الثلاثاء  01 كانون الأول 2020
LOGO

الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل.. عندما يأتي على لسان اقتصاديين

2019-07-30 03:55:20 PM
الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل.. عندما يأتي على لسان اقتصاديين
بائع متجول في أسواق فلسطين

الحدث - رولا حسنين

منذ أزمتها المالية المتواصلة بعد أن اقتطع الاحتلال الإسرائيلي ما يقارب 28 مليون دولار أمريكي من أموال المقاصة؛ والسلطة الفلسطينية تبحث عن مخرج "حقيقي أو وهمي" إزاء ذلك، خاصة وأن الأمر انعكس على رواتب الموظفين العموميين، وما يترتب على ذلك من تراجع اقتصادي ملموس، أظهره تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الأخير عن تراجع في النمو الاقتصادي الفلسطيني الى %0.9 بعد أن كان أكثر من 3 % في الأعوام السابقة.

لم تجد نفعاً محاولات المؤسسة الرسمية التوجه إلى جامعة الدول العربية لتفادي أزمتها، حيث ظلّت وعودات الدول العربية بتقديم الدعم المالي للسلطة الفلسطينية حبيسة أروقة جامعة الدول العربية، وتصريحات إعلامية ليست أقلّ ضجيجاً من تصريحات القيادة الفلسطينية بـ "الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل"، كعقوبة ضد الاحتلال على اقتطاعه أموال المقاصة!.

أما عن الوعود الدولية بدعم السلطة الفلسطينية لعدم انهياراها أمام أزمتها الاقتصادية، كانت أيضاً مجرد مؤتمرات لم تدخل مخرجاتها حيز التنفيذ، كمؤتمر بروكسل الذي شارك فيه رئيس الوزراء محمد اشتية، الأمر الذي اضطره للإعلان خطة الـ "100 يوم" وذلك في العشرين من أيار المنصرم، إحدى أبرز خطواتها هي "الانفكاك الاقتصادي الفعلي عن إسرائيل"، الأمر الذي جدد الحديث به الرئيس محمود عباس قبل أيام بضرورة تشكيل "لجنة الانفكاك الاقتصادي عن الاحتلال" فما حقيقة الخطوة؟ ومنَ أعضاء اللجنة؟ وما آليات تطبيقها للانفكاك وسقفها الزمني؟ وماهية واقعية هذا الانفكاك؟.

وعودة إلى العام الماضي؛ فإن الأمر بتشكيل هذه اللجنة والدعوة إلى الانفكاك عن الاحتلال كان في أكتوبر 2018، حيث اتخذ المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، خلال دورته 30 التي عُقدت في رام الله يومي 28، 29 من تشرين الأول/ أكتوبر العام المنصرم، قرارا بتشكيل لجنة لمتابعة العلاقة الرسمية مع الاحتلال أبرزها موضوع الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل، والمرتبط باتفاق باريس، الذي تم توقيعه في 29 من نيسان/ إبريل 1994.

وحتى يومنا هذا تراوح اللجنة –غير معلّنة الأعضاء- مكانها في قضية الانفكاك، ومضى أكثر من نصف المدة التي طرحها اشتية للسيطرة على أزمة السلطة المالية، إلى أين نحن ذاهبون؟

أسئلتنا طرقنا بها باب الخبير الاقتصادي هيثم دراغمة، والذي أكد أن الحديث عن موضوع انفكاك اقتصادي مع دولة الاحتلال بشكل كامل هو أمر غير وارد وغير ممكن وغير واقعي على الإطلاق، بمعنى أنه عندما تحدث رئيس الوزراء محمد اشتية وعدد من وزرائه عن إمكانية الانفكاك عن الاحتلال بالشكل الفضفاض؛ كان الأجدر أن يتحدثوا عن الجوانب التي من الممكن الذهاب إلى الانفكاك من خلالها وفي أي قطاعات سيحدث ذلك.

وأضاف: لطالما لا يوجد لدينا معابر وموانئ ولا علاقات تجارية حرة أو جزئية مع دول الجوار،فإن هامس امكانية تطبيق الانفكاك الجزئي أو البسيط أو التدريجي عن الاحتلال ليس واقعي، ولا يؤثر سلباً إلا على الفلسطينيين كون بنية اقتصادنا مشوهة. وعزا دراغمة ذلك الى عدم عملنا طوال سنوات ما بعد تأسيس السلطة الفلسطينية على امكانية تنمية مستدامة بحد أدنى لاقتصادنا.

وعلى افتراض أن الانفكاك سيتمثل في استيرادنا بعض المنتجات اللازمة كالطاقة والبترول مثلاً؛ أكد دراغمة أنه لا تتوفر قدرة حقيقية لدى السلطة الفلسطينية أن تستورد مشتقات الطاقة من أية دولة لعدة أسباب، منها الاحتلال الذي لن يسمح بذلك وكذلك عدم جهوزيتنا للاستيراد مثل هذه المواد، لعدم توفر مختصين في تخزين هذه المواد والتعامل معها.

