الخميس  18 تموز 2019
LOGO

معاداة السامية، الصهيونية، إسرائيل

2019-02-26 07:37:07 AM
معاداة السامية، الصهيونية، إسرائيل
رولا سرحان

 

تزامنت تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، التي قال فيها إنه يجب المساواة بين "معاداة السامية" وبين "معاداة الصهيونية" من الناحية الجرمية، مع مجموعة من الهجمات الإعلامية التي استهدفت يهود فرنسا. فما بين رسوم الكاريكاتير، وتدنيس المقابر، والرسائل المعادية لليهود التي ظهرت بين أعضاء حركة السترات الصفراء المناهضة لحكومة ماكرون أيضاً، تدفقت موجة من المنشورات والعبارات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من قبيل "العم أدولف لم ينهِ المهمة" و "يا أصدقاء! فرنسا ملك لكم وليس لليهود الصهاينة". وشكل الأمر فرصة ملائمة ومستغلة لتحريك آلة الدعاية الصهيونية في فرنسا للترويج لاعتبار "معاداة السامية" و"معاداة الصهيونية" شيئاً واحداً. 

القصدية وراء هذا الاستغلال، لا تخلو من بعد باطني يُحاول تحصيل مزيدٍ من المواقف الداعمة من قبل حزب ماكرون الوسطي الليبرالي لإسرائيل تمثل في إبلاغ نتنياهو من قبل ماكرون بأن الأخير سيعمل على تعديل قانون العقوبات الفرنسي لتتساوى معاداة السامية مع معاداة الصهيونية في تحقيق لمزيدٍ من اللُبس والخلط بين المفهومين، وتزييف لتاريخ تخليقهما.

اللافت في الأمر أن هنالك توافقاً ما بين 18 حزبا في فرنسا وحزب الوسط الذي يقوده ماكرون على مواجهة الأمر، والذي يذكر بذلك التلاقي، لكن المضاد، ما بين اليمين الجمهوري العقلاني المستنير مع اليمين المتطرف الكاثوليكي الملكي الفرنسي على إدانة الضابط الفرنسي اليهودي ألفريد درايفوس، الذي اتهم بالتعاون مع النازية الألمانية ضد بلده فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية. في تلك الفترة كانت تجتاح فرنسا موجة مشابهة من معاداة السامية، لكن بوطأة أكبر، كان يقودها كاتب كاثوليكي من دعاة عودة الملكية إلى فرنسا هو إدوارد دريمون، والذي يعتبر أحد أهم المؤسسين لما يُسمى بـ"معاداة السامية" في فرنسا، إذ كان يعتقد أن اليهود هم سبب سقوط الملكية، فضلاً عن كونهم يسيطرون على رؤوس الأموال في فرنسا تماما مثلما يسيطرون على البنوك الفرنسية اليوم كما تقول حركة السترات الصفراء.

وقد كانت تلك القضية، نقطة فاصلة في تاريخ مظلومية اليهود في فرنسا، ليتم على إثر هذه الحادثة التأسيس للبعد العملي لفكرة أن اليهود لا يمكنهم الاندماج في مجتماعاتهم الأوروبية الحالية، وأنه يجب إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، تلك الفكرة التي أخذها نحو التطبيق ثيودور هرتسل، الذي استغل قضية درايفوس، للترويج لفكرة مظلومية اليهود ليس في فرنسا وحدها فقط، ولكن في كل أوروبا، ليبرز ضرورات إقامة وطن لليهود في فلسطين.

وتعمل آلة الإعلام الصهيونية في الترويج لدعايتها السياسية، لتضخيم ما يحدث في فرنسا، دون أن يكون هنالك متهم محدد وواضحٌ قابلٌ للعقاب في أعمال ما يُسمى بـ "معاداة السامية"، ما يثيرُ شُبهات حول الدوافع الحقيقة وراء استجلاب الفكرتين -معاداة السامية ومعاداة الصهيونية- على قدم المساواة.

إن المتتبع للأمر يلحظ أن هنالك محاولات لإنجاح الفكرة المتمثلة في تحويل الكيان الإسرائيلي-الإستعماري القائم تأسيساً على بعد مادي إحلالي أسسته حركة استعمارية هي الحركة الصهيونية، إلى "دولة يهودية" قائمة على بعد غيبي خلاصي، بحيث تصبح "دولة إسرائيل المحتلة"، "دولة يهودية"، تمنحُ شعبها حصرية المواطنة المنبثقة من عضوية تماسك أفرادها الذين لا يُمكنهم استيعاب أي آخر، لكن بإمكانهم طردُ كل من لا يحمل تلك الصفة العضوية المرتبطة حصراً بـ "شعب الله المختار".

من جهة ثانية، فهي محاولة لترسيخ التساوي من الناحية المفاهيمية ما بين "معاداة السامية/اليهود"، ومعاداة الصهيونية باعتبارها –كما تعرف نفسها- "الحركة القومية للشعب اليهودي"، فتكون المحصلة تبني فكرة أن هنالك معاداة لـ "القومية اليهودية"، ومعاداة القومية اليهودية تعني معاداة كل ما يصدر عن "اليهود كقوم"، وكدولة، وبالتالي كسياسات، بما فيها معاداة الاحتلال، ومعاداة التطبيع، ومعاداة دعوات المقاطعة الاقتصادية.