الخميس  02 نيسان 2020
LOGO

ولو بريشة "أوزة" / بقلم: د. سامر العاصي

2020-02-26 09:18:42 AM
ولو بريشة
د. سامر العاصي

 

رسميا، هناك 566 قبيلة من قبائل الهنود الحمر، التي تعيش، في الولايات الأميركية الخمسين حتى اليوم، وهم يتحدثون بأكثر من 200 لغة، تجمعهم اللغة الإنجليزية، التي يتحدث بها 1.9 مليون هندي أحمر (يوجد 3 مليون هندي أحمر في أميركا الجنوبية يتحدثون بأكثر من 800 لغة)، ويعيش ثلثا الهنود "الحمر"، داخل محميات، بنيت أولها في العام 1758. ويبلغ تعدادها اليوم، 326 محمية، أي بمساحة ربع مليون كم2، وهو ما يعادل 2.3% من مساحة الولايات المتحدة. وتتمتع كل محمية بحدود وقوانين ومحاكم خاصة. وتعتبر محمية نافاجو Navajo Nation، أكبر المحميات، التي تعادل مساحتها ولاية فرجينيا الغربية.

ويقال بأن الهنود الحمر، هم من شعوب سيبيريا، التي عبرت مضيق بيرنج، الواقع بين أمريكا وآسيا، ثم سكنت في أميركا الشمالية قبل أن تنتقل قبائل منها إلى أميركا الوسطى والجنوبية، لتؤسس شعوبها هناك حضارات برعت في مجالات الزراعة والفلك والهندسة والطب، عرفت باسم حضارات المايا والاستيكوس والاينكا، التي بلغت أوجها عام 2500 قبل الميلاد، بعد أن بنوا أهراماتهم، التي تقل ارتفاعاتها عن أهرامات مصر بحوالي "الثلث". أي أنهم لم يكونوا همجيين كما صورهم الاستعماريون وأفلام الكاوبوي. ويعتقد أيضا، بأن عدد السكان الأصليين عند وصول الرحالة الإيطالي، كريستوفر كولومبوس، إلى أراضي جزر البهاما، الواقعة شرقي جزيرة كوبا، كان أكثر من 80 مليون إنسان، وقيل 120 مليونا. وظن كولومبوس أنه وصل إلى جزر الهند، ولأن لون السكان بدا أحمر ومميزا، فقد أطلق عليهم اسم الهنود الحمر. 

تقول الأسطورة، إن رقصات الهنود الحمر حول النار، والتحكم في الدخان المتصاعد منها إلى السماء، ما هي إلا رسالة إلى الرب في السماء، كما أنهم يحملون ريش الطيور على أجسادهم لاعتقادهم بأنها تطرد الأرواح الشريرة وتجلب السعادة والحظ. كما أنهم كانوا يؤمنون بأن الآلهة الطيبة، التي ستخلصهم من شرور الدنيا، سوف تأتيهم من البحر، لذلك كانوا يضعون أشخاصآ عند أطراف الشاطئ انتظارا للآلهة. وعند رؤيتهم لسفن كولومبوس الثلاثة (بنيتا وتينينا وسانتا ماريا)، يوم 12 أكتوبر من العام 1492، هرع السكان للقاء "الآلهات"، وتقديم كل ما كانوا يحفظونه لهذا اليوم "السعيد"، من أحجار كريمة وفضة وذهب، ليقدموها قرابين لهم، حتى أن كولومبوس كتب إلى ملك وملكة إسبانيا، فرديناند وايزابيلا، الذين قاموا بتمويل رحلته:- "لا يوجد في العالم كله أُناس طيبون أكثر من هؤلاء البشر". بالمناسبة، يعتبر يوم "ثاني" يوم اثنين، من شهر أكتوبر، عيدا في الولايات المتحدة (عيد كريستوفر كولومبوس).

وظلت أوروبا تعتقد أن الجزر التي اكتشفها كولومبوس ما هي إلا جزر الشاطئ الشرقي للهند، إلى أن جاء الإعلان التاريخي للرحالة الإيطالي "أمريكو فسبوتشي"، عام 1508، بأن هذه الأراضي ما هي إلا قارة جديدة. وسرعان ما أطلق الإيطاليون عليها، اسم "أميركا"، تيمنا باسم "أمريكو فسبوتشي".

ولما عاد كولومبوس إلى إسبانيا محملآ بالذهب، والبطاطا (الغذاء المحبب للهنود)، ومعه عشرات من السكان الأصليين لبيعهم كعبيد، كافأه الملك فرديناند بأن أطلق عليه لقب أمير البحار، ليبحر الرجل مرة أخرى ومعه 17 سفينة، تحمل 1500 بحار ومقاتل، ليس لنشر الدين أو الثقافة، بل لتطبيق ما قاله كولومبوس، بأنه سيجعل من شعوب الهنود الحمر خدما!.

وانتشرت الأخبار في أوروبا تقول، بأن أحجار المدن في العالم الجديد مصنوعة من الذهب والفضة. وبدأت قوافل السفن من المدن الأوروبية تحمل عشرات الآلاف من الأوروبيين، ومعهم أسلحتهم. وأدرك الوحش الاستعماري الأبيض، أن أقصر الطرق لاستيلائه على خيرات الأرض الجديدة هو الاحتفاظ بهؤلاء السذج، للعمل سخرة في المناجم أو في الزراعة أو البناء، أو تصفية من يرفض منهم العمل!.

وهكذا، عاد كولومبوس، محملا بأفكار السيطرة على الأرض وتسخير من عليها، لتبدأ بعدها أنهار الدم تسيل، من أجسام السكان المساكين، الذين رفضوا أن يصبحوا عبيدا للمحتل. وتعددت أسباب تناقص الهنود الحمر، بعد أن شرع كولومبوس ومن معه، بسياسة الإبادة الجماعية، فقتلوا النساء والأطفال، والشباب، وسمموا الآبار، واستولوا على الماشية وارتكبوا المجازر الجماعية. 

الغريب ذكره الآن، أن "لويس وتزل"، الذي قتل أكثر من 1200 هندي بعد أن سلخ جلودهم وفروات رؤوسهم، يصنف الآن كأحد أبطال التاريخ الأميركي. أما الرئيس السابع للولايات المتحدة السيد "آندرو جاكسون" (1829-1837) الذي تظهر صورته على ورقة الدولار، من فئة العشرين، قد تباهى بأنه قام بسلخ فروة ستة عشر رجلاً من الهنود.

وفي 29 نوفمبر من العام 1864، حدثت مجزرة "ساند كريك"، Sand Creek massacre، عندما استخدم الجنود سكاكينهم لسلخ أجساد الأسرى المقاتلين وهم أحياء بعد تقطيع أعضائهم التناسلية وسلخ فرو رؤوسهم. وتأكد قيام الجنود بتمزيق أجساد 500 من النساء والتمثيل بجثثهن واقتلاع عيونهن وأدمغتهن، بعد أن رموا بجثث الأطفال لإطعام الكلاب. واستمر نشر الإعلانات عن الجوائز المالية التي كانت المؤسسات والأفراد يقدمونها مقابل رأس مقاتل أو امرأة أو حتى طفل هندي. 

الجدير ذكره، أن الرئيس الأمريكي "تيودور روزفلت" (1901 -1909)، كان يتغنى بهذه البطولات قائلا:- 'إن مذبحة ساند كريك كانت عملا أخلاقيا ومفيدا، ذلك لأن إبادة الأعراق المنحطة هي "حتمية ضرورية" لا مفر منها. وانتشرت الوثائق عن المجازر التي قام بها كولومبوس، وأحفاده وأتباعه، بعد أن ظل الرجل طيلة 5 قرون مثلآ للعلماء وللمستكشفين، مما اضطر  بلدية لوس أنجلوس، في العام 2018 إلى إزالة تمثال كولومبوس من إحدى حدائقها العامة، وتحول البطل والمكتشف الكبير، إلى مجرم وسفاح خطير. 

واستمرت حرب إبادة الهنود الحمر، بشتى الطرق المختلفة، منها بيع وتوزيع أغطية المصحات الأوروبية التي انتشرت فيها الأمراض الوبائية، (مثل الجدري والطاعون والدفتيريا والتيفوس والحصبة)، إلى السكان المسالمين، مما أدى إلى القضاء على عشرات الملايين منهم، حتى أن البعض وصف ذلك بأنه أول حرب بيولوجية في التاريخ. وانتشر صيادو البشر في كل اتجاه، مستخدمين كافة أساليب الدمار من قتل وحرق وتسميم لآبار المياه والغش. وما زال الجميع يتذكر حتى الآن، ما قاله "بلاك هوك"، زعيم قبيلة "سوك"، الذي أُجبر عام 1832 على توقيع وثيقة تنازله عن أرض أجداده ووطنه، دون أن يفهم نص الوثيقة لأنه لم يكن يفهم الإنجليزية!. وقال الرجل بعدها كلمته التي دخلت التاريخ:- 

  • كل ما فعلته هو أنني لمست الورقة بريشة الأوزة دون أن أدري أنني تنازلت عن بلدي!. 

ومنذ ذاك الحين تشتت قبائل الهنود الحمر في أنحاء القارتين، حتى حانت لهم الفرصة عام 2016، ليجتمع ممثلو 200 قبيلة، في ولاية "داكوتا الشمالية"، تضامنا مع مطالب إحدى القبائل التي تسكن عند ضفاف نهر "ميسوري" المقدس. وكان النصر حليفا لتضامنهم.  

وكأن التاريخ يعيد نفسه بعد قرنيين من الزمان، عندما أطل علينا رئيس الولايات المتحدة الأميركية "دونالد ترامب"، يطالبنا بالتوقيع  (ولو بريشة أوزة) على صفقة قرن كتبت باللغة العبرية، التي لم ولن تفهمها كل القبائل الفلسطينية الآن. وإن كانت الوحدة تنقصها.  

ترى، هل كتب علينا أن ننتظر، 200 عام آخرى، حتى تجتمع قبيلة غزة، وقبيلة رام الله، قبل أن يتم إرسالنا إلى ضفاف نهر "الميسوري"؟