الثلاثاء  22 كانون الثاني 2019
LOGO

دونالد ترامب .. والراهب الذي باع سيَّارَتَهُ الفِراري بقلم: رائد دحبور

2019-01-07 08:33:06 PM
دونالد ترامب .. والراهب الذي باع سيَّارَتَهُ الفِراري
بقلم: رائد دحبور
رائد دحبور

تطرحُ الثَّقافةُ الأمريكيَّةُ - الزَّاخرةُ بمادةٍ معرفيَّةٍ متنوِّعةِ المصادر والاتِّجاهات وبما تحويه من خيالٍ واسعٍ وتمجيدٍ لروح المُغامرة - مُفارقاتٍ عديدة لجهة ما تحتويه من ديناميكيَّة وبرغماتيَّة وتوظيفٍ أداتيٍّ، وتبايُنٍ بل وتناقُضٍ أحياناً. وفي مقدِّمة كل ذلك، ما يحويه الإنتاج المعرفي والثقافي والأكاديمي الأمريكي من أفكارٍ ونظريَّاتٍ إداريَّةٍ وريادِيَّةٍ؛ أسهمت وما تزالُ تُسْهِمُ في ديمومةِ تربُّعِ هذا العملاق الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري الأمريكي على قمَّة العالم.

قبلَ سنواتٍ عديدة كتَبْتُ مقالاً تناولْتُ فيه كتاب " الرَّاهب الَّذي باعَ سَيَّارَتَهُ الفِراري " لِمؤَلِّفه الأمريكي " باران شارما " وهو الكتاب الَّذي بيعَتْ منه ملايين النُّسخ في أمريكا وأوروبا وحول العالم، وباران شارما –  الحاصل على ماجستير في القانون والمدير التَّنفيذي المُلْهِم لشركة "Sharma Leadership International  " - شارما لقيادة عالميَّة - وهي شركة متخصصة في تقديم خدمات توجيهيَّة واستشاريَّة - هو واحِدٌ من عديدِ الكتَّاب الأمريكيين الَّذين قدَّموا أنفُسَهُم، وقدَّمَتْهُم دور النَّشر الأمريكيَّة، كَخُبراءِ قيادَةٍ وأداءٍ رفيعٍ، وكخبراءٍ ومُلْهِمين في مجال تعليم ضبط النَّفس.

وبمناسبة الحديث عن مثل هكذا مؤلَّفات أمريكيَّة؛ يسترعي انتباهنا أهميَّة دور السِّمات الشَّخصيَّة في توليد دوافع السُّلوك وتحديد اتِّجاهاته خاصَّةً إذا كانت تلك السِّمات تعود للرَّئيس الأمريكي،ويبرز اسم الرَّئيس الأمريكي الحالي " دونالد جون ترامب " كمثال على ذلك، وهو– أيْ ترامب - الملياردير وابن الملياردير، وابن ضاحية " كوينز " في نيويورك؛ وحيث يبرز اسمه في هكذا سياق من المؤلَّفات الأمريكيَّة كونه أحد أولئك الَّذين قدَّمتهم دور النَّشر الأمريكيَّة واستضافتهم برامج تلفزيون الواقع كُملْهِمين وخبراء في مضمار القيادة والأداءِ الرَّفيع والتنمية البشرية وضبط النَّفس، حيث له العديد من المؤلَّفات في هذا المجال، ومنها كتاب " فَكِّرْ أكبر " وكتاب "  كيفَ تُصبح غنيَّاً " و " وكيف تكونُ بَطَلاً " وهي مؤلَّفات يغلب عليها الطَّابع الشَّعبوي، كما البرامج التلفزيونيَّة الَّتي كان يقدِّمها دونالد ترامب في محطة " إن . بي . سي " بعنوان"  Apprentice " أو "المُبْتَدِىء " على سبيل المثال؛ ذلك البرنامج الذي كان يعد المتسابقين في حال الفوز بالحصول على راتب كبير وعلى تحقيق ما يحلمون به، حيث اشتهرت عبارة ترامب التي كان يوجهها لمن يخسر في المسابقة بالقول: " You are fired " " أنت مطرود " ولطالما جرَتْ تلك العبارة تقليداً لأسلوب ترامب في على ألسنة الأطفال في الولايات المتحدة؛ وقد أهَّلَتهُ برامج تلفزيون الواقع ورعايته لمسابقات ملكات جمال أمريكا وبعض مؤلَّفاتِه التي كانت تحوي على عبارات مُفعَمة بالزُّهُوِّ والفجاجة والدعوة إلى روح المغامرة وتمجيد المال والثَّراء والعقار إضافَةً إلى شخصيَّة المصارع التي اشتهر بها عام 2009؛لأنْ يكون شخصيَّة شعبويَّة معروفة، وهو ما أسهمَ في تمهيد الطَّريق أمامه للفوز في الانتخابات الأخيرة ومن ثم الوصول إلى البيت الأبيض.

