الجمعة  29 أيار 2020
LOGO

محمود درويش في حكايات شخصية (الحلقة الاولى)

شعر بموته الوشيك

2020-05-05 08:47:06 AM
محمود درويش في حكايات شخصية (الحلقة الاولى)
محمود درويش في حكايات شخصية (الحلقة الاولى)

تقوم الحدث، بنشر كتاب محمود درويش في حكايات شخصية، للكاتب والقيادي في حركة فتح، نبيل عمرو، على 11حلقة. 

صدر الكتاب عام 2014 في 145 صفحة من القطع المتوسط وأنتجته مؤسسة محمود درويش في رام الله، وقدمه الشاعر والكاتب الراحل خيري منصور.

ويسلط الكتاب الضوء على خصائص شخصية وسلوك الشاعر الكبير، وفهمه للحياة، والأشخاص وعلاقته بالمدن والشعراء وكبار الكتاب العالميين، مع فصل خاص يتحدث فيه محمود درويش عن حياته من الطفولة حتى ما قبل وفاته بأربع سنوات.

كما يعرض الكتاب مسحاً لعلاقة الشاعر الكبير بالسياسة والسياسيين وهواياته وعلاقته بالمرأة والمال، وشؤون الحياة العادية.

 

شعر بموته الوشيك (الحلقة الاولى)

التاسعة والنصف مساء السبت التاسع من آب للعام 2008، تحققت نبؤة محمود التي باح بها حين صدمني بالقول:

  • لقد بقي لي في هذه الحياة ستة اشهر، تزيد قليلا او تنقص كثيراً.
  • ماذا دهاك يا محمود، واردفت مازحاً، هل تجلى لك ملك في المنام حدد لك يوم وفاتك بالضبط، ام ان الامر لا يزيد عن استنتاج طبيب من اولئك الذين كنت عندهم في باريس.

اجاب وملامح الجدية تعلو وجهه الذي بدا لي في تلك اللحظة داكنا.

  • شيء من هذا القبيل.. استنتاج طبي ولكنه منطقي تماما
  • لماذا منطقي؟

راح يحسب نسبة ترسب الدهون في الشريان، وخلص الى ان الامر سينتهي في اقل من ستة اشهر.

لم اكن اتابع اخبار مرضه، لأنه كان كثير المرض، وهو لم يكن يرغب في الحديث تفصيلا عن آخر فحص اجراه او آخر جراحة ، كان يكتفي بالقول لقد نجحت العملية واحيانا يشيد ببراعة طبيبه الفرنسي.

ولكي نخرج من جو المرض المفضي الى الموت حتما، اقترحت عليه الشروع في لعبة النرد التي دأبنا عليها بانتظام منذ عودتنا الى الوطن حيث كنت المحظوظ من بين اصدقاءه، فلقد اختار شقة صغيرة نافذتها الشمالية تطل على منزلي ، وكان يراقب نمو الاشجار في حديقتي الصغيرة، ومنذ سكن تلك الشقة الى ان مات، كان لقاؤنا منتظما ، في الخامسة مساء يصل الى منزلي، يجدني في انتظاره وقد اعددت " طاولة الزهر" والماء البارد، اما القهوة التي كان يضع لها شروطا صارمة لابد من توفرها كي يتذوقها ويستمتع بها ، فقد كانت تعدها ام طارق لحظة وصوله، وكانت تعليماته المشددة لها، ان لا تدع القهوة تبرد، لأنها حين توضع على النار ثانيةً تفقد روعتها وسحرها.

حين كنا نحذف الزهر، وننقل الاحجار في غير ذلك اليوم كان الجيران يسمعون صراخنا وتعليقاتنا وشتائمنا قليلة التأدب على الحظ العاثر الذي يكون غالبا هو حجة المهزوم وسبب تفوق الهازم.

في ذلك اليوم الذي حدد فيه محمود وقت وفاته، كنا نحذف الزهر وننقل الاحجار بصمت، لعلنا كنا على يقين من اننا نلعب هذه المرة لمجرد الخروج من الحالة، فلا انا ولا هو بالتأكيد نرغب في الحديث عن حكاية المرض والموت ومدى صدقية الطبيب الفرنسي، لقد جاء محمود الى الامر من آخره .. "سأموت بعد ستة اشهر"، اما انا وكنت عارفا بذوقه في كلام الاخرين، فلم اجد المفردات التي يمكن نسجها لجعله يبعد فكرة الاشهر الستة عن خاطره، فليس محمود من يقال له في امر كهذا لا تقلق، فالاطباء يخطئون، وليس هو من يكتفي بجملة بديهية الا انها كثيرة التداول" الاعمار بيد الله".

اشعر بموته الوشيك، فلو شعر بهواجسي فكأنني اضيف عذابا جديدا الى روحه

انه يحب لعبة النرد، وقد اختار هذه المفردة عنوانا لواحدة من اهم قصائده، كان يمضي ساعات طوالاً وهو يلعب بنهم ولذة، وكان يتفنن في محاربة خصمه نفسيا، يمطره بالتعليقات التهكمية والاستفزازية وحين كان يُسأل  لماذا كل هذه الضجة كان يجيب متعة اللعب تأتي في المرتبة الثانية بعد متعة التعليقات والمشاجرات.

على غير العادة وقبل ان نكمل، توقف عن اللعب ، واستأذنني باغلاق الطاولة ، اسند ظهره معدلا جلسته، واتى بحركة مألوفة عنه، خلع النظارة ومسحها مع انها في غاية النظافة، وقال مصطنعا المزاح:

  • سأعفو عنك هذه الامسية، وسأغادر.

نظر الى ساعته وقال:

  • بعد ساعة على الاكثر ستصل سيارة " نمرة صفراء" لتأخذني الى " الجديدة" سأمضي قدر ما استطيع من الوقت هناك.

قلت مازحا:

  • اذا لا تنسى حين تقرر العودة ان تحضر لنا بعضا من خبز امك.

اغتصب ضحكة متراخية ، تابعته بنظراتي وهو يمشي ببطء مغادرا منزلي، لم يخطر ببالي ان هذا هو اللقاء الاخير معه حول طاولة الزهر.

لما ادار ظهره لي مغادرا قرأت عليه....

أحنّ إلى خبز أمي.. و قهوة أمي.. و لمسة أمي..

و تكبر في الطفولة.. يوما على صدر يوم ..و أعشق عمري..

 لأني إذا متّ، أخجل من دمع أمي!

كيف سأحاور هذا الرجل من يجرؤ

في اليوم التالي غادرت الى القاهرة حيث كنت اعمل ، وهناك التقيت بصديقنا المشترك الكاتب الفلسطيني " خيري منصور" الذي اعتبره محمود درويش قهوته الصباحية في عمان، وقد افصح محمود بأنه يبدأ يومه بقراءة افتتاحيته في جريدة الدستور الاردنية.

لقد حرصت ان التقي خيري، كما لو ان في داخلي رغبة دفينة بالبوح بمخاوف لم استطع البوح بها في رام الله، حتى لزوجتي وأولادي واصدقائنا المشتركين، لم ابح بشيء بفعل خوفي من الفكرة، " رجل قرر انه سيعيش ستة اشهر او أقل" ومن هو هذا الشخص انه محمود درويش، الانسان الذي يهمنا من كل النواحي، الشخصية والعائلية والثقافية والوطنية واشياء اخرى كثيرة.

التقيت بخيري، شربنا قهوتنا في مقهى " ريش" ومشينا في شوارع القاهرة المكتظة على الدوام، وفيما لا يقل عن ثلاث ساعات كان محمود هو موضوع حديثنا، ويبدو اننا تواطأنا على عدم الاقتراب من فكرة الموت.

  • خيري، ما رأيك في ان نتصل بمحمود وندعوه لقضاء وقت في القاهرة؟
  • فكرة جيدة.

بعد رنة واحدة ، رد محمود، قلت مازحا"

  • الذي يرد بعد رنة واحدة يكون في حالة ملل مما هو فيه،
  • قال: لا ليس الامر هكذا، فلا اريد ازعاج المريض برنات كثيرة فأنا في المستشفى .

