الإثنين  26 آب 2019
LOGO

الشتاء لم ينته بانتهاء "المربعانية ".. فـ"السعود الأربعة" وفيرة الأمطار!

2019-02-10 08:59:52 AM
الشتاء لم ينته بانتهاء
رام الله (الحدث)

 

الحدث- إبراهيم أبوصفية

اختتمت المربعانية أيامها وتقسيماتها الثلاثة "الإكليل والقلب والشولة"، لتطل علينا "الخمسينية" بتجلياتها الأربعة "سعد الذّابح، وسعد بَلَع، وسعد السعود، وسعد الخبايا"، إذ إن هذه التقسيمات التي ورثتها الأجيال المتعاقبة، قد اختزلت أيام الشتاء الـ (90).  

فبعد ظهور علم المناخ والأرصاد الجوية وهو علم حديث، لا يزيد عمره على 150 سنة،  واعتماد التوقيت الشمسي في تحديد الفصول، قلت المعرفة الموروثة في بداهية "علم الأجداد" التي وضعت مسميات بناء على قصة حدثت أو ظرف عكس النمط المفاهيمي على الحالة الظرفية الجوية. فقسمت فصل الشتاء لقسمين يختزل أيامه الـ ( 90)، " المربعانية / الخمسينية" ولكل فترة فصولها سنوضحها ونبين توقيتها وظروفها الجوية، بناء على الاعتقادات الموروثة.

وبين الحكواتي والمختص بالموروث الشعبي حمزة العقرباوي، أن فصل الشتاء يمتلك رصيدًا كبيراً في الإرث الشعبي الفلسطيني والشامي، مشيرا إلى أن الشهور الثلاثة بين 22 كانون الأول "الانقلاب الشتوي" و21 آذار "الاعتدال الربيعي" غنيةٌ بمسميات وتقسيمات وتصنيفات خاصة.

وأوضح العقرباوي لـ "الحدث" أن المرحلة الأولى والتي تبدأ بالمربعانية: أربعينية الشتاء واسمها من عدد أيامها الـ ( 40) ، وتبدأ من 22 كانون ثاني حتى أول شباط، إذ تمتاز بقصر نهارها وطول ليلها وكثرة مطرها وشدّة برودتها، منوها أن الأمثلة الشعبية فسرت ظرفها الجوي فمثلا "ما سكعة (برْد) إلا سكعة المربعانية"، "سكعتها (برودتها) بترمي الجمل وبتهد الجبل"، فإن هذه الفترة شديدة البرودة والأمطار.

أشار إلى أن هذه المرحلة تنقسم لثلاثة أقسام: "الإكليل والقلب والشولة"، وهي مواقيت مرتبطة بظهور النجوم في السماء. وأول المربعانية تُسمى "المعيب" لشدة بردها، والقسم الذي يليه يُسمى "الفحل" أي فحل الشتاء لكثرة مطره.

إلا أن القسم الأكبر من فصل الشتاء بعد طي أربعين يوما منه، لم يبدأ بعد، فـ(50) يوما متبقية غنية بالتطورات والاضطرابات الجوية التي يظن البعض أنها قد انتهت بنهاية "المربعانية"، إذ يقول المثل الشعبي الذي يؤكد على أحداث قد تكون غير اعتيادية وهو على لسان المربعانية: "إذا ما عجبكم حالي بوديلكم السّعود خوالي"، وهي السعود الأربعة في خمسينية الشتاء.

فقال العقرباوي أن الخمسينية تبدأ من 1/شباط حتى 22/آذار، وهي أربعة أقسام كل منها 12 يوما ونصف، "سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الخبايا"، وتمتاز بمطرها وتقلب جوها.  

وحول قصة السُعود الأربعة التي تكمن في عدة روايات التي تتطابق في الفكرة، إحدى هذه الروايات،  أن سعد سافر على ناقته فأدركته الأمطار والبرد، فذبح ناقته واختبأ فيها ثم اضطره نفاذ قوته لأن يأكل منها ويبلع من لحمها، قبل أن يغادر مكان اختبائه أخيرا بعد أن نجا من الموت، وعلى ذلك قسمت الأيام وتسمياتها.

أما الرواية الأخرى قالوا: أن شخصاً اسمه (سعد) أراد السفر وحاولت والدته منعه من السفر خوفاً عليه لبرودة الطقس في الشتاء، لكنه أصر على السفر، وانهمرت الأمطار المصحوبة ببرد شديد، وأصبحت أمه تندب حظها على ولدها وتقول: (إن ذَبَحَ سعد يسلم) فسمعها (بالإيحاء) فذبح ناقته وأزال كرشها واختبأ في داخلها ينهش من كبدها، ثم بلع أو أكل في الفترة الثانية ما تبقى من اللحم فقيل (سعد بَلَع)، وعندما زالت موجة البرد الثانية، لبس جلدها فرحاً بنجاته من الهلاك، فقالوا: سعد السعود (الفرح بالانتصار)، ثم خرج من مخبئه فقالوا سعد الخبايا.

