السبت  24 آب 2019
LOGO

الهندسة السياسية للتاريخ ومحاولة اختلاق "إسرائيل"

كتاب اختلاق إسرائيل القديمة.. إسكات الحق الفلسطيني

2019-01-31 07:30:48 AM
الهندسة السياسية للتاريخ ومحاولة اختلاق

الحدث ــ محمد بدر

يحاول البروفيسور "كيث وايتلام" أستاذ الدراسات الدينية في جامعة "ستيرلينغ" من خلال كتابه "اختلاق إسرائيل القديمة.. إسكات الحق الفلسطيني"، أن يظهر مدى التناقض بين الرواية التوراتية والحقائق العلمية المكتشفة التي استطاعت أن تسفه هذه الرواية. ويعتبر أن دراسة علماء الآثار والتاريخ للرواية التوراتية أوصلهم لنتائج محددة تذهب باتجاه التأكيد على أن "إسرائيل القديمة" ما هي إلا فرضية زائفة، الهدف منها تشريع الوجود الإسرائيلي الحديث في فلسطين، من خلال قراءة التاريخ بأجندة سياسية تساهم في تشكيل الحاضر.

علم الآثار ـ من وجهة وايتلام ـ انتصر للحق الفلسطيني، وكان دليلا على زيف الرواية التوراتية، مؤكدا أن نجاح الرواية التوراتية في التغلغل في العالم، لا يعني أن يبقى العالم أسير هذه الرواية؛ خاصة وأن العلم يقف على نقيض هذه الرواية. ويشير إلى المحاولات الإسرائيلية لمنع التنقيب عن الآثار في الجغرافيا التي تسيطر عليها، في أكبر عملية سطو على التاريخ، وأكبر عملية ملاحقة للحقيقة.

انتقد "وايتلام" رفض المثقفين العرب والفلسطينيين لبحوث الاستشراق بالجملة، دون الاستفادة منها، وأخذ على هؤلاء المثقفين كذلك عدم اهتمامهم بالجبهة الثقافية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعدم استفادتهم من الكثير من المكتشفات العلمية التي تخدمهم في هذا الصراع.

ويتحدث البروفيسور "وايتلام" في كتابه عن البناء المعرفي الضخم الذي بناه التوراتيون في العلوم المختلفة، الأمر الذي جعل من مواجهة هذا البناء مسألة معقدة ومركبة من ناحية عملية وليس من ناحية علمية، لأن هذا البناء الضخم تشكل تراكميا، واستطاع أن يسيطر على العقلية الغربية. وبالتالي، فإن مواجهة هذا البناء، يحتم علينا التسلح بكم هائل من الحقائق والموارد المادية والمعرفية.

ويرى "وايتلام" أن التوراتيين الجدد لم يستطيعوا أن يخفوا نظرتهم التوارتية للتاريخ، رغم تأكيدهم على تحللهم من النصوص التوراتية في قراءة التاريخ، محاولين بذلك طرح نموذج مختلف عن التوراتيين التقلديين الذين يعتمدون التوارة كمرجع تاريخي. ويشدد على أن التوارتيين لم يكتفوا بصياغة رواية مزيفة من طرف واحد، بل إن المعركة الأساس بالنسبة لهم هي منع الفلسطيني من صياغة روايته، محاولين من خلال ذلك إسكات التاريخ الفلسطيني الذي يهدد حقيقتهم وحقيقة روايتهم وتاريخهم المزعوم. فلقد استبعدوا الفلسطيني من التاريخ وسلخوه من المكان رغم أن تاريخ اليهود في فلسطين، ما هو إلا لحظة قصيرة جدا في عمر فلسطين الكبير الممتد.

ينتقد "وايتلام" التركيز الشديد من قبل المثقفين الفلسطينيين على القرنين الماضيين للتدليل على ملامح تشكل الهوية الفلسطينية وإثبات الحق الفلسطيني، وهو ما جعل "إسرائيل" تستفرد بالتنظير للتاريخ القديم، الذي تعتبره مركز حق وجودها، زاعمة أن "إسرائيل الحديثة" إعادة تعبير وتمثيل لـ"إسرائيل" القديمة.. فيرى أنه من الضروري الحديث عن الحضارات التي تواجدت في فلسطين، والتي من وجهة نظره أكبر من أن تحاصرها رواية واحدة، مشيرا إلى محاولات التوارتيين طمس الأثر التاريخي لهذه الحضارات في فلسطين، من خلال اختزال السياق التاريخي الحضاري في فلسطين، بحالة حضارية مزيفة ومختلقة.

