الخميس  18 تموز 2019
LOGO

عزل الأسرى وهندسة الزنازين الكبيرة

2019-04-11 08:18:31 AM
عزل الأسرى وهندسة الزنازين الكبيرة
تعبيرية

 

الحدث - محمد بدر

إن أمكنة بعض مؤسسات التعذيب واحدة من المعايير المهمة التي يجب أن نعيد استقراءها في هذا الوقت بالذات، فالإسرائيليون يسعون من خلال فصل الأسرى الفلسطينيين وعزلهم وتقليص الزيارات ومنع التواصل مع أهاليهم ليس فقط معاقبتهم، بل إنتاج جسم اجتماعي معزول عن الجسم الاجتماعي الأساسي، وهذه واحدة من التفسيرات لعدم وجود تضامن قوي وحقيقي يرتقي بمستوى قضية كقضية الأسرى، فالجسم الاجتماعي الأصلي معزول عن تفاصيل الحياة اليومية للأسرى، والتي يتم طرحها في الفضاء العام من خلال نشاط إخباري معلوماتي مجرد في غالبيته.

إن الدولة الحديثة (إسرائيل كمثال) وجدت في السجن ليس فقط مكانا للعقاب والعذاب وهندسة العلاقات، وأشياك وجدران السجن ليست فقط كاتم سر العذاب، بل إن هذه الدولة تسعى لتفريغ المجتمع من مظاهر التوتر الناتجة عن ممارسات التعذيب، والفرق بين جريمة قتل توثقها الكاميرا على حاجز إسرائيلي وجريمة قتل جسد وروح الأسير، فقط الأشياك والجدار والمجتمع المهووس بالمرئي.

إن الممارسات الإسرائيلية المدروسة الرامية لعزل الأسرى عن اهتمام الشارع، جعلت وزير الأمن الداخلي لدولة الاحتلال جلعاد أردان، مطمئنا لعدم وجود حراك قوي في قضية الأسرى، فهو يشير بوضوح إلى أن قضية الأسرى ما زالت محل إجماع فلسطيني لكنها لن تحظى بتضامن كبير. ويكشف بتصريحه هذا، عن رؤية إسرائيلية واقعية في موضوع الأسرى، فمن جهة لا أحد يتنكر لهذه القضية على المستوى النظري، لكن التنكر الفعلي هو سيد الموقف من خلال عدم وجود تضامن حقيقي عضوي مع هذه القضية.

إن جوع الأسير في هذه المرحلة وفي كل المراحل، هو دليل آخر على التوزيع المتراكم للاهتمامات المعزولة عن بعضها البعض لدى الفلسطينيين، لأن الإشكالية الأساس هي: ما الذي دفع الأسير لهذه الخطوة وهذه المواجهة؟، وإذا كان فوكو قد ذهب إلى تفسير بعض الإجراءات التي تقوم بها الدولة من خلال السجن  على أنها هندسة لجسد السجين، فإن السجن في الحالة الفلسطينية بالإضافة إلى "ساحات أخرى" هي هندسة لجسد الشعب الفلسطيني بواسطة زنازين انفرادية اسمها: قطاع غزة والداخل المحتل والضفة وسجون ولاجئين، تختلف أهداف القابعين فيها بما يتناسب وشروط كل زنزانة.

إن ما تقدم يؤكد لنا على البعد الاجتماعي الذي يحققه الانقسام الفلسطيني في القضايا لصالح "إسرائيل"، وهو ما يؤدي بنا للتأكيد على ضرورة التفاعل مع قضية الأسرى وقضايا الإجماع الفلسطيني بشكل عضوي ومباشر وواقعي، والانتقال من قاعدة هذا التضامن إلى قضايا أخرى، فقد نصل في النهاية إلى مشروع استراتيجي عملي بعد فشل المشاريع التي تبدأ بالتنظير وتنتقل إلى الفعل.