وحول اتفاقية باريس التي يتم التطرق لها دائماً إذا ما تم الحديث عن انفكاك اقتصادي مع الاحتلال، قال لـ "الحدث" إن اتفاقية باريس ما زلنا نتشبث بها رغم أنها تخدم الاحتلال أولاً وأخيراً، بينما الاحتلال ينقضها خاصة فيما يتعلق بواقعنا الفلسطيني.

وأشار إلى أن الجوانب التي من الممكن النظر إليها لإحداث انفكاك بسيط عن الاحتلال، تتعلق بإنتاجاتنا المحدودة جداً، وفي هذا الجانب أيضاً نجد أن السلطة الفلسطينية غير قادرة على منافسة منتجات الاحتلال في سلعته التي تدخل أسواقنا بأيد فلسطينية، دون رقابة بعقوبة تكون موازية لهذه الجريمة. عدا عن انعدام توفر الدعم الحكومي للمزارعين والمنتجين على عكس أوضاع المزارعين في دولة الاحتلال الذين يتلقون دعماً حكومياً كبيراً.

وشدد دراغمة أن راسمي السياسة الاقتصادية عاجزون عن رسم سياسة إمكانية الانفكاك التدريجي، خاصة وأن الانفكاك الاقتصادي لن يأتي بمنأى عن الحل السياسي، فلم تتشكل أية لجان ولم يوضع سقف زمني لأي لجنة منذ تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994.

وحول سؤالنا عن أعضاء ماهية تشكيل لجنة الانفكاك الاقتصادي، قال دراغمة: سمعنا عن لجان بخصوص دراسة إمكانية الانفكاك والجوانب التي يمكن الولوج منها في تطبيق الانفكاك، ولكن لم نسمع عن تشكيل اللجنة وولادتها ولا حتى عن أعضائها.  مشيراً إلى أن هذه التصريحات الإعلامية المتكررة من فترة إلى أخرى مراوغة لدولة الاحتلال لتنزل إلى حد قليل عن سقف العقوبات التي تمارسها على السلطة الفلسطينية.

هيثم دراغمة الخبير الاقتصادي

ولكن إذا ما انهار الاقتصاد الفلسطيني بشكل كامل وسط تراجع كبير في مستوى المعيشة في ظل نقص رواتب الموظفين، سيؤثر الأمر على الأوضاع السياسية والأمنية، فكيف ينظر الاحتلال إلى هذا الخيار. قال الخبير الاقتصادي هيثم دراغمة إن سقوط السلطة الفلسطينية سينعكس سلباً على الاحتلال من نواحٍ عدة أهمها الأمنية؛ فالاحتلال يأخذ قراره على المستوى السياسي والعسكري، حيث المؤسسة العسكرية دائماً تحذر من أن أي انهيار اقتصادي لدى الفلسطيني سيؤدي إلى فلتان أمني ينعكس سلباً على الاحتلال.

وأضاف: هذا الجانب هو الذي ما زلنا نعوّل عليه نحن كفلسطينيين بعدم حصول انهيار اقتصادي وأن الاحتلال سيتراجع عن عقوباته للسلطة الفلسطينية، ولكن التعويل عليه لا يجب أن يكون بدرجة كبيرة.

وأردف لـ "الحدث": من المفترض أن نرسم سياسات واضحة ومتعددة الجوانب، فيما لو مورست علينا ضغوطات أن لا تبقى مدخولاتنا من كل الجوانب كالسيف المسلط على السياسات الفلسطينية من قبل الاحتلال، وشدد على أننا ما زلنا نجهل رسم سياسة عامة للدولة ودائماً نتذرع بعدم قدرتنا على ذلك، أن دولة الاحتلال تعيق إمكانياتها.

وقال دراغمة: مَن أراد أن يشغل منصبا، عليه أن يكون في جعبته الخيارات التي من الممكن أن تواجهه من إمكانية محاصرة ومعاقبة الاحتلال لنا، معتبراً أن استبدال حكومة بأخرى ما لم تكن في جعبتها شيئا تقدمه لصالح الفلسطينيين أمر غير مجدٍ.

وأشار إلى أنه يقع على عاتق الفلسطينيين اإجاد عمق عربي ودولي مع الدول الراعية لعملية السلام، وإقناعهم بضرورة الانفكاك عن الاحتلال اقتصادياً، لأن الاحتلال يعلم أن أي استقلال من التبعية الاقتصادية يعني أننا سنتحرر من الاحتلال كاملاً.

وأبدى دراغمة استغرابه من الحديث عن انفكاك اقتصادي مع الاحتلال من أشخاص مختصين بالشأن الاقتصادي الفلسطيني كرئيس الوزراء محمد اشتية ويعلمون تماماً عمق الاقتصاد الفلسطيني وأوضاعه المزرية.