استنتجت انه ليس في مزاج مكالمة طويلة، اختصرت بالقول:

  • انا وصديقك خيري ندعوك لقضاء وقت معنا في القاهرة ، وحين تكون جاهزا اتصل بي او به فأرقامنا مسجلة عندك.
  • جيد سأفعل.. غدا كويس؟
  • وقتما تشاء.
  • كيف صوته؟ هل هو بحالة طبيعية، سأل خيري.
  • لااعرف إنه يتكلم وهو بجوار شقيقه المريض.
  • قال خيري ، لعل الله يشفي اخاه فهذا ربما يشجعه على التخلص من فكرة الموت خلال ستة اشهر.

لم يتصل بي محمود بعد ذلك ولم ابادر بالاتصال، كما لم يخطر ببالي ولا ببال خيري انه كان الاتصال الاخير.

صارحه طبيبه الفرنسي بحقيقة حالته الصحية ، واستخدم مصطلحاً مرعباً

كانت ظلال الموت تخيم على محمود، ويشعر بها أولئك الذين يعيشون بالقرب منه، كان يكثر من الحديث عن الكوليسترول اللعين، وكيف ان الناموس يفضل لسع المصابين به، وانه يأتي الى الكوليسترول عن بعد اميال.

كان محمود يمتلك قدرة استثنائية على تحييد حياته اليومية عن المرض الفتاك الذي ينمو في داخله ولا امل للشفاء منه. غير اننا كنا نستنج بانه حين يخلو الى نفسه يكابد الما عميقا، كان متحوطا من وقوع موت مثل الذي ابتلي به صديقه معين بسيسو حين توقف قلبه عن العمل، ولأنه كان قد علق على باب غرفته اشارة ": ممنوع الازعاج" فقد عرف عمال الفندق بوفاته بعد وقت متأخر، اكثر من ليلة ربما، كان يخاف من موت كهذا ، ومن قبيل التحوط، كان يضع اكثر من مفتاح لشقته في يد اكثر من شخص من المقربين منه، كان يتخيل كم هو كريه وبائس ان يكسر الباب عليه. بعد ان يكون سكان الحي قد عرفوا بموته على صوت خلع الباب!.

كان الموت منتشرا في كل تفاصيل حياته ينتظره يحاوره واحيانا يستدعيه.

انه يتعذب دون ان يبوح بعذابه لأي انسان آخر مهما بدا قريبا منه، كان يعيش ايامه وهو يراقب تسربها من حياته كما يتسرب الرمل الناعم من ثقب الساعة الزجاجية ، هكذا يفعل الكوليسترول اللعين، يتسرب بهدوء وحين يمتلئ الشريان به يتحول اللحم الطري الى قنبلة سوف تنفجر ، كان الكوليسترول هو عنوان خوفه وقلقه " كوليسترولي من النوع النادر حين يغضب يتحول الى شظايا  تدك جدران الاوعية الدموية،  تلتصق بها وتعوق جريان الدم ويتعين على الاطباء بذل مجهود ضخم لحمل الكوليسترول على المهادنة ولو الى حين.

صارحه طبيبه الفرنسي بحقيقة حالته الصحية ، واستخدم مصطلحاً مرعباً " انك تحمل في صدرك قنبلة لا قلباً" تغيرت حياة محمود لم تعد مثلما كانت قبل تلك الجملة الفتاكة، صارت الايام فيها مثل تكتكة ساعة التوقيت ، تلك التكتكة التي تحبس الانفاس في انتظار الانفجار.

الموجع حقا انه لم يكن يعرف على وجه التقريب هل سيحدث الانفجار بعد ساعة ام بعد سنة ام متى، إما الموت او الشلل، ولم يعد بينهما شيء آخر لا يمكن تخيل كيف كان شعور محمود، وهو يحسب حياته على تكتكة الساعة، لم يكن يفصح ، الا انه كان يفكر في الامر على هذه الصورة، صرت اشاطره هاجس الموت. قبل جملة الطبيب الفرنسي القاتلة ، شعرت بشيء ما، لا اعرف سره، جعلني اقدر بأن موته صار وشيكا، بعد ساعات او دقائق او شهور لا قيمة للتوقيت، انني اشعر بانه رجل سوف يموت في وقت قريب، كان ذلك قبل سنوات من الرحيل.

  • محمود احب ان تحقق لي امنية
  • تعرف لا اتأخر لو كنت قادرا عليها
  • اود اجراء مقابلة تلفزيونية طويلة معك ثلاث او اربع ساعات او ربما اكثر.
  • تقصد قبل ان اموت.

لم يخطر ببالي امر كهذا ..

  •  انني بحاجة الى المال للإنفاق على المركز الذي اسسته ان المقابلة بعد اذنك ستباع.
  • وليكن اذا كان الامر كذلك فلا مانع لدي.

فكرة استثمار المقابلة للإنفاق على المركز جاءت من اجل ابعاد ظنه بانني اشعر بموته الوشيك، فلو شعر بهواجسي فكأنني اضيف عذابا جديدا الى روحه.

لقد أُجريت مع محمود مقابلات لا حصر لها ، صحافية واذاعية وتلفزيونية وحتى سينمائية ، كانت بمعظمها تتناول شعره وقراءاته ومراحل تطور ابداعه، كانت معظمها ذات طابع ادبي ونقدي، إن جميع الذين اجروا المقابلات معه كانوا متحيزين له ، مؤمنين بقدراتهالمميزةفي الشعر والادب، ومسلمين بتمكنه من اللغة حتىاجمع قراءه على انه يمتلك افضل لغة في النثر والشعر على السواء. كان محمود وكل من دقق في كتاباته يلاحظ انه يبتعد عن المصطلحات الدارجة والمفردات التي تستخدم بنمطية متكررة ، كنت تشعر بمفاجآت في استخدام المصطلحات.

الحب الاول يصلح تسمية لفيلم سينمائي عربي او هندي قديم، اما اول الحب فهو من مفاجآته اللغوية التي تحمل معنى اكثر عمقا واكثر تعبيرا عن لذة الحياة حين تتذوق الحب مع اول نبضة، قلت له .

أي ان اول الحب هو اول الثمر، لم يعجبه التشبيه رآه نمطيا لا يليق بعمق وجمال المصطلح ومغزاه.

كيف سأحاور هذا الرجل من يجرؤ ؟ كنت وخلال معرفتي طويلة الامد به قد خضت معه الاف الساعات في حوارات متعددة ، لم اكن اناقشه في الشعر مع انني كنت أقرأه بشغف، وقد افصحت اكثر من مرة بان بوسعه اعتمادي كناقد شعبي .. قال:

  • ماذا تعني،  اجبت سأقوِّم شعرك على مقياس واحد : ما يشدني وما لا يشدني"

ان للنقاد المحترفين قواعد تقويم اراها مجحفة بحلاوة التلقائية في استقبال انتاج الشاعر، اما انا فلا اعرف شيئا عن النقد ومصطلحاته التي تصل احيانا حد تحويل الوردة الطبيعية الى وردة بلاستيكية، فسأتحدث عن شعرك بلغة الانسان البسيط ، الذي تشده اللغة والصور فيحبها ، ان النقاد المحترفين احيانا وربما غالبا او دائما يفسدون على البسطاء لذة استنتاجاتهم السهلة القريبة الممتعة.

وانا اعد اسئلتي للمقابلة التي اشترطت عليه ان تكون طويلة ومفتوحة ومباشرة، تذكرت وقائع عديدة منها ان محمود كان يجهد نفسه ومن حوله في اختيار عنوان ديوان جديد. في طريقه الى المطبعة مرة.. وكنا في ردهة فندق هيلتون بتونس، وكان قلقا من كثرة اتصال دار النشر به، طالبة منه الاستقرار على عنوان محدد، قال لي: ايها الناقد الشعبي اريد سماع رأيك في عنوان اقترحه علي احد الاصدقاء، اراه هو الافضل حتى الان.