الأحد  25 آب 2019
LOGO

غرام حتى الإعدام (2)/ بقلم: د. سامر العاصي

2019-08-14 01:40:29 PM
غرام حتى الإعدام (2)/ بقلم: د. سامر العاصي
د. سامر العاصي

 

في شهر تموز من العام 1943، قام الحلفاء بإنزال جيوشهم في جزيرة صقلية، واعتبر الشعب الإيطالي أن موسوليني خدعهم، وأنه هو السبب الذي أدى إلى هزائمهم وخسائرهم العسكرية واحتلال أراضي بلادهم. وبين ليلة وضحاها، صار الدوتشي، عدو الشعب رقم 1، واجتمعت قيادة الحزب الفاشي يوم 24 تموز، وأوصت بعزل موسوليني عن قيادة الحزب ورئاسة الوزراء، وتسليم قيادة الجيش إلى الملك "إيمانويل الثالث". وفي اليوم التالي، ذهب موسوليني للقاء الملك الذي أصدر أوامره بحل الحزب الفاشي واعتقال الدوتشي ووضعه تحت الإقامة الجبرية في مكان سري ريثما تتم محاكمته. وأعلنت إيطاليا، يوم 8 أيلول، خروجها من الحرب. ورد الألمان على ذلك باحتلال شمال إيطاليا. وكان هتلر، قد طلب من أحد أهم رجالات الصاعقة، العقيد "أوتو سكوتسيني"، إعداد خطة لتحرير موسوليني من الأسر، شريطة أن لا يتأذى "الدوتشي" ولو بنقطة دم واحدة. وبالفعل، نجحت الخطة العسكرية، يوم 12 أيلول 1943، وتم تحرير موسوليني من معتقله السري في أحد الفنادق على رأس إحدى جبال الألب. وفي اليوم الثاني، التقى هتلر، في مقره في جنوب ألمانيا، بصديقه المحرر موسوليني، معطيا إياه الأوامر بتأسيس "جمهورية إيطاليا الاشتراكية"، أو كما أطلق عليها، "جمهورية سالو"، وإعدام كل المتآمرين، بمن فيهم زوج ابنته ووزير خارجيته السنيور غالياتسو تشانو. واتخذ موسوليني من مدينة "غارينانو"، مقرا له، بعد أن انضمت إليه عشيقته "كلارا بيتاتشي". 

الطريف ذكره، أن ملك إيطاليا، "إيمانويل الثالث"، عندما علم بتحرير موسوليني؛ فر هاربا من روما إلى جنوب إيطاليا، ملتجئا إلى الحلفاء، الذين كانوا قد احتلوا جنوب البلاد، وذلك خوفا من انتقام الدوتشي. يذكر أن الملك، "إيمانويل الثالث"، تنازل عن عرشه عام 1946 لابنه الوحيد وآخر ملوك إيطاليا "أومبرتو الثاني"، الذي تربع على العرش 33 يوما فقط، قبل أن يتم نفيه إلى البرتغال. ولجأ "إيمانويل 3" إلى مصر، حيث عاش في الإسكندرية، وتوفي هناك عام 1947. يذكر، أن الدستور الجمهوري الإيطالي الجديد، كان قد منع عودة جميع ورثة العرش الإيطالي من الذكور (فقط) إلى إيطاليا مرة أخرى. وبعد مرور 70 عاما؛ نقلت رفات "إيمانويل 3" إلى إيطاليا، ليدفن هناك، وما زالت إحدى الساحات الكبيرة في منطقة سموحة في الإسكندرية تسمى باسمه حتى اليوم. 

ومع نهاية شهر نيسان 1945، أصبحت هزيمة الألمان في الحرب مؤكدة، خاصة بعد أن حاصرت جيوش ستالين مقر هتلر في برلين. وقرر الجيش الألماني، في شمال إيطاليا الانسحاب، بعد اتفاق بتسليم المطلوبين من أعضاء الحزب الفاشي إلى حركات الفدائيين الإيطالية. وفي مساء يوم 26 نيسان، حضرت زوجة موسوليني، وأم أولاده الخمسة "راشيل غويدي" إلى مخبأ زوجها، وبعد أن ودعته هربت إلى سويسرا، وبعد انتهاء الحرب، تم تسليمها إلى الجيش الأميركي الذي أطلق سراحها بعد أشهر قليلة، وعاشت السيدة "راشيل" حتى العام 1979 بعد أن افتتحت مطعما خاصا في مدينتها "بريدابيو".