لكنْ كتاب " باران شارما " مختلفٌ تماماً فيما قدَّمه من أفكارٍ ومفاهيم عن تلك الأفكار التي تناولها ترامب في مؤلَّفاته؛ فهو كتابٌ لنْ تكونَ بعدَ أنْ تقراَهُ  –  إذا قرأته بإمعان واستوعبْتَ ما يطرحه من أفكارٍ حول مفاهيم الرَّمز والفضيلة والحكمة وأساليب العيش والاقتباسات الجديرة بالاستشهاد  –  كما كنتَ قبلَ أنْ تقرأه. 

وبإشارَةٍ مقتضبة لكتاب " الرَّاهب الَّذي باع سيارته الفراري " لباران شارما؛ فهو كتابٌ يتناول قصَّة خياليَّة لمحامٍ أمريكيٍّ لامعٍ وثريٍّ جدَّاً اسمه " جوليان مانتل " الَّذي أدَّى أُسلوب معيشته المفتقر للتوازن بسبب ثرائه الفاحش وإغراقه بالملذَّات - ومنها حرصه على اصطحاب أجمل عارضات الأزياء معه في سهراتِه واحتفالاته الليليَّة الباذخة بعد نهارات العمل المُضني في المحاكم التي تتناول أهم وأعقد القضايا التي يضَطلع هو ومكتبه بالمرافعة حولها - إلى إصابته بأزمة قلبيَّة كادتْ تُوْدي بحياتِه في إحدى قاعات المحاكم المزدحمة بالجمهور. ويودي به انهياره الجسدي المفاجىء إلى الدُّخول في أزمةٍ روحيَّة تجبره على مواجهة حالته والبحث عن أجوبة شافية لأهم الأسئلة الحياتيَّة. وعلى أمل منه أن يعثر على السعادة والرضا، فقد باعَ طائرته الخاصَّة وسيارته الفيراري وكل أملاكه وغادر الولايات المتَّحدة وانطلق في رحلة عجيبة شبيهة بالأوديسا إلى عمق حضارات الشَّرق القديم –  وتشبيه رحلة جوليان مانتلبالأوديسا كنايَةً عن رحلة أوديسيوس كما جاء في الملحمة الشِّعريَّة اليونانيَّة القديمة والتي استغرقت عشر سنوات وظَنَّ الجميع أنَّ أوديسيوس قد مات قبلَ أن يعودَ شخصاً مختلفاً – وهكذا فقد ذهب جوليان مانتل إلى عمقِ حضارةٍ شرقيَّةٍ عتيقة على سُفوحِ جبال الهاميلايا في الصِّين حيث اكتشف نظاما ً قويا ً له القدرة على إطلاق طاقته الذهنية، والجسدية ، والروحية، وتعلم العيش بقدر أكبر من الشغف، والهدف، والسلام. وعاد إلى الولايات المتحدة الأمريكيَّة شخصاً مختلفاً تماماً يُعلِّمُ النَّاسَ، عن طريقِ دروسٍ يُلقيها، نمطاً جديداً للعيش يعتمد على الرُّموز أو القدوة وعلى الفضيلة التي أساسها الانضباط وعلى الحكمة التي تعتمد على الرَّمز والانضباط العقلي والسُّلوكي والأخلاقي وعلى الأساليب الأكثر كفاءَة وفعاليَّة، ومنها التَّخيُّل الإبداعي واستخدام العبارات المتواترة الأكثر فائدة والقدرة على ممارسة الصَّمت كبديلٍ عن الثَّرْثَرةِ العقليَّة والفكريَّة والكلاميَّة، إضافةً إلى الاعتماد على الاقتباسات الجديرة بالاستشهاد تجاه مواقف الحياة المختلفة.