وأشارت بعض الروايات أن قصة سعد والسُّعود الأربعة، تعود إلى جماعة قد خرجوا للغزو ومعهم شخص اسمه "سعد" فهبت عاصفة ماطرة شديدة البرد ولم ينج منهم إلا شخص واحد، ولما رجع لقومه سأله والد سعد عن سعد فأجاب لقد ذبح سعد ناقته واختبأ بداخلها لشدة البرد فابتسم الوالد لأنه تيقن أن سعد قد نجا، ولما عاد سعد ورآه والده من بعيد قال "جاء سعد الذابح".

تبقى هذه الروايات في ميزان الصح والخطأ، إلا ان المعروف أن الأجداد في الماضي لم يقولوا شيئاً عبثا أو غير منطقي، أو يتعارض مع الطبيعة، إذ انهم كانوا يوسمون الأيام والشهور بأسماء كي يتهيئون لها في مراحلها القادمة، إذ أصبح عندهم توقعات بناء الحالة التي عايشوها.  

أوقات السعود الأربعة وظروفها الجوية بناء على الاعتقادات:

أولا: سعد الذّابح: يبدأ في 31/1، وهو كناية عن البرد الشديد، الذي يحدث في فترته، ويُعبّر عنه بالمثل الشعبي: (سعد ذبح ، كلبو ما نبح، وفلاحو ما فلح، وراعيه ما سرح).  

ثانيا:  سعد بَلَع يبدأ  في ٢/١٢، وسمي بَلَع، لأن الأرض فيه تبتلع ماءها، فتفيض الأنهار وتمتلئ الآبار (سعد بلع بتنزل النقطة وتنبلع).

ثالثا: سعد السعود: يبدأ في ٢/٢٥، يَكسِر الجو برودته، ويميل إلى الدفء، وتكون هذه المرحلة بمثابة دخول فصل الربيع، حيث ان الأوراق فيه تنضج وتتفتح الأزهار وتبدأ علامات بزوغ الربيع (سعد السعود، بتدب الـمَيِّه بالعود، وبيدفى كل مبرود).

رابعا: سعد الخبايا يبدأ في ٣/٩، تزهر الأشجار وتسرح الحشرات ويدب في الأرض ربيعها. ( سعد الخبايا، بتطلع الحيايا، وتتفتل الصبايا).

يتخلل فصل الشتاء وفي خضم الخمسينية، ما يعرف بالجمرات الثلاث والتي تدلل على مواقيت قرب الصيف، حيث أشار العقرباوي أن سبب تسميتها يعود لنجوم في السماء، وقيل أيضا حشرة (دودة) تخرج في هذا الوقت. فالجمرة الأولى (جمرة الهواء) تكون قبل أو بعد يوم/يومين من 7 شباط، وفيها يكون الهواء دافئا والجمرة الثانية جمرة الماء وتصبح المياه دافئة، والجمرة الثالثة في 21 شباط، وهي جمرة الأرض إذ تبدأ درجات حرارة الأرض بالارتفاع.

في نهاية شباط وبداية شهر أذار تسمى هذه الأيام حسب الموروث الشعبي بـ" المستقرضات"، وهي سبعة أيام يعتقد حسب الحكايات أنها ماطرة.

وتروي الحاجة زينب أبو صفية لـ "الحدث"،  قصة هذه الأيام "أن عجوزا تسكن في إحدى الأودية وتقوم على تربية المواشي، وفي إحدى السنوات لم يكن هناك مطر وفير في شهر شباط، وبدأت العجوز تسخر من هذا الشهر وتقول "راح شباط ودسينا (وضعنا) بقفاه مخباط".  

فتبين الحاجة زينب أن شهر شباط قد سمعها وهي تسخر منه، فاستنجد في شهر آذار ودعاه قائلا  "آذار يا ابن عمي أربعة منّك وثلاثة مني تانخلي وادي العجوز يغني"، فانهمرت الأمطار بغزارة، حتى قلعت الأمطار سكن العجوز وأمات مواشيها، فسميت هذه الأيام " بالمستقرضات"، لاستقراض شهر شباط من شهر آذار.

ويربط مختصو علم الاجتماع الخبرة والتجربة التي عايشها الأجداد في الماضي بالبيئة وهذا الذي ساعد على انتشارها في المجتمع المعتمد في طبيعته على التقليد والمحاكاة.

وأن وجود هذه الموروثات  ناتج عن اهتمام الناس بالحكايا والقصص التي يتم تناقلها، فكانوا سابقا يفرحون عندما يمر كل سعد من هذه السعود لأن معاناتهم من البرد والشتاء تقل إلى أن تصل للربيع.

وقال مدير الأرصاد الجوية الفلسطينية يوسف أبو أسعد، أن هذه التصنيفات تعتمد بطبيعتها على خبرة الأجداد واستشعارهم بالأحوال الجوية، خصوصا وأنه لم يكن هناك مختصون في الأحوال الجوية أو أجهزة رصد في الماضي.

وأوضح أبو أسعد لـ" الحدث" أنه لا يوجد بعد علمي لهذه الموروثات الشعبية، وأن الأرصاد لم تقم في يوم من الأيام بالتوثيق بين البعد الموروثي وبين المنخفضات التي يتم رصدها. مشيرا أنه من الممكن أن يلجأ إليها الأخصائيون الأرصاد الجوية أحيانا، لمقارنتها بالمعطيات العلمية، والاستفادة من دقتها في إثراء المعطيات العلمية.