الإثنين  16 أيلول 2019
LOGO

المجموعات السلفية المتطرفة في قطاع غزة.. لماذا فشلت حماس في معالجة وجودها؟

2019-09-02 06:33:30 AM
المجموعات السلفية المتطرفة في قطاع غزة.. لماذا فشلت حماس في معالجة وجودها؟
تعبيرية

 

الحدث ـ محمد بدر

أثارت العمليات التفجيرية الانتحارية الأخيرة في قطاع غزة ضد أفراد من الشرطة الفلسطينية تساؤلات قديمة جديدة عن وجود التيار السلفي التكفيري في القطاع ومدى تأثيره وقدرته على الاستقطاب والعمل في ظل ساحة معقدة اجتماعيا وسياسيا.

تعرّف السلفية نفسها بأنها دعوة للعودة إلى تعاليم القرآن والسنة النبوية وما يسمى بالسلف الصالح لإحياء الحياة الإسلامية في المجتمعات الإسلامية، ولذلك تلجأ في كثير من الأحيان إلى رفض تعريفها من منطلقات تنظيمية أو حركية، باعتبارها دعوة لا حدود سياسية واجتماعية وجغرافية لها. وفي الحقيقة هي حركة محافظة نشأت داخل المجتمعات الإسلامية كرد فعل على انهيار ما يسمى بالخلافة الإسلامية.

 وتنقسم الحركة في الرؤى والوسائل والمواقف، وتتحد في الهدف، وظهرت تيارات مختلفة داخل هذه الحركة، فهناك من يرى أن التغيير يأتي بالضرورة من خلال العنف وهو التيار الذي يعرف اليوم بالسلفي الجهادي وهو منقسم على نفسه كذلك، بين من يرى بأن تكفير المجتمع وقتاله ضرورة من ضرورات التغيير ومن يرى بأن الفساد في أساسه سياسي يتلخص بطبيعة الأنظمة السياسية. وهناك تيار آخر يرى بأن تغيير المجتمعات من خلال "الدعوة الحكيمة" مقدمة للتغيير الشامل، وهو التيار المعروف بالسلفية الدعوية، القريب منهجيا من الإخوان المسلمين مع فارق المصالح السياسية بين الطرفين.

ظهور التيار السلفي في قطاع غزة

 ظهر التيار السلفي الدعوي في قطاع غزة في ثمانينات القرن الماضي بدعم من السعودية، وركز على العمل الاجتماعي والدعوي، وكان من أبرز وجوهه الشيخ سليم شراب، وساهمت دراسة بعض الطلاب الفلسطينيين في السعودية في زيادة قوة التيار السلفي الدعوي في القطاع، وخلال تسعينيات القرن الماضي تكثف وجود هذا التيار دون أن يكون له معالم وحدود واضحة سياسيا، لكنه استطاع بناء بنية مؤسساتية في سبيل استقطاب جيل جديد من الشباب الفلسطينيين.

ظل النشاط السلفي في قطاع غزة محصورا في ما يعرف بالتيار السلفي الدعوي حتى عام 2005، وفي الأشهر التي سبقت الانسحاب الإسرائيلي عام 2005 ظهرت مجموعة من الخلايا المسلحة تتبنى أفكار السلفية الجهادية، وأخذ وجودهم يتوسع في خضم الصراع الداخلي بين حماس وفتح قبل سيطرة حماس في نهاية المطاف على غزة في عام 2007، وساهم في ذلك الضربة العميقة التي سببها الانقسام في البنية الاجتماعية، وتطلع أفراد المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة إلى روابط أخرى تعيد وحدة الهدف والشعور بعد انقسام دام. . ظهرت هذه المجموعات في البداية في غزة واكتسبت قوة بسبب الوضع المؤقت للفوضى وفراغ السلطة الناشئ عن الصراع بين حماس وفتح. ومع ذلك، فقد تمكنوا من اكتساب الشرعية بسبب تراجع قوة التيارات اليسارية والعلمانية وصعود نجم التيارات الإسلامية في فلسطين والإقليم بشكل عام.

يعتبر التيار السلفي الجهادي في قطاع غزة ظاهرة محلية إلى حد كبير، وهو يفتقر حتى الآن إلى روابط تنظيمية وتشغيلية ملموسة مع تنظيم القاعدة أو غيرها من الجماعات السلفية الدولية، وهو ما ساهم إلى حد كبير في ربط بعض مجموعاته مع المخابرات الإسرائيلية مباشرة من خلال التواصل عبر الإنترنت. ومع ذلك، فإن التيار السلفي الجهادي في غزة، يتماشى عقائديًا مع القاعدة وغيرها من التنظيمات السلفية كداعش، ومع تزايد التقارير حول نية المجموعات السلفية ضرب أهداف غربية في قطاع غزة، أصبحت هذه الظاهرة محل اهتمام المخابرات الغربية، التي دخلت على خط الوجود السلفي في القطاع، وحاولت توجيه ضرباته وأسهمه داخليا.