إن هذه القصة الملهمة –  وكما حاول أنْ يبني عليها " شارما " الخطط التي يعرضها في كتابه والتي تستهدف ارتقاءً عقليَّاً وسلوكيَّاً هادِفاً وبما تتسم به من مزجٍ بين الحكمة الروحانية السرمدية  للشرق ومبادئ النجاح الحديثة للغرب – تحاولُ أنْ تُبَيِّنَ خطوةً بخطوةٍ الدرب الذي يصل إلى حياةٍ أكثر فهماً وشجاعةً وتوازن، وثراءَ نفسيِّاً ومعرفيَّاً وعقليَّاً، ومرح.

ربما كان أحد دوافعي من وراءِ الإشارة إلى هذا الكتاب مُجَدَّداً، هو محاولةُ تلمُّسِ سبيلٍ إلى مقارَبَةٍ تُجَلِّي مفارقاتٍ تطرحها الثَّقافة الأمريكيَّة فيما تنتجه من مخرجاتْ - كما أشرنا في بداية المقال - فشخصيَّة جوليان مانتل التي أبدعها خيال باران شارما، قد ذهبت لاستلهام عمق حكمة الشَّرق كإجابَةٍ عن تحدِّياتٍ طرحتها أمامه أنماط السُّلوك الباذخ غير المتوازن لشخصيَّة الثَّريِّ الأمريكيِّ المُسْتَهْتِر،في موازاة الشخصيَّة الواقعيَّة لترامب الذي ألَّف كتُباً في ذات المجال حيث عكست تلك المؤلَّفات سماته الشَّخصيَّة، غير أنَّ شخصيَّة ترامب وبما لديها من انفعالات ودوافع للسلوك هي شخصيَّة مؤثِّرَة جدَّاًوموجودة في الواقع، وهي شخصيَّة فاقعة ولامعة وباذخة فعلاً حاولت أنْ تُقَدِّمَ نظرياتٍ قياديَّة وانطلقت وكما يُفْتَرَض من ذات القاعدة المعرفيَّة التي انطلق منها شارما في مؤلَّفه، لكنَّها استخدَمتْ مهاراتها في إثارة العواصف والأزمات السياسيَّة والاقتصاديَّة داخليَّاً وخارجيَّاً، واتَّبَعَتْ نهج الترويج لاستعداءِ الشَّرق وثقافاته تحت عناوين استعراضيَّة كعنوان الحرب التِّجاريَّة مع الصَّين مثلاً، وذلك على خلافِ ما فعله باران شارما نظيرترامب في مضمار أُطروحات التنمية البشرية عبر اختراعه لشخصية جوليان مانتل الذي استلهَم حكمة الشرق وعاد ليُعِلِّمَها في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، فيما يسير ترامب وراءَ أوهام محاولة تهميش الشَّرق الزَّاخر بالتجربة والحكمة، وربَّما السير وراء أحلام تدمير مقوِّماته ومستقبله في حربٍ اقتصاديَّةٍ ضروس بديلاً عن التنافس المتوازن، وبديلاً عن التَّعاون والتكامل؛ موظفا ً لغة أنكلو- سكسونية خشنة وفظة عبر وسائل دعائية زاخرة بالتقنية التي تستهدف هندسة الوعي وصياغة تصورات ذهنية مقولبة؛ حيث وسيلة التواصل الاجتماعي (السوشال ميديا) واحدة منها فقط !!.