وفي الصباح الباكر، من يوم 27 نيسان، انسحبت قافلة عسكرية ألمانية، نحو الحدود السويسرية، كان من ضمنها "كلارا بيتاتشي"، التي لم يتم التعرف عليها. واستطاع أحد الفدائيين الطليان التعرف على موسوليني، الذي لبس لباسا عسكريا ألمانيا!. ومع أن كلارا كانت قد اجتازت الحاجز الأمني للفدائيين الطليان؛ إلا أنها عادت لتنضم إلى حبيبها الذي لم ينجح في الهروب ضمن القافلة الألمانية. واختبأ الاثنان في مؤخرة سيارة نقل، التي سرعان ما عرف صاحبها هوية الراكبين، دون أن يُظهر لهما ذلك، وسارت بهما الشاحنة إلى قرية نائية، بالقرب من مدينة دونغو، على الحدود مع سويسرا، وهناك أمر السائق الدوتشي وعشيقته، بالنزول تحت تهديد السلاح. وفي اليوم التالي، وصل ممثل جبهة التحرير الشعبية العقيد "فاليريو"، الذي أخبر الدوتشي، بأنه جاء لإنقاذه. وتم اصطحاب موسوليني وعشيقته إلى القرية الصغيرة "ميدزغرا". وفي الساعة الرابعة وعشر دقائق، من بعد ظهر يوم 28 نيسان، تم إعدام موسوليني وعشيقته ومجموعة من كبار أعضاء الحزب الفاشي، رميا بالرصاص. 

الغريب، أن أحد رجالات الاستخبارات البريطانية، حضر عملية الإعدام، ويقال إن رئيس وزراء بريطانيا السابق، ونستون تشرشل، كان معنيا بالحصول على وثائق هامة، كانت بحوزة موسوليني، قبل إعدامه، وتؤكد بعض المصادر، أن وقوع تلك الوثائق بأيدي ستالين، كانت ستشكل أزمة دبلوماسية بين البلدين "الحليفين". 

ومن الجدير ذكره، أن كلارا بيتاتشي، التي لم يحكم عليها بالإعدام، رفضت الابتعاد عن عشيقها لحظة إطلاق الرصاص عليه، وتم إعدامها أيضا. وفي صباح يوم 29 نيسان، أٌلقي بجثث القيادات الفاشية في ساحة "لوريتو"، وسط مدينة ميلانو، وتم تعليق الجثث من أرجلها، وهي الطريقة التي كان يتم بها إعدام الخونة في روما القديمة، والتي حاول بينيتو موسوليني إحيائها. وفي اليوم التالي، تم إلقاء القبض على العقيد الفاشي "أكيل ستارتشه"، واقتياده إلى ساحة "لوريتو" لإعدامه، حيث كانت جثة موسوليني وكلارا ورفاقهم، ما زالت ملقاة عند "حاوية القاذورات"، الأمر الذي ألهب مشاعر العقيد "أكيل"، الذي وقف صلبا أمام الجماهير، رافعا يده اليمنى تحية للدوتشي، صارخا بأعلى صوته: عاش... عاش الدوتشي موسوليني!. وعلى الفور، تم إطلاق الرصاص، على الرجل، من مئات البنادق.

وفي العام 1946، وتحديدا في عيد الفصح، تم نبش قبر موسوليني، في ميلانو، وخطف جثته، من قبل بعض أعضاء الحزب الفاشي. واكتشفت "السرقة" بعد أشهر قليلة، وقامت الحكومة الإيطالية، بحبس الجثة، حتى العام 1957، ثم سلمت إلى أهله، وتم دفن جثمان الزعيم في مدينته "بريدابيو"، إلى الشمال الشرقي من مدينة فلورنسا.