الإثنين  16 أيلول 2019
LOGO

اليهود الروس في "إسرائيل".. خدمات مهمة في مواجهة عنصرية طاردة

2019-08-23 05:03:43 PM
اليهود الروس في
يهود روس

الحدث ـ مادلين إبراهيم

قبيل انهيار الاتحاد السوفييتي سابقاً في أواخر ثمانينات من القرن الماضي، هاجر إلى دولة إسرائيل من يهود روسيا قرابة الثمانمائة ألف يهودي، ما شكل نسبة 20% من إجمالي عدد اليهود المهاجرين في إسرائيل وقتها، لتبدأ موجة هجرة كبيرة لإسرائيل مغذية لها في عدة مجالات سواء في السياسة والاقتصاد والطب و والثقافة والتعليم غيرها من المجالات، خاصة وأن يهود روسيا كانوا يعيشون في مجتمع يهودي قوي متمكن اجتماعيا ومادياً وتعليماً، بفعل الظروف التاريخية والاجتماعية لليهود في روسيا.

وفي الوقت الذي كانت إسرائيل تسعى جاهدة لإيجاد حل لأحد أهم المشاكل في دولتها وتركيبتها حظيت مشكلة مواجهة "القنبلة الديموغرافية الفلسطينية" بأهمية كبيرة، حيث أجمع الباحثون والمختصون في مراكز البحث الإسرائيلية في وقتها على ضرورة ترجيح كف الميزان الديموغرافي لصالح إسرائيل، فعملت الحركة الصهيونية على إقناع اليهود بالهجرة لإسرائيل. ومن أهم موجات الهجرة: هجرة يهود أثيوبيا والهجرة الروسية الكبرى لإسرائيل، حيث عبر شمعون بيرتس رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق عن هذه الهجرة بوصفه إياها: " أنه لولا هذه الهجرة لكانت إسرائيل بحالة ميؤوس منها بدون مليون يهودي روسي".

 وعلى الرغم من أن بعض التقارير والدراسات تحدثت بعدم رغبة اليهود بالهجرة لإسرائيل، خاصة وأن الظروف الأمنية لإسرائيل كانت في حالة سيئة كنتيجة لانتفاضة الحجارة الفلسطينية في وقتها، إلا أن الحركة الصهيونية نجحت في إقناعهم من خلال الاتصالات المكثفة التي أجرتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لإقناع الرئيس الروسي ميخائيل غورباتشوف  بتسهيل سفر اليهود والسماح لهم بذلك، نظراً للقيود التي كان يفرضها الاتحاد السوفيتي على مواطنيه في السفر والهجرة، وعلى الرغم من استجابة غورباتشوف للطلب إلا أن الرياح جرت كما لم تشتهي السفن، حيث هاجر عدد كبير من يهود روسيا وقتها للولايات المتحدة، مما دفع لتحرك المنظمات والحركة الصهيونية لتقديم طلب للولايات المتحدة بإغلاق الطرق أمام هجرتهم، ليتحول مسار الهجرة فقط إلى إسرائيل، وعلى الرغم من أن هذه الهجرة جاءت في ظل ظروف من عدم الاستقرار والاضطراب السياسي والاقتصادي نتيجة لانهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه وصعود سلطة جديدة لسدة الحكم، إلا أن الدعاية الإسرائيلية في تحقيق حلم إسرائيل الكبرى و حلم الرخاء الاقتصادي والحياة المرفهة الذي ينتظرهم في إسرائيل ساهم بشكل جيد في هذه الهجرة.

 ويذكر أن الباحثين الإسرائيليين ليلي غليلي ورومان برونفمان، كشفا في كتابهما " مليون يهودي غيروا الشرق الأوسط" عن وثائق سرية عرضت لأول مرة تحتوي على ما يفيد بأن إسرائيل خدعت المهاجرين الروس من خلال تقييد هجرتهم لأي دولة في العالم عدا إسرائيل، وكان ذلك يتم عن طريق دفع الأموال والرشاوي للديكتاتور الروماني "نيكولاي تشاوشيسكو" ومن خلالها تحصل رومانيا على قرض من الولايات المتحدة الأمريكية بقيمة 100 مليون دولار. وفي مقابلة نشرتها صحيفة يديعوت أحرنوت مع يعقوب كيدمي رئيس المنظمة السرية" ناتيف" في تاريخ 13-4-2011 تحدث عن عملية الاحتيال الكبرى التي نفذت بالشراكة مع إسحاق شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل، كاشفا عن تركز النشاط الصهيوني في موضوع الهجرة، بين يهود الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية وتشجيعهم على الهجرة من خلال منحهم تأشيرة الخروج لإسرائيل، وبدون هذه التأشيرة لا يمكنهم الخروج من الاتحاد السوفيتي، لتعزز تواجدهم في المستوطنات ما بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن بعد وصولهم.

وحقق اليهود الروس لإسرائيل نقلة نوعية في الحياة السياسية وغيرها من المجالات، حيث دخل يهود الاتحاد السوفيتي المعترك السياسي في إسرائيل على يد ناتان شارنسكي، المهاجر السوفيتي الذي قدم لإسرائيل في الهجرة الكبرى، وكان لهم دور في تغيير نتائج الانتخابات وحسم أصواتهم لصالح أحزاب كبيرة، ومساهمتهم في صعود اليمين المتطرف ابتداء من مساعدتهم في نجاح حزب العمل بزعامة إسحاق رابين عام 1992، حتى فوزهم الساحق في 2009 عن حزب إسرائيل بيتنا ذو الأغلبية الروسية، وساهم تواجدهم لتعزيز العلاقات الدبلوماسية بين روسيا وإسرائيل بشكل رفيع، وتعزيز التواجد الاستيطاني في مناطق الضفة الغربية حيث يبلغ هؤلاء ربع مليون مستوطن.

أما على الصعيد الاجتماعي فقد جاء غالبهم بنسبة 82% من حاملي الشهادات العليا وبثروات وأموال طائلة،  ليقودوا تأثير واضح وملحوظ على صعيد كافة مؤسسات الدولة الإسرائيلية، لكن برغم كل ما حمله يهود روسيا من منافع وفوائد لإسرائيل إلا أنهم لم يجدوا ما وعدوا به من قبل الدولة، حيث إنهم يعانون من تمييز واضح في سياسات المؤسسات الإسرائيلية، وعدم قدرتهم على الاندماج مع المجتمع مما دفع عدد لا بأس به للعودة لبلده الأم في روسيا، فقد نشرت صحيفة هآرتس تقرير عن الهجرة العكسية لهم وقدرت تلك الهجرة بالآلاف.

وجدير بالذكر أن موجة الهجرة الكبرى عام 1989 لم تكن الموجة الأولى، فقد بدأت أول موجة عام 1882 ليهاجر بهذه الموجة قرابة الخمسة وعشرون ألف يهودي روسي، ليبدأ مهاجرون هذه الموجة ببناء أول مستوطنة إسرائيلية في فلسطين" ريشون ليتسيون"، لتستمر هذه الموجات التي كان آخرها في العام الماضي 2018، لتسجل دخول ما يقارب 31 ألف مهاجراً إلى دولة إسرائيل.