السبت  08 آب 2020
LOGO

الملح الأخضر مأساة واحدة ووجع يتكرر

​محاكاة فلسطينية لمأساة عالمية لكامل الباشا

2019-10-28 03:28:41 PM
الملح الأخضر مأساة واحدة ووجع يتكرر
مسرحية ملح الأرض

 

 الحدث – توفيق العيسى

هو ثأر، تراكم الحقد واتخذت المأساة أبعادا وأشكالا مختلفة، فلم يعد يعرف لمرء هل هو ثأر شخصي أم جمعي، الا أن ما أراده العرض المسرحي في مسرحية " الملح الأخضر"هو أن يعيد انتاج المأساة ليرى كل منا نفسه في مرآة البعد الفني.

مسرحية الملح الأخضر للمخرج " كامل الباشا" والمسرح الوطني الفلسطيني في القدس " الحكواتي" بطولة ريم تلحمي وعامر خليل، محمد الباشا، ميلاد قنيبي، ومريم الباشا. ضمن مهرجان فلسطين الوطني للمسرح.

نص مسرحي مأخوذ عن مسرحية الكاتب المصري علاء عبد العزيز.

تتحدث عن الجرائم المرتكبة في الحرب البوسنية والصربية في تسعينيات القرن المنصرم، مازج المخرج فيها على خشبة مسرح بلدية رام الله بين الواقع الفلسطيني من حيث الانقسام وبين تلك المجازر المرتكبة باسم النصر.

على مدى اكثر من ساعة تقمص الممثلون أدوارا مركبة مزجت بين التناقض والانفعال، في جو غرائبي مشحون بالرعب والترقب.

"الأم" التي تحاول جاهدة على امتداد فصول المسرحية أن تنتقم لابنها المقتول من قبل زملائه ورؤسائه في المعركة سيدة في متوسط العمر تلعب دور العجوز في القرية التي تعيش فيها، على تخوم الحرب " المقدسة" هذا الدور الذي لعبته الفنانة ريم تلحمي امتاز بثنائية العمر الذي جعلها تلعب دورين متوازيين أحدهما بحركة رتيبة وأخرى نشطة برقص لا يقل عن عنفوان الجندي المنتصر في المعركة.

أما زوجها الممثل عامر خليل، فقد تناقض دوره أيضا بين الرافض والمستكين لثأر زوجته، طبيب صيدلي أسقطت حياة جديدة عليه فكان عليه أن يلعب دورا في مسرحية الثأر مع زوجته.

تدور أحداث المسرحية، في جو من الحرب الأهلية، وطن قسم الى صفين من الأعداء، ينتصر طرف على الآخر فيرتكب مجازر عدة كانت أبرزها والأكثر تداولا بين المواطنين وقصص الجنود هي الاغتصاب، وهي القصة الأكثر شيوعا في ما حدث من مجازر بحق المواطنين البوسنيين في القرن الماضي.

على عكس ما هو رائج في العرض المسرحي يبدأ المخرج مسرحيته بمقدمة توحي بالعودة الى الذاكرة وليست " المقدمة المنطقية " المعتادة في الدخول الى القصة، لتتقدم الأحداث كاشفة عن أصل القصة، الابن الذي اراده الوالدان أن يكون اجتماعيا وقويا يذهب الى المعركة ليثبت رجولته منكرا مرضه بعدما انكرته أمه في محاولة منها لتجاوز هذه العقدة، فتصل الأخبار انه قتل من قبل زملائه، وتختلط القصص بين ما حدث فعلا وبين ما يضيفه الرواة من الجنود، لتقرر الأم أن تهجر بيتها في المدينة وتسكن في قرية هي خط مرور الجنود العائدين من المعركة لتنتقم لابنها بقتل زملائه. عبر ايوائهم واطعامهم طعاما مسموما بمادة " الملح الأخضر".

هذه المادة المأساوية رغم ضخامة الحدث وبشاعته، لم تمنع المخرج من التعبير عنها كوميديا، بعيدا عن التهريج والمبالغة الساخرة التي تهون من حجم المأساة، فجاءت الكوميديا سوداء تنفس الغضب ولا تجتزئ المأساة.

تصاعد درامي وتصاعد في الأداء يمزج بين النشوة والغضب جسدته الفنانة ريم تلحمي بدورها، لتهبط مع الفنان عامر  خليل الى مستوى الهدوء والتلقي عندما حضر أحد اصدقاء ابنهم حاملا رسالة منه لتصبح القضية هي معرفة آخر ما قاله الابن الا أن الحقد الذي ظهر في الشخصية الموازية للأب تجعله يدس السم له فينكشف المشهد عن توازي فعلين للجندي الذي يصارع الموت سما والأم التي تأكل السم بإرادتها في نهاية العمل المسرحي.

هذه الرسالة في نهاية العرض والتي عرضها المخرج عبر أداء ممثليه بأن الحرب بقذارتها وجرائمها لا تولد الا البشاعة فبالتالي فإن الانسان الحاقد حتى وان كان ضحية فإنه لن يستطيع العيش بعد كل هذا الحقد.

وينتصر العمل للضحايا حين تحاكم الأم الجنود القتلى ليس لمقتل ابنها فقط، وانما لما مارسوه من جرائم واغتصاب، وكأنها حققت ثأرين جمعي وفردي.