الإثنين  26 آب 2019
LOGO

"أنوف اليهود قبيحة"

وأنف إيدي كوهين

2019-08-05 06:50:08 PM
رولا سرحان

 

كتب الصحفي البلجيكي، ديميتري هرهولست، مقالاً في صحيفة "دي مورجن" البلجيكية، وصف فيه "أنوف اليهود بالقبيحة". ونتيجة لذلك الوصف، قدم ممثلو الجالية اليهودية شكوى للشرطة البلجيكية وفق الذريعة الجاهزة دائمة؛ "معاداة السامية". وفي إطار دفاعه عن الفلسطينيين، يرفض الصحفي البلجيكي اليساري، في مقاله المنشور في 27 تموز 2019، حجة ربط الدين بالدولة لإنشاء إسرائيل، ويقول: "لا توجد أرض موعودة، فقط توجد أرض مسروقة"، وتلك عبارة مقتبسة عن المغني الفرنسي اليهودي سيرج جينسبورج.

سياق ذكر الخبر أعلاه، له استدعاء مشابه وفق مبدأ "الاختراع" الذي تحدث عنه شلومو ساند في كتابه "اختراع الشعب اليهودي". فمثلما يُحاول الكثير من اليهود نفي فكرة "تمايزية" الأنف اليهودي، أي أن لليهود أنفاً يميزهم عن بقية البشر من حيث الشكل، فإن ساند يُثبتُ أنه لا يوجد شعبٌ يهودي وفق مفهوم القومية.

ورغم قيام عالم الأنثروبولوجيا موريس فيشبرغ في عام 1911، بقياس أنوف 4 آلاف يهودي في نيويورك باستخدام الفرجار، فإنه لم يجد فرقًا كبيرًا في حجم أنوف اليهود مقارنة مع السكان الآخرين للمدينة؛ مع ذلك، ورغم أدائية "تجربة" فيسبرغ ظل الأمر شائعاً في أوروبا: "أنوف اليهود قبيحة وكبيرة". ويعود الأمر إلى أن نمطية الاستخدام "stereotype" كانت أقوى من العلم ومن "الحقيقة"، ذلك لأنها تشكلت من منبع متتابع في تكراره مرتكزة أحياناً على الفنون والآداب وأحياناً أخرى على الصحافة وفي أحياناً ثالثة دون ركائز.

فمثلما استخدمت البروباغندا النازية إبان فترة حكم هتلر الأفلام والصحافة لإثارة مشاعر الكره والحقد اتجاه اليهود، أخذ الفن في نهاية القرن الثالث عشر منحى أكثر واقعية وتمثلاً، حيث بدأ الاهتمام بتجسيد الحجم والمنظور والملامح والسمات الشخصية في اللوحات الفنية، فرُسمت أنوف اليهود في اللوحات التي تجسد آلام السيد المسيح وتحمل اليهود المسؤولية عن صلبه، بشكل محدب مدبب معقوفٍ إلى أسفل.

لم تكن صفة اليهودي ذي الأنف الكبير وحدها التي تشكل تمايزه عن الأعراق الأخرى، فقد وسم اليهودي أيضاً بأن جمجمته تختلف من حيث الشكل والحجم عن جمجمة بقية الأجناس، وأن صدره أضيق، ومن ثم أخذ الأمر بعداً سياسياً بأن أصبح اليهود مطالبين بارتداء القبعات الحمراء لتمييزهم عن بقية القوميات.

وقد كانت شخصية اليهودي في العصور الوسطى وحتى العصر الحديث سبباً لإلهام الكتاب والأدباء: من مارلو ومسرحية "يهودي مالطا" إلى شيكسبير في "تاجر البندقية" و"عطيل" و"هنري الرابع"، وبوشكين في مسرحيته الشعرية "الفارس البخيل"، وغوغل في ملحمته التاريخية "تاراس بولبا"... حتى ديستويفسكي الذي كتب مقالاً مطولاً بعنوان "في المسألة اليهودية". وجميع هذه الاستخدامات الأدبية كانت تدلل على الصفات الأخلاقية والسلوكية ليهود أوروبا، والموصوفة بالبخل والجشع والطمع وحياكة الدسائس والمؤامرات والتي انعكست في استمرار تمثيل صفاتهم الجسمانية بقبح متجسدٍ في أنوف قبيحة.

