وإزاحتها من طريقها.
ارتديت قبعتي الحمراء ووضعت كمامة على وجهي، تمنيت فقط أن لا يتعرف علي أحد من أصدقائي وبدأت يوم عملي الأول.

بمجرد صعودي للشاحنة بدأ السائق الذي يصغرني سنا بالسخرية مني وبدأ يلقبني بأبي نادر، أخبرني أنه تم اختياري لأصعب مهمة في عالم جمع النفايات، وأنها عمل يحتاج إلى خفة الحركة والنشاط وقوة التحمل، كانت مهمتي شاقة فعلا، كنت أقوم بعملية التنظيف أمام الشاحنة وأنا أشعر بفقرات ظهري تتفكك  شيئا فشيئا، ليس بإمكاني التوقف لأن سائق الشاحنة هو الذي يحدد وتيرة العمل، عندما كنت أتوقف كان يصرخ في وجهي ويطلب مني أن أسرع أكثر وأكثر وهو يقول "يلا أبو نادر.. استعجل.. مالك يلا بدنا نخلص".
بمرور الوقت وارتفاع درجة الحرارة تخلصت من القبعة والكمامة، لم أعد أهتم بأن يعرفني أحد أو لا يعرفني، شعرت بأنني ملك وأقوم بعمل نبيل، ربما في محاولة  جديدة مني لمواساة نفسي أنا الخريج الجامعي الذي أعمل في جمع النفايات تحت إمرة سائق جاهل ويصغرني سنا ويظن نفسه الله.

بحدود الحادية عشر صباحا توقفت الشاحنة فجأة، أخبرني السائق أنه جائع وسوف يذهب لتناول الإفطار  وإعادة تعبئة خزان الشاحنة بالمياه، السائق أيضا هو من يحدد وقت الإفطار، عدنا إلى كراج صيانة الشاحنات التابع للبلدية، وجدت هناك مجموعة من العمال  في حالة يرثى لها من التعب، أشفقت عليهم وأظن الآن أنني لو نظرت في المرآة وقتها لأشفقت على نفسي أكثر، أغلب العمال يعانون من سوء سلوك المراقب معهم حيث يعاملهم وكأنهم عبيد لديه، اكتشفت أن مهمة جمع النفايات فيها مستويات.. أصعب المهام هي مهمة العمل مع سائق شاحنة التنظيف، بينما يعتبر العامل الذي يقود العربة اليدوية ويستلم تنظيف وكناسة شارع معين من الأشخاص الأوفر حظا حيث المراقبة أقل وهو إلى حد ما سيد نفسه ويمكنه تحديد وقت استراحته والتوقف عن العمل من وقت لآخر كلما شعر بالتعب، الراتب ضئيل جدا والأدهى من ذلك أنه يتم وضعك تحت التجربة، فإذا اجتزت فترة الـ 6 شهور الاختبارية من الممكن أن يتم توظيفك أو يتم التخلص منك ببساطة، فالعمال كثر إن لم يعجبك العمل يوجد غيرك والآلة لن تتوقف عن العمل فأنت مجرد فرد لا قيمة لك.

عدنا للعمل الشاق تحت الشمس، وعندما اقتربت الساعة من الواحدة عدت مع السائق إلى كراج الشاحنات، وقام السائق  بغسيل السيارة من الخارج وهي مهمة سهلة جدا ثم طلب مني غسل جسم السيارة الداخلي وهي مهمة قذرة ملأت ثيابي بالقذارة ورذاذ ماء التنظيف الوسخ... لم يتوقف السائق عن السخرية مني وقرابة الواحدة انتهى  يوم عملي الأول.

شعرت بأن جسمي كله تحول إلى خلطة من الطين الجاف وبدأ يتكسر ويتناثر على الأرض.. تعبٌ جسدي فوق العادة ولكن الألم النفسي أكثر ليس فقط من المعاملة السيئة من قبل المراقب السادي الكلمة ولكن أيضا فكرة أن الإنسان المسحوق يتجبّر ويضطهد الإنسان الأكثر "انسحاقا". وأنا أعمل تحت الشمس لم لم يكن في أمنياتي شيء سوى أن يلقي علي أحد المارة التحية، أو يقول لي كلمة لطيفة، كانوا ينظرون إلي  وكأنني لا شيء، أذكر شخصا واحدا لطيفا مر بي وقال: "يعطيك العافية".. كان هذا أفضل ما حصل معي طوال اليوم.

وصلت إلى بيتي، صعدت الدرج ونزعت ثيابي القذرة وأخذت حماما ساخنا وارتميت على السرير، لم أفكر.. لم أحلم.. لم أتحرك.. فقط ارتميت كالميت. في السادسة صباحا بدأ هاتفي يرن بإلحاح، إنه مراقب العمال سفير الجحيم... تجاهلت المكالمة وغرقت في النوم.
استيقظت عند الظهيرة وذهبت إلى المخبز.. في الطريق شاهدت قشرة موز رفعتها ووضعتها في حاوية النفايات، أصبح  بإمكاني رؤية النفايات التي يصعب على الشخص العادي ملاحظتها، شاهدت رجلا يرمي عقب سيجارة، فكّرت بأن اخنقهُ، لكنني تجاوزته ولم أفعل لحسن الحظ.
تابعت سيري إلى المخبز واشتريت ربطة خبز.. في الداخل كان الخباز يتحرك بحركة آلية كأنه رجل آلي "روبوت" فاقد للحياة.

يا إلهي هنا أيضا يوجد دكان للعرق، انفقت كل ما في جيبي ثمنا لربطة خبز، جيوبي كانت خاوية  لكن ليس لدرجة تدفعني للعمل مجددا في ذلك الجحيم. لعلي إنسان ضعيف ولعلي فيلسوف، لكنني أصبحت دقيق الملاحظة بشكل كبير وأحمل تقديرا كبيرا جدا لأولئك الجنود الذين يحملون "مكانسهم" في السادسة صباحا ويتجاهلون مراقب العمال السادي وينطلقون لتنظيف شوارع المدينة في مهمة لا تختلف كثيرا عن مهمة سيزيف، الذي استمر بدفع الصخرة إلى قمة الجبل إلى الأبد...