الخميس  18 تموز 2019
LOGO

الرواية الإسرائيلية والمأزق العربي ومخاطر الانزلاق

2018-12-22 09:40:36 AM
الرواية الإسرائيلية والمأزق العربي ومخاطر الانزلاق
مستوطنون متطرفون

د. محمد أبو حميد

توقفت كثيراً أمام الدراسات والكتب الإسرائيلية التي تصدر عن الدولة العبرية، والتي تتعلق بالتاريخ اليهودي، وتظهر مدى الاهتمام في الدوائر الرسمية الإسرائيلية لاسيما الأكاديمية بتناول التاريخ اليهودي بمفهومه الواسع، والذي يشتمل على جوانب الحياة اليهودية المختلفة قديماً وحديثاً، في محاولة لتكريس الهوية الإسرائيلية ونفي هوية الآخر.

ويتضح للمتأمل لهذه الدراسات الإسرائيلية التاريخية التي لا تخلو من التوليف بين اليهودي وغير اليهودي، أن إسرائيل تحاول أن تهيمن على تراث المنطقة، وأن تنحت في الصخر لبناء شخصية يهودية ترتبط تاريخيا بالمنطقة، حيث تقوم هذه الدراسات بتوظيف الروايات الدينية، وترسم لها مسارات ووقائع على الجغرافيا الفلسطينية، وتتعداها إلى الرقعة الجغرافية في دول الجوار، رغم أن الدراسات التاريخية التي أنجزها علماء غربيون ويهود قد أقرت بفشلهم في تأكيد ما جاء في الروايات الدينية اليهودية، ورغم نفي الحفريات التي قاموا بها في المواقع الأثرية الفلسطينية الرواية الدينية اليهودية، وتأكيدها على عدم وجود إرث تاريخي لليهود في فلسطين.

ورغم كل ذلك، تحاول إسرائيل ومؤسساتها الأكاديمية الهيمنة على الإرث التاريخي للكنعانيين والعرب، وسرقة عاداتهم وتقاليدهم وتراثهم الشعبي وآثارهم وأزيائهم في محاولة لتكريس هويتها، وبالتالي إضفاء الحق التاريخي لوجودها، وطمس هوية الآخر.

وتقدم إسرائيل روايتها التاريخية بأفكار بسيطة وأساليب سلسة تسهل على المتلقي في العالم-لاسيما في أوروبا-فهمها وتبنيها دون عناء، وذلك لعدة أسباب منها السياسية والدينية، حيث يتوافر الاستعداد الفطري لدى بعض الطوائف الدينية المسيحية لتقبل الرواية اليهودية واعتبارها من المسلمات.

وهنا ينبغي أن نشير لاحترام الديانة اليهودية باعتبارها ديانة سماوية مثلها مثل الديانات السماوية الأخرى، كما ينبغي أن نشير إلى أن الإشكالية هنا تكمن في محاولات توظيف هذه الديانة لتحقيق أهداف سياسية واستعمارية تتناقض مع مبادئ التعاليم الدينية التي وردت في الكتب السماوية كافة.

ويجب أن نشير إلى أن العديد من الكتاب الإسرائيليين قد أشاروا إلى خطورة ما تقوم به إسرائيل، من تزوير للحقائق وتغليفها لسياساتها بغلاف ديني، الأمر الذي يقودها إلى التعصب والعنصرية، والقضاء على طابعها الديمقراطي، وعلى التحرر الفكري الاجتماعي، الذي تحاول أن تظهر به أمام المجتمعات الأخرى.

كما تؤسس هذه السياسة الإسرائيلية لثقافة العنف والكراهية عند الإسرائيليين، وتغذي ثقافة التطرف الديني في المنطقة، وتدفع بها إلى أتون حرب دينية مدمرة، وصراعات مذهبية تفتت الشعوب وتدفعها باتجاه التطرف والعنف، وبالتالي جرها إلى المربع الذي تريده إسرائيل والذي يضمن لها الدعم الغربي لاسيما الأمريكي تحت عنوان "محاربة الإرهاب".

وإزاء ذلك، يتوجب علينا نحن الفلسطينيين الذين نمتلك الحق التاريخي في أرض فلسطين، والذي تؤكده الآثار التاريخية والحقائق التي عجزت إسرائيل عن تزويرها وإزالتها، ألا ترهبنا الرواية الإسرائيلية الزائفة، وتدفع بنا إلى فقدان الثقة بقدرتنا على التمسك بحقوقنا، والانحراف بعيداً بسبب العجز العربي، والتهرب الدولي من الالتزام بمبادئ العدالة، وقرارات الشرعية الدولية التي أكدت على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

إن الهيمنة الأمريكية الداعمة لإسرائيل التي تتبنى أفكار اليمين الإسرائيلي المتطرف، والتي تحاول الإجهاز على وجودنا كشعب، وجعلنا خارج السياق التاريخي من خلال إنكار حقوقنا وحرماننا من حقنا في تقرير مصيرنا، تتطلب منا كفلسطينيين الصمود والتمسك بحقوقنا وأرضنا برغم المناخ العربي الرسمي فاقد البوصلة.

ولهذا الصمود متطلبات، أهمها خلق وعي جمعي في الساحة الفلسطينية والعربية خاصة المؤسسات الأكاديمية، يقوم على تبني الحقوق الفلسطينية التاريخية التي تجسد الحق العربي في فلسطين، بما يعزز من ثقة الشعوب العربية في قدرتها على مواجهة التحديات الراهنة ومخاطرها، كما يتطلب آليات لمواجهة محاولات التطبيع التي تقوم بها بعض الأنظمة العربية لما لها من آثار مدمرة على مستقبل الشعب الفلسطيني.

إن الرواية التاريخية التي تحاول إسرائيل ترويجها والتي تتزامن مع ما يعرف "بصفقة القرن"، بحاجة إلى تحرك على الساحة الدولية ليس فقط على المستوى السياسي، بل لابد من تحرك النخب والمثقفين، وصناع القرار، والمؤسسات الأكاديمية للعمل بشكل فاعل خاصة في الدول الأوروبية المؤثرة في السياسة الدولية قبل فوات الآوان.

إن ما ترسمه الولايات المتحدة للمنطقة بالتعاون والتنسيق مع حلفائها قد بدأ بتطبيع علاقات بعض الدول العربية مع الكيان الصهيوني، وترويج الرواية الإسرائيلية الزائفة التي تؤكد على الحق التاريخي لليهود في فلسطين، وقد بدأت آثار ذلك تظهر في خطابات بعض الإعلاميين والأصوات العربية المأجورة، مما يؤكد على أن إسرائيل والولايات المتحدة تسابقان الزمن لاستغلال حالة التردي والضعف العربي خاصة بعد ثورات ما يسمى الربيع العربي لفرض وقائع في المنطقة تتجاوز التاريخ والجغرافيا.