والأنف في المعتقدات التقليدية رمز الأنفة والعزة، والكبرياء، والغرور و"الحشرية"، وكذلك رمز للهوية، وفي الأدب هو سخرية صاغها نيكولاي غوغل، والذي كان أيضاً يُعاني من سخرية الآخرين من أنفه، لتقدير السلوك بناء على المظهر الخارجي، إذ تحكي القصة كيف "استيقظ مفتش الكليات كوفاليوف ذات صباح ولم يجد أنفه وراح يفتش عنه بذهول ورعب في كل مكان في المدينة والبيت محاولا إيقاظ نفسه من ذلك الكابوس، وأخيرا وجده في زي عسكري يجول أرجاء المدينة، لتبدأ المطاردة بينهما. ويرى النقاد في عمل غوغل هذا سخفاً، لكنه سخفٌ يسمح بإنشاء مسافة بين القارئ والكاتب ما يتيحُ توجيه نقد لاذع لواقع القارئ المبني على السخف المتجسد في الكبرياء الفارغة، ففقدان الأنف فقدان للكبرياء وسماحٌ للبصيرة بالعبور إلى الرؤية، رؤية الآخر بالتساوي.

وفي اللغة العربية يُقال: "جرى الأمر رغم أنفه" أي "رغماً عنه ودون إرادة منه". ويُقال "مات حتف أنفه أي على فراشه"، مثل خالد بن الوليد، أي مات ميتة "طبيعية"، لا في ميدان قتال ولا في مصارعة مرض.

مؤخراً، نفخ "الشيطان" في أنف إيدي كوهين، أي تطاول إلى ما ليس له، تابعاً أنفه، أي متشمماً رائحة الخلافات بين الأشقاء ليؤجج خطاب الكراهية بينهم. فقد أتاحت ملاسنات رواد مواقع التواصل الاجتماعي من سعوديين وفلسطينيين، تمثُّلاً جلياً، لتموضع خطاب الكراهية بين الشعبين الشقيقين، رغم بعض محاولات "أصحاب الخطاب المتزن" احتواء المشهد؛ منطلقين من افتراض أنه لا مكان لخلاف الأشقاء، تحت ذريعة أننا طبائعياً، وغرائزياً، نميلُ لاعتبار تمثل هذه العداوة أمراً خارجاً عن سمة علاقة الأخوة المحفورة في المخيلة، والقائمة على المودة والمحبة والاحترام والعطف، والواجب تجسدها في تلك العلاقة بتلقائية، على اعتبار أن خلاف ذلك هو أمرٌ خارجٌ عن "المتذهَّن" أو "المعقول" أو "الطبيعي".

غير أن تمثلات التاريخ، وخيالات الأدب، وميثولوجيا الديانات، تشهدُ على خلاف ذلك: بدءاً من قابيل وهابيل، ومروراً بيوسف وأخوته، وانتهاءً بيعقوب وشقيقه التوأم عيسو، والخليفتين العباسيين الأمين والمأمون أبناء هارون الرشيد، لينسحب أمر البغضاء بين الأشقاء، بحسب نص الكتاب المقدس، على علاقة أنبياء إسرائيل بعضهم مع الآخر.

وفي مختلف المرويات، هنالك دائماً عواملُ تؤجج هذا الصراع باتجاه الملحمية يقوم بها فاعلٌ ما، فهو الشيطان بين قابيل وهابيل الذي يُعيدُ إنتاج بواعث الاختلاف والعنف، عبر تجسده أفعى حيناً، وقطة سوداء حيناً آخر، وأعرابي بلا هوية حيناً ثالثاً، وصهيوني يحشرُ أنفه فيما لا يعنيه على مر التاريخ.

قديماً، كانت التماثيل ُ تعتبر مسكن قوة الإله مانح سلطته ومفوض قوته للملك أو الفرعون، فكان تماثيل الملوك والفراعنة عبارة عن صورةٍ من روح الإنسان المتوفى التي تسكن ذلك التمثال، وكان يُعتقد أنه في سبيل تعطيل قوة روح الملك فإن أفضل طريقة هي قطعُ أنفِ التمثال، تماماً مثل أنف تمثال أبي الهول في الجيزة مقطوع الأنف. وجدعُ الأنف، أي قطعه، هي عادةُ عند الرومان لإنزال العقوبة باللصوص.

وعند العرب مثلٌ يقول: أنفُك منك وأن كان أجدع، وبحسب لسان العرب، فهو مثل يُضربُ في غير المرضي يستبقيه المرء ولا يجفوه لقرابته منه أو صلته به. فأنف السعوديين منا وإن كان أجدعاً، وأنفُ كوهين يستحق أن يُجدعا!