وتضاعف في السنوات الأخيرة عدد المجموعات السلفية الجهادية العاملة في غزة، وساهم ذلك في ولادة عدد من الجماعات والخلايا التشغيلية التي كان تركيزها الأساسي على مناهضة حركة حماس في قطاع غزة، باعتبارها حاكما لا يحكم بالشريعة الإسلامية ويتبنى النظريات العلمانية في الحكم ولو ظاهريا، ويشارك في المؤسسات السياسية، التي تتعامل مع السلفية على أنها مؤسسات كفرية ونتيجة لعملية كفرية، كمؤسسة المجلس التشريعي وغيرها.

تصر الجماعات والخلايا السلفية على أسلمة المجتمع الفلسطيني وتطبيق الشريعة من خلال توظيف جميع الوسائل المتاحة، بما في ذلك استخدام القوة ضد مؤسسات اجتماعية وسياسية؛ بما في ذلك العناصر الأمنية التابعة لحركة حماس، بصفتها حامية للمشروع العلماني في فلسطين، أو بعبارة أدق بصفتها تشكيلات عسكرية تحمي مشاركة حماس في المؤسسات الكفرية من منظور السلفية، وقد شجعت علاقة حماس مع إيران كذلك، في تبرير هذه الجماعات والخلايا لحماس، على اعتبار أن إيران دولة مشركة أشد كفرا وخطورة من الدول الغربية، وهذا التناقض وضع حماس في مواجهة هذه التيارات رغم أن التربية الدينية الأساسية لدى أفراد حماس تعتمد بالأساس على مناهج سلفية أو قريبة منها والتناقض بشكل كبير يقع في الدوائر السياسية.

شكل المجموعات السلفية في القطاع

تتكون المجموعات السلفية الجهادية في غزة في الغالب من متطرفين محافظين تقليديين محليين، بالإضافة إلى عناصر مفصولة من تيارات فلسطينية إسلامية وغير إسلامية، وكذلك مقاتلين شاركوا في الصراعات الدائرة في العديد من الدول العربية، مثل: سوريا والعراق واليمن وليبيا. وحتى يومنا هذا، تتشكل هذه المجموعات من شبكة فضفاضة من مقاتلين تبنوا مقاربة جهادية عالمية للتحرر من الاحتلال الإسرائيلي، وعلى الرغم من أن أياً من هذه المجموعات لا يبدو أن لها علاقات تنظيمية أو عملية محددة مع التنظيمات السلفية العالمية، إلا أنها تظهر قربا أيديولوجيا منها، مع الإشارة إلى أن ملاحقة حماس لهذه المجموعات أمنيا شكل عائقا أمام حركة تطورها.

ومع ذلك، قد يتغير هذا الموقف إذا نجح السلفيون الجهاديون في الانتقال من مجموعة فضفاضة من المجموعات إلى شبكة مترابطة من الناحية التشغيلية واللوجستية والاستراتيجية. بمعنى آخر، تتمتع هذه المجموعات بقدرة محدودة على تنسيق عملياتها، كما أن فعاليتها الإجمالية تتأثر بفعل انتشار الخلايا الجهادية الصغيرة، والظهور السريع لجماعات مسلحة جديدة، والطبيعة المتغيرة لهذه المجموعات.

تحدي التيار السلفي الجهادي لحماس

شهد شهر أغسطس من العام 2009 نقطة تحول واضحة في العلاقة بين التيار السلفي الجهادي وحركة حماس، بعدما اندلعت مواجهات مسلحة بين سلفيين جهاديين وعناصر من حماس في رفح، وغيرت حماس من أسلوبها في التعاطي مع هذه المجموعات، التي بدأت تهدد استقرار نظام حماس السياسي في القطاع، وأصبحت حماس أكثر تصميماً على ردع هذه المجموعات والسيطرة عليها. في موازاة ذلك، ضاعفت المجموعات السلفية الجهادية من تحديها لحركة حماس، سواء من خلال خرقها لاتفاق وقف إطلاق النار مع الاحتلال أو استهداف عناصر من حماس.

