السبت  19 أيلول 2020
LOGO

جدوى الاقتصاد الفلسطيني على المحك: بين مطرقة كوفيد-19 وسندان الضم الاستعماري

حركة التحرر الوطني الفلسطيني أصبحت اليوم أبعد ما تكون منذ 1947 عن تحقيق هدف حل الدولتين

2020-06-22 12:20:09 AM
جدوى الاقتصاد الفلسطيني على المحك: بين مطرقة كوفيد-19 وسندان الضم الاستعماري

 

الحدث – كرمل ابراهيم

شدد مدير عام معهد ابحاث السياسات الاقتصادية"ماس" رجا الخالدي على الأهمية الكبرى في عدم خوض الفلسطينيين مواجهات تجارية/مالية قد لا تستطيع الحكومة أو القطاع الخاص تحمل الإجراءات العقابية الإسرائيلية الناجمة عنها، وبالمقابل دعا السلطة والحكومة الفلسطينية مواصلة مبادراتها لتدويل الملف الاقتصادي الفلسطيني-الإسرائيلي (التحكيم الدولي، التوجه للمحافل الاقتصادية والتجارية العالمية) للمطالبة بحقوق فلسطين القانونية ولانتزاع الاعتراف باقتصاد فلسطين "كإقليم جمركي منفصل"، حفاظا على إمكانية إقامة دولة فلسطينية ذات مقومات اقتصادية مستدامة

ثمن كبير ستتكبده الخزينة العامة

وقف التنسيق الامني وقال الخالدي في سياق محاضرته الالكترونية للمركز العربي للابحاث ودراسة السياسات بعنوