الخميس  21 تشرين الثاني 2019
LOGO

قراءة إلكترونية/ بقلم: عبد الله لحلوح

2019-10-29 08:20:20 AM
قراءة إلكترونية/ بقلم: عبد الله لحلوح
عبد الله لحلوح

الحرد مرادف لكلمة الزعل، وهناك ألوان من الحرد والزعل والغضب والحزن و...، وقد كان القوم في غابر الأيام يحردون ويغضبون ويعصبون إذا ما انتهك حق من حقوق الإنسانية بمقاييسهم حسب السياق الزماني والمكاني والاجتماعي. وآخرون كانوا يحرنون ويغضبون إذا مات عزيز أو ضاع ثمين، أو نزل بهم عار، أو حل بهم مرض. وكان التعبير عن ذلك الحرد أو الحرنة بتجييش جيوش، وحمل نعوش.  فكيف تغيرت معايير الحرد في زمن التكنولوجيا، وما ردود الأفعال الناتجة عن الحردات والحرنات الإلكترونية؟

يقول أحد العارفين المتمرسين بالبضاعة الإلكترونية، الذين فتح الله عليهم بمكاشفة القلوب وتطهيرها من الأدران والذنوب: إن الحرد الإلكتروني له منازل لا يصل إلى إدراكها إلا حكيم عليم، وأعلى مراتبها تصل إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدول، وذلك بعمل حظر (بلوك) يشطبها عن الخارطة، أما درجاتها المتوسطة فتصل إلى مقاطعة بضائعها ومراقبتها عن بعد (حذف صداقة). وفي أقل مستوياتها تصل إلى  خفض مستوى التمثيل الرسمي لديها ( لا لايك ولا تعليق). أما أسباب تلك الحرنة والمقاطعة فكثيرة ومتنوعة.

يتناول الكثيرون من المتفسبكين قضايا وموضوعات عدة، فأحيانا يكتبون ما تجود به عليهم قرائحهم، وأحيانا (يُشيِّرون)، وفي كثير من الأحيان يسرقون دون ضوابط وينسبون المسروق إلى السارق، وقد يُسرق المسروق، فتختلط الأمور، وتضيع الحقوق. وما بين سرقة وأخرى تبدأ اللايكات والتعليقات، وخصوصا إذا ما كانت القطعة المسروقة موقعة ب(#مقصودة) و"اللي شايفها على قدو يلبس"، وما إلى ذلك. وهنا تثور الثائرة، وتبدأ المراسلات السرية (عبر الخاص)، وقد تصل إلى اتصالات مدفوعة الثمن، رأفة بشركات الاتصالات المباركة، وربما يتطور الأمر إلى زيارات عائلية غير مسبوقة. أما ما يمكن أن يكون سببا أكثر عمقا من هذا، هو أن تختلف مع شخص ما على أرض الواقع، فتطور خلافك فيسبوكيا، وهنا يتخذ العراك الإلكتروني أسلوبا سرديا دائريا، فإن بدأت الحرب هنا تنتهي هناك، والعكس صحيح. 

تنتقل مصيبة المواقع الاجتماعية إلى حياتنا اللااجتماعية بشكل فظيع، وتقتلنا ببطء دون أن ندري، فكم من أحبة فرقهم (اللايك والكومنت)، وكم من عائلة تفسخت أركانها وتصدعت جدرانها، وكل ذلك بفعل (ما علقلي،  ما حطلي لايك، علق لابن أسعد وما علق لابن مسعود، و...)، ثم تتعالى الأصوات، وترتفع الصيحات، وربما تقرع طبول الحرب. فاللهم لطفك بنا ورحمتك يا الله. 

أذكر أننا عندما كنا نعيش بعيدا عن هذا التطور الافتراضي، كنا نحرد ونحرن ونعصب، ونتشاجر ونغضب ونتحارب، ونقاطع بعضنا بعضا، ولكن ليس بفعل (لايك)؛ بل ربما لأن صديقي لم يلعب معي (الغماية ) أو لأنه رفض إعطائي دفتره لأنسخ ما لم أكتبه في حصة اللغة العربية بسبب غيابي الاضطراري،  حيث انشغلت بمصاحبة جدتي إلى المستشفى، فكذبت على الأستاذ وقلت له إنني كنت مريضا. وربما غضب أحدنا وأحرن لأن زملاءه ضحكوا عليه وسخروا منه عندما لفظ كلمة إنجليزية بشكل غير صحيح، أو عندما قفز عن الحصان الخشبي والتي كانت مرة واحدة في العمر في حصة الرياضة الفوضوية، فوقع على رأسه وسال الدم من أنفه، وربما "زعل" أحدهم لأن رفيقه ذهب إلى ساحة المواجهات مع جنود الاحتلال دون أن يخبره. أما أن يصبح الحرن والحرد فيسبوكيا، ويؤدي إلى هذا الخصام، فهذا أمر يستحق الوقوف عنده، ولا بد من إعادة النظر في أسبابه ونتائجه.