في 12 مارس 2007 اختطفت مجموعة سلفية  مراسل البي البي سي آلن جونستون واحتجزته لأكثر من 4 أشهر حتى تمكنت حماس من تحريره، وطالبت المجموعة بالإفراج عن القيادي السلفي أبو قتادة المحتجز في بريطانيا، ويستنتج من العملية أن التيارات السلفية أخذت على عاتقها تحدي حركة حماس من جهة ومحاولة ربط نفسها تنظيميا وتشغيليا بالجماعات السلفية في العالم.  وفي أعقاب قضية اختطاف جونستون، شنت حماس حملة اعتقالات ضد مناصري التيارات السلفية، مما أضعف من حجم وجودهم ونشاطهم. وفي فبراير عام 2008 أعلنت جماعة سلفية عن مسؤوليتها عن الهجوم ضد مبنى جمعية الشبان المسيحيين في غزة واختطاف عدد من حراسه.

في أغسطس 2009 كان التحول الأبرز في العلاقة بين حماس والسلفيين الجهاديين، عندما أعلن  أحد قادة التيار السلفي الجهادي وإمام مسجد ابن تيمية في رفح، عبد اللطيف موسى، التمرد على نظام حكم حماس وإنشاء "إمارة إسلامية" في رفح، وهو ما دفع حماس للتدخل عسكريًا وقتل كل من عبد اللطيف موسى وكذلك القائد العسكري للجماعة، وأضعفت هذه الحادثة وجود التيار السلفي الجهاد بشكل كبير في قطاع غزة وأصبح وجوده مهددا بفعل القبضة الأمنية من طرف حركة حماس.

إشكالية حماس في التعاطي مع السلفيين

شكل الربيع العربي فرصة لصعود التيارات السلفية الجهادية في ظل حالة الفوضى والاضطراب الاجتماعي والنفسي الذي عانت منه المجتمعات العربية التي تعرضت لهزات الربيع العربي، وأصبحت السلفية الجهادية النجم الأبرز في سماء الحالة السياسية العربية بعد عام 2011 وحتى انتصار الدولة السورية وحلفائها على داعش في عام 2018. في الحالة الفلسطينية، ارتفع رصيد هذه الجماعات بسبب انسجام خطابها مع خطاب بعض التيارات السياسية الكبيرة كحماس فيما يخص الربيع العربي، واللغة الدينية الطائفية التي غلبت على الخطاب السياسي تجاه الأزمات التي خلقها الربيع العربي،  بالإضافة إلى خروج أعداد من الفلسطينيين للقتال في سوريا والعراق في صفوف هذه التنظيمات وعودة بعضهم للأراضي الفلسطينية وبدئهم في بناء شبكات وخلايا سلفية تحديدا في قطاع غزة.

إلا أن هذه العلاقة الإيجابية بين حماس والسلفيين في فترة الربيع العربي، سرعان ما انقلبت رأسا على عقب، وذلك بعد قيام المخابرات الإسرائيلية بتجنيد مجموعات سلفية للقيام بعمليات اغتيال وتفجير في قطاع غزة، مستغلة كثافة وجودهم وحرية تحركهم في مرحلة الربيع العربي بالإضافة لانتشار ظاهرة التجنيد الإلكتروني في التيارات السلفية، وكان أبرز العمليات التي نفذها سلفيون بتوجيه من المخابرات الإسرائيلية؛ اغتيال القائد في كتائب القسام مازن الفقهاء، لتعاود حماس من جديد تشديد القبضة على التيار السلفي وشن حملة اعتقالات بحق كوادره وعناصره.

إن إشكالية حماس في التعامل مع السلفيين تتعلق بوحدة المعالجة، فبينما تتبنى حماس مقاربة أمنية وسياسية في محاربة الظاهرة، تغفل الجانب الثقافي والاجتماعي في هذا الخصوص، وهذا الخلل ليس حكرا على حركة حماس، وإنما يطال تيارات إسلامية أخرى من بينها الجهاد الإسلامي وإن كانت بدرجة أقل. إن التيارات السلفية بالأساس ظاهرة ثقافية اجتماعية عميقة إحدى تجلياتها السلاح والساحة الأمنية، ولا يمكن معالجتها من خلال المراكز الأمنية فقط، فالمؤسسات السلفية منتشرة بكثافة في قطاع غزة، والمنهج السلفي يدرس في جامعات وكليات ومدارس ودور عبادة، والخطاب الطائفي المذهبي التكفيري يتبناه أكاديميون وسياسيون ونخب، وكل هذا بحاجة إلى معالجة، وإلا فإن حماس والجهاد وكل التيارات المؤثرة في القطاع ستبقى تضرب في القشور فقط.