يشير البروفيسور "وايتلام" إلى نقطة هامة جدا تعاني منها المعرفة والتاريخ السياسي على وجه التحديد، وهي أن كتابة التاريخ أصبحت عملا سياسيا بامتياز، وأن التاريخ الذي تأتي به الثقافات المنتصرة أو المهيمنة تسكت صوت تاريخ المهزومين، من خلال صياغة تاريخ وضعي يتناسب والمنتصر. والخطر الأكبر ـ بحسب وايتلام" ـ هو ليس فقط هندسة التوراتيين السياسية للتاريخ، وإنما قدرتهم على اختراق هذا التاريخ للقيم العالمية المعاصرة والأماني السياسية من مدخل البحث والأكاديميا.

واعتبر "وايتلام" أن الصهاينة استطاعوا السيطرة على العقل الغربي من خلال الترويج أنه ليس هناك أي معنى جوهري لفلسطين بحد ذاتها، وإنما المعنى الأساسي لهذه الجغرافيا ينطلق من كونها مرتبطة بتاريخ "إسرائيل القديمة" الذي هو تاريخ الغرب وأساس الحضارة الغربية اليوم. فمنهم من وصف فلسطين بأنها معرض للمقتنيات الدينية النادرة، وتهدف هذه الرؤية لربط فلسطين بالعالم الغربي وأيضا بـ "الحق اليهودي" تأسيسا لسلوك غربي مساند للصهيونية ولـ "إسرائيل" فيما بعد.

لقد حاولت "إسرائيل" كما يكشف "وايتلام"، اختلاق تاريخ للجغرافيا الفلسطينية بإطلاق أسماء ومصطلحات على مدن وقرى فلسطينية والتأريخ لها، وأيضا من خلال إطلاق صفات ومصطلحات على فلسطين ككل، مثل "أرض الميعاد وأرض إسرائيل". إن معالم الربط بين "إسرائيل" القديمة و"إسرائيل" الحديثة بدت واضحة جدا في إعلان الاستقلال الذي أصدره مجلس الأمة المؤقت في "تل أبيب" في 14 مايو 1948، وجاء فيه أن "إسرائيل" التي تقوم اليوم هي إعادة تشكيل لـ "إسرائيل" التي قامت في التاريخ وان أرض إسرائيل هي مسقط رأس الشعب اليهودي وفيها تكونت هويته الروحية والدينية والقومية وأنشأ فيها ثقافة كان لها أثر قومي وعالمي.

ويتحدث البروفيسور "وايتلام" عن المحاولات البحثية التي شهدتها فترة الثمانينات في فرضية "إسرائيل القديمة"، ومنها محاولة عالم الآثار "فينكليشتاين" الذي شكل بحثه تحديا رئيسيا ومهما للتصورات التوراتية المهيمنة على المعارف في الغرب بشكل مزمن ومستمر، واعتبر واحدا من أهم الأبحاث التي احتوت على حقائق علمية تاريخية تستند إلى الآثار. ويعتقد "وايتلام" أن هذه الأبحاث ساعدت على إيجاد مناخ من الارتباك في هذا الميدان الأكاديمي، غير أن هذا الجدل والارتباك عزز في المقابل من محاولات البحث المستمر عن "إسرائيل القديمة"، وهو ما تطلب ان يتم دراسة التاريخ الفلسطيني كموضوع قائم بحد ذاته.

ويخلص "وايتلام"، إلى أن التاريخ الفلسطيني لم يأخذ حقه في الخطاب الأكاديمي الغربي، وذلك لأن الاهتمام الأوروبي ينصب نحو محاولة معرفة جذور حضارتها كما حددتها "إسرائيل القديمة" والتوراة، وبالتالي فإن إنتاج الكثير من الشروح العقلانية الأوروبية كان خادعا لأن صياغتها كانت في إطار الرواية التوراتية، خاصة وأن الدراسات التوراتية ما زالت تحتل الحيز الأكبر في الرؤية الغربية، والدليل على ذلك فشل الدراسات التصحيحية الحديثة في الخروج عن تسلط الدراسات التوراتية في رؤيتها للماضي.

إن إعادة الاعتبار للتاريخ الفلسطيني بحسب "وايتلام" يتم من خلال الدراسة المحايدة وهي أهم مهمة يمكن أن ينتج عنها انتزاع التاريخ الفلسطيني من قبضة الروايات التوراتية ومن قبضة المصالح التي ساهمت في إسكاته طوال هذه المدة الطويلة من الزمن، حتى يصبح لهذا التاريخ موقعا ضمن الخطاب الأكاديمي.

للإطلاع على كتاب اختلاق إسرائيل القديمة.. إسكات للتاريخ الفلسطيني (اضغط هنا)

كيث وايتلام اختلاق اسرائيل القديمة الحق الفلسطيني

كيث وايتلام