الجمعة  29 أيار 2020
LOGO

الطلاق في حدود القدس والنفقة في حدود حواجز المحبة في رام الله

أردنية، مقدسية، فلسطينية.. فلتختر أنت جنسيتها/هويتها السياسية إن استطعت

2020-05-20 11:44:41 PM
الطلاق في حدود القدس والنفقة في حدود حواجز المحبة في رام الله
حاجز قلنديا

الحدث - محمد سيف

تزوجت سائدة قبل ثمانية عشر عاما، أنجبت طفلين. بعد طلاقها عملت في محلات الملابس، وفتحت محلا لبيع الإكسسوارات اليدوية؛ أغلقته قبل انتشار فيروس كورونا في فلسطين بأربعة أشهر، وقطع طليقها عنها أموال النفقة وصارت مهددة وأولاودها معها بالعيش في الشارع، لا نفقة، ولا تأمين، ولا عمل، أردنية، مقدسية، فلسطينية، بإمكانك التوقف عن القراءة...  القضية انتهت.

 بعد أن اعتدى عليها زوجها بالضرب وكسر لها ذراعها، توجهت لتشتكيه لدى شرطة رام الله، ونتيجة لهذه "الفضيحة بالنسبة له"، عُقدت صفقة شروط الطلاق: ثلاثة آلاف شيقل، خمسمائة منهم لمدارس الأولاد، أن يعيش الأولاد معها، أن لا تغيير حالة الزواج في "سجلات داخلية الاحتلال". يلتزم الطليق بدفع هذه النفقات، وهكذا حصل لتعيش بعيدا عن عنفه وأمراضه مع أولادها خالد ووليد.

مرت خمس سنوات على طلاقها نهاية 2015، عملت فيها بوظائف كثيرة، أولها محلات بيع الملابس، وآخرها محلًا افتتحته لبيع المنتجات اليدوية التي تصنعها هي وبعض النساء لعرضها في محلها.

 أغلقت سائدة المحل قبل جائحة كورونا بأربعة أشهر، فأسعار إيجار المحلات في رام الله باهظة جدا، "ومش جايب همه، الناس بطلت تشتري منتجات يدوية" والشارع الذي كان فيه المحل، تحولت دكاكينه إلى مطاعم ومقاهٍ، فقررت سائدة أخذ استراحة قصيرة لتعتاش على نفقة طليقها، حتى تجد فرصة عمل أفضل.

بعد إغلاق المحل في شهر 11 من العام الماضي، عملت أسبوعا واحد في القدس، واقتنعت أن رام الله أفضل من "مرمطة الحواجز وعنصرية الصهاينة والعرب في أعمال المياومة" كتنظيف بيوت أدراج المستوطنين/ات.

"أن تكون قريبا من الأولاد والمدارس أفضل من قرف حاجز قلنديا، فهو يأخذ أكثر من ثلاث ساعات ذهابا وإيابا ومرات أكثر... معيش سيارة، والباصات المواصلات العامة موت، وغير الصبح كمية العمال والطلاب ع الحاجز.. بفصّلوا الواحد تفصيل، من فوق لتحت شو لابس وشو حامل وشو باكل وتسميع حكي ع الريق[1] فالواحد يسكت أحسنله ويروح عشغله يجيب رزقة هالولاد ".

في اليوم الأول من حالة الطوارئ؛ ما بين رام الله والقدس، قطع طليقها مصاريف النفقة عنها، وصارت سائدة "ما بين الحياة والموت" ضرب الطليق معادلتها الرياضية التي استطاعت ضبطها أربعة أشهر لتدبر أمور منزلها وإعالته، فهي تحتاج إلى 1800 شيقل إيجار البيت، 100 للكهرباء، 60 للماء، والباقي تستطيع شراء مستلزمات البيت، فـ"يكفينا مرة واحدة دجاجة في الأسبوع، ولا مانع من تسخين بقايا طعام الأمس، نقود هذه النفقة، وما تيسر من أعمال هنا وهناك حتى أتدبر عملُا في الأيام القادمة".

حجبتُ أنا والأولاد " افتراضيا" من المكالمات معه، وأرسل لي رسالة صوتية: أنا مش دافعلك، وأعلى ما بخيلك اركبي، مرتي وولادي الصغار أبدى منك ومن ولادك. وأنا حاليا نايم في الاوتيل يعني بتقدريش توصلي لعندي وترجعيش ترني علي"، تجدد الحجب، وأصبح حتى لا يجيب على الأرقام غير المسجلة في سجل هاتفه.

لم تغير سائدة حالتها "الزوجية" منذ عقد الطلاق- قبل خمس سنوات- في السجلات المدنية الصهيونية-وزارة الداخلية -، والآن تدفع ثمن ذلك، لن تستطيع أن تشتكيه بسبب الإغلاقات، وفي كل الأحوال تتشابه حالة سائدة مع عشرات الحالات في الضفة الغربية التي أُغلقت المحاكم الشرعية والجهات الحكومية أبوابها أمام المطلقات، والأرامل ومن يعتاش على النفقة.

سائدة ليست محسوبة على "دولة أوسلو في الضفة الغربية"، وجودها في رام الله قد يفتح عليها أعين المخبرين من أتباع التأمين الوطني الصهيوني، وقد يعرض إقامتها المقدسية "الهوية الزرقاء" للسحب، وبذلك، وقف الكورونا وطليقها، والسلطات الاستعمارية والمحلية عائقا أمام سؤال: ماذا أنا الآن! لا فلسطينية ولا أردنية ولا مقدسية، لا أستطيع أن أشتكيه في رام الله، ولا أستطيع عبور حواجز السلطة أو "الحواجز الإسرائيلية" إلى القدس، ولا أستطيع حتى العودة إلى الأردن.

المهم حاليا أن تتوجه إلى أحد بخصوص قضيتها، استجد حدث جديد غير النفقة؛ "صاحب البيت طلب منا الإيجار ولم يلتزم بإعفائي كما كل أصحاب البيوت في الشهر الأول من كورونا، قلت له إننا نبحث عن بيت للإيجار، ولم أخبره عن أن طليقي لا يريد دفع النفقة، ولا مصدر دخل عندي، المطلوب الآن تأمين الأكل للأولاد، وجهاز حاسوب إن أمكن حتى لو كان قديما لينتظم الأولاد في المدارس، وبالنسبة للإنترنت بإمكاننا مد سلك من أحد الجيران فهم يعرفون وضعنا.

كانت إجابات "أهل الخير" أن العائلات في ازدياد ولا مجال لإضافة عائلة واحدة أخرى بعد أن عرفوا أنها مطلقة وعندها أولاد، وأما بالنسبة لإيجار البيت، بإمكانها التوجه إلى بلدية رام الله وإعطاء تقرير عن أحوالها. ما علاقة الطلاق والأولاد لم نفهم، هل يبحثون عن عدد عائلات أكثر، ما هي معايير اختيار المحتاج، أو لنسأل ما هي معايير مواجهة "التفقير" قبل علاج الفقر.

لا أحد من عائلتها الأردنية هنا، ولن يكون، قدِمت إلى فلسطين منذ عشرين سنة وحدها، ولا حاجة لأخباركن/م عن القوانين والتشريعات لحملة الهوية المقدسية، وتحديدا في قضايا الزواج/الطلاق/النفقة النساء وقضايا العنف. "أهلي ممنوعين من القدوم إلى فلسطين بسبب ماضيهم السياسي وأنا لا طاقة لي على العودة إلى هناك.. عند انتهاء الكورونا أو إعادة افتتاح البلد"، سأبحث عن عمل: مهما كان.

بكل الأحوال بإمكان أي "محامي أرعن" تمليص الأبله من دفع النفقة بإخبار "التأمين الوطني الصهيوني" عن أن سائدة تسكن في رام الله وتعيش هناك منذ سنين، وبذلك فتدخل سائدة في معركة أكبر، تسوية أمورها أمام التأمين والداخلية قبل الذهاب لرفع المحاكم على الطليق.

التوجه إلى المحاكم الصهيونية قد يفتح عليها نارُا أخرى: الديون المترتبة منذ سنين، ويحال الموضوع إلى طرف المحاكم "الإسرائيلية" ويعفى الطليق من طائلة المساءلة في الضفة الغربية.  سائدة في هذه الحالة لا تستطيع تجاوز حاجز قلنديا، او حاجز كفر عقب -الذي وضعته الأجهزة الأمنية الفلسطينية- حتى؛ للبحث عن عمل لا في رام الله، ولا في القدس، آلاف العاطلين عن العمل. من يحاسب طليقُا كهذا، وبكل الأحوال لا تستطيع الوصول إلى أهلها في الأردن ولا السلطات "الاستعمارية/السلطة الوطنية" ستفيدها.

بكل الأحوال، سائدة خجولة ومترددة، ومعها كل الحق، ليس سهلا أن تطلب المساعدة من أحد في بلادنا؛ العوز في مجتمع الذكور يفتح المجال لطرح أسئلة تمس الوجود، تضرب الذات الفاعلة والخامدة، وتعرّي الجسد، أجسادنا نحن الذين نقف على الحياد، فالصورة النمطية عن المطلقات في بلادنا أنهن أصل الشر والخيانة، غير الملتزمات بطاعة الذكور بالضرورة، ماذا فعلت حتى تطلق،  أهدمت بيتها بيدها، كيف يعشن المطلقات بدون أزواج، ومن سيتزوج بها بعد طلاقها، هذه المعايير والتمثلات تبدأ في التلاشي في  اللحظة التي تعلن فيها النساء: الخلاص والاستقلال ماديُا، ومعنويُا عن سلطة الذكر المعنف، إما بحبسه، أو بتعنيفه، وإن احتاج الأمر  لإذلاله. لا علاقة للاحترام في هذا كله.

توجهت سائدة لاحقا لبعض المؤسسات النسوية في رام الله، أخذو منها بعض التفاصيل العامة عن حياتها، وبعد مرور شهرين على "كورونا" ما زالت تنتظر أن يحادثها أو يتكفل في ملفها القانوني أحد. كل ما تريده إجبار الطليق على دفع المستحقات،" بدي أرفع عليه قضية نفقة وبدي يدفعلي كل مستحقاتي من أول ما تطلقنا.. صرنا نشحد الخبز".

 ثانيا أن يتوجه أحدهم للجهات الرسمية في المدينة، لإقناع صاحب المنزل بإعفاء سائدة من الإيجار؛ لم يحصل إلا أن قامت مجموعة ناشطة باسم " الناس لبعض" تكفلت بتأمين المونة والطعام بإمكانياتهم المتواضعة، من سكر وطحين وأرز وزيت وحلاوة.. ما يقدم للعائلات حتى تبقى على قيد الحياة.. لا شفنا حكومة، ولا صناديق "[2]

يقوم المخبرون المحليون لأجهزة العدو بالإبلاغ عن الفلسطيني/ة لحظة انتقاله جغرافيا من القدس الى الضفة الغربية،[3] ،وتتفتح عيون تلك الأجهزة ومخبريها  عند جهات مثل " التأمين الوطني الصهيوني وسلطات الضرائب والأملاك ". هذا الاختراق غير المحبذ إن جاز القول، يتبعه آليات استعمارية تستنبط مفاهيم الإزاحة المكانية للسكان الأصليين، بسحب هويات الإقامة المقدسية وترك الفلسطيني معلق بين دولتين.

 لأسباب ديموغرافية  أساسها صراع الوجود والأرض، يهدف المستعمر إلى  تقليل عدد السكان الفلسطينيين -حملة الهوية المقدسية- بكافة الطرق، عشرات المقالات والأبحاث أنتجت في هذا الخصوص:[4] – وللتأكد من بلاغات المخبرين تتمظهر الزيارات الميدانية لأجهزة السلطات الاستعمارية على شكل زيارات مفاجئة، غير معروفة التواريخ لأماكن السكن الجديدة والقديمة؛[5]، الحل عند الفلسطيني، بسيط، أن يلتزم قاعدة "عدم التخالط مع المحيط الجديد"، وأن لا يقوم بتغيير عنوان مسكنه القديم على بطاقة الهوية وسجلات " وزارة الداخلية الصهيونية " إذا ما انتقل للعيش في الضفة، وحتى ينكشف سره، بإمكانه المراوغة.

يحيلنا ذلك التبرير إلى أن الفلسطيني المقدسي، عليه تدبير أموره وحده وبحذر، إما بالعمل ضمن شروط ولوائح العمل المأجور "في دولة العدو" وتكبد أعباء الطرق والحواجز والمواصلات، واضطراره أحيانا إلى  فتح حسابات بنكية في البنوك الصهيونية لاستلام راتبه، وسحبها وإيداعها في البنوك الفلسطينية أحيانا أخرى؛ او العمل ضمن الشركات التي تخترق تلك "اللوائح للعمل " ولا تقوم بتغطية العمال/ات أمام الجهات الحكومية الصهيونية؛ شركات المياومة،  التي تقبل أن تدفع مبالغ دون قسيمة راتب ولا تقتطع ضريبة القيمة المضافة وبالتالي يكون الآجر " اسودا، او كما يسميه العمال/ات وسخُا دون ضرائب"

هذا/ه العامل/ة معرض بأثر رجعي لتراكم الديون الضريبية والمساءلة، وتوقف التأمين الصحي ومستحقات البطالة، والشيخوخة وغيرها، ببساطة لأنه/ا لم يكن/تكن ي/تدفع، أو لأنه/ا انتقل/ت للعيش في " حدود سلطة أوسلو" التي لا تقدم شيئا للمقدسي لا في الضفة، ولا في القدس. لن تسلم سائدة نفسها إلى كل هذه المعادلات بسهولة، وستعيش بالحماية الشعبية، ليس مهما عند الكثيرين في هذه اللحظات أن يستمر الانحباس الحراري، أو يتغير شكل النظام الاقتصادي العالمي، أو تتراجع الأسهم في سوق الأحذية والهواتف الذكية أو صعود أسهم شركات الأدوية.. لا يهم كل ذلك من هم تحت؛ المسحوقين: في الهامش.

بإمكانكن/م القول يا حرام، والاكتفاء بالأسطر القليلة السابقة عن القضية؛ بإمكانكن/م أيضا تبني القصة والقول، حدثت قصة لامرأة في كورونا وسردها على الأصدقاء كما كل قصص شعبنا نحاكيها ونكتب عنها؛ هل استفزتك الجملة الأخيرة أكثر من قضية سائدة؛ إذا ما حصل ذلك، فتذكر أن كثرة القضايا تجعلنا ننسى جزءا كبيرا من أحداثها لأنها تتشابه/تتكرر مع عشرات القضايا الأخرى ليس في العالم، في الأراضي المستعمرة. والآن بإمكاننا سؤالك: ما هي هوية سائدة، من المسؤول عن قضيتها؟

 هذه حاجة التدوين وملاحقة الذكور، فما زالت سجلات المحاكم الشرعية، والنساء المهمشات العاملات في الزراعة/المستوطنات، والمصانع بانتظار الباحثين/ات الروائيين/ات ليقصّوا أمراض مجتمع الذكور/السلطة/الهيمنة.

 ________________________________________________________________________

[2] اعتدت مراسلتها ما بين الأسبوع والآخر، وآخر مكالمة هاتفية بتاريخ 1 مايو 2020 أخبرتني بذلك

[3] تحديدا حملة الهوية المقدسية الساكنين في مناطق الضفة الغربية

[4] راجع سليم تماري عن الدراسات المقدسية" التابعة لمؤسسة الدراسات الفلسطينية وعبدالرحيم الشيخ عن البطولة، ورشد الهزيمة، ساري حنفي عن سياسة التطهير المكاني محاولة لفهم استراتيجيات المشروع الكولنيالي، وعشرات الكتب والمقالات عن حول الديمغرافيا وتمثلاتها وتحولاتها في فلسطين.

[5]  دولة العدو تعتبر انتقال المقدسي للعيش في الضفة انتقال لدولة أخرى بذلك تتذرع لسحب ما يسمى الإقامة المقدسية