الأحد  08 كانون الأول 2019
LOGO

هل ستتكرر نكبة فلسطين في أوكرانيا؟/ بقلم: د. آصف ملحم

2019-11-28 12:39:51 PM
هل ستتكرر نكبة فلسطين في أوكرانيا؟/ بقلم: د. آصف ملحم
د. آصف ملحم

يبدو أن طرق الهندسة الجيوسياسية في فضاء البحار السبعة (البحر المتوسط البحر الأسود، بحر البلطيق، بحر قزوين، الخليج العربي، بحر العرب، البحر الأحمر)، التي اتبعتها وتتبعها الولايات المتحدة منذ عدة عقود، بدأت دعائمها بالانهيار واستُنفذِت قدراتها في إحداث تغييرات سياسية ملموسة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط. فلقد مُنيت الاستراتيجية الأمريكية بالفشل تلو الفشل وأصبحت عاجزة تماماً عن المضي في أيِ من مخططاتها؛ فالمواجهة مع إيران ستؤدي إلى عواقب خطيرة على المصالح الأمريكية والكيان الصهيوني، كما أن إقامة الدولة الكردية يُواجَه بمقاومة شديدة من جميع دول الإقليم.

فضلاً عن ذلك، بدأت الكثير من دول المنطقة تدير ظهرها للولايات المتحدة، بعد أن كانت متحالفة معها حتى الأمس القريب، بعدما ثبت أنها لا تفهم غير لغة القوة والمال ولا تعبأ بمصالح حلفائها.

أمام هذا الواقع الجيوسياسي الجديد والمعقد يبدو الكيان الصهيوني أكثر ضعفاً من أي وقت مضى، والدول الغربية نفسها أصبحت أكثر عجزاً عن إمداده بأسباب البقاء، فلقد أثبتت تجارب الشعوب السابقة أن القوة العسكرية لوحدها لا تكفي لبناء الأوطان. إضافة إلى ذلك بدأ هذا الكيان بالتحول إلى عبءٍ استراتيجي على الغرب عموماً، بعدما كان أداة هامة ورأس حربة في تنفيذ مخططاته.

من نافلة القول، لن يجلس تجار الحروب وراسمو السياسات في الغرب حلبساءَ غرفهم المظلمة، يراقبون موتهم البطيئ، فهذا يخالف حركة التاريخ نفسه، بل الأرجح أنهم سيستنفرون كل قواهم وخبراتهم في البحث عن خيارات جديدة، خاصة أن خصومهم غير قادرين على تحقيق نصرٍ عسكري ساحق عليهم.

    على هذه الخلفية، يبرز السؤال التالي: إلى أين سيذهب العالم، خاصة في هذا الفضاء الجيوسياسي الهام والمعقد؟! ولكي لا نبتعد عن الواقع في الإجابة، بالسقوط في شبائك نظرية المؤامرة، سنحاول رسم صورة المستقبل بربط الحقائق والقرائن التي لا تحتمل التأويلات المتعددة، علّنا نقع على الصورة الأقرب للحقيقة.

من يتأمل الأحداث التي جرت في الشرق الأوسط في العقود الأخيرة لا بد أن يصل إلى نتيجة مفادها أن (مشروع الخلافة الإسلامية)، الذي استثمرته الولايات المتحدة من (طالبان) في أفغانستان إلى (داعش) في سوريا والعراق، فقد مصداقيته القانونية والأخلاقية، كما أنه تحول إلى ورقة مكشوفة يصعب إعادة تدويرها وتسويقها بغض النظر عن الماركة الجديدة التي سيتم منحه إياها.

من هنا تبرز الحاجة، عند القوم (أي الغرب)، إلى خيارات جديدة تضمن الاحتفاظ بموطئ قدم في منطقة الشرق الأوسط لحماية إمدادات الطاقة، وتؤمّن لهم قاعدة لمواجهة (الخطر الروسي المفترض)، خاصة بعد ضم شبه جزيرة القرم، الذي وصفه الناتو بأنه أكبر تهديد يواجه الحلف منذ الحرب العالمية الثانية؛ وما تصاعد موجة الترويج لما يسمى (الخوف من الروس أو الروسوفوبيا) إلا دليل على هذه النوايا والتوجهات.

تأسيساً على هذه المقدمات، تبدو البوابة الأوكرانية كأحد الخيارات الواقعية والمنطقية؛ فهذا البلد يعاني من أزمات سياسية واقتصادية متلاحقة منذ سنوات أضعفت مناعته أمام المخططات الخارجية! والحقيقة أن بعض المصادر الصحفية بدأت تلهج بمصطلحات جديدة، من قبيل (خازاريا الجديدة) أو (نيو خازاريا) أو (أورشليم الجديدة)، وتنبأت هذه المصادر بأنه سيتم تأسيس وطن قومي جديد لليهود على خمس محافظات أوكرانية: زاباروجي، دنيبروبيتروفسك، نيكولاييف، خيرسون، أوديسا. ومن المعروف جيداً أن الجالية اليهودية تتركز بشكل أساسي في هذه المحافظات الخمس، كما أن مدينة دنيبروبيتروفسك تتضمن أكبر المنظمات اليهودية الأوكرانية، والتي ترأسها لفترة طويلة رجل الأعمال الإسرائيلي-الأوكراني إيغور كالامويسكي.

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن عدد اليهود في أوكرانيا يصل إلى حوالي 500 ألف نسمة، والعديد منهم لا يخفي ولاءه لإسرائيل، فالترابط الاجتماعي الأوكراني-الإسرائيلي كان دائماً في أحسن الأحوال، كما أن أوكرانيا رفدت الكيان الصهيوني بالعديد من الشخصيات البارزة، كفلاديمير جابوتينسكي وغولدا مائير وغيرهما.

فهل ستشهد أوكرانيا نكبة على غرار نكبة فلسطين؟

تؤكد الأحداث الدائرة في أوكرانيا، أن هذا المخطط ليس حبراً على ورق، بل أن هناك سعي حثيث لتنفيذه. فلقد دعمت إسرائيل الحملة الانتخابية للرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، ذي الأصول اليهودية، عن طريق بعض رجال الأعمال الإسرائيليين-الأوكرانيين، وعلى رأسهم كالامويسكي. ونتنياهو لم يتأخر في زيارة أوكرانيا بعد انقطاع طويل عقب فوز زيلينسكي مباشرة، والإعلان عن توقيع العديد من اتفاقيات التعاون الاستراتيجي بين الطرفين.

من جهة أخرى، وبعد زيارة نتنياهو مباشرةً، طرح زيلينسكي مشروع قرار على البرلمان الأوكراني يهدف إلى السماح ببيع الأراضي الأوكرانية للأجانب، ولقد أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بذلك وخصصت الأموال اللازمة لهذا المشروع، كما أن العديد من رجال الأعمال اليهود في أوكرانيا أبدو استعدادهم لتمويل عمليات استملاك الأراضي الأوكرانية من قبل أفراد الجالية اليهودية.

هذه الحقائق والوقائع جميعها تؤكد بدون أدنى شك أن السير في تنفيذ هذا المشروع جارٍ على قدم وساق، وأن على اللحظة التي سيجد فيه العالم نفسه أمام قضية أوكرانية أو نكبة أوكرانية، مشابهة لتلك التي حصلت في فلسطين 1948، آتية لا محالة؛ فمأساة فلسطين بدأت بوعود وهجرات محدودة ووصلت إلى ما وصلت إليه الآن.

 

* الدكتور آصف ملحم – كاتب وباحث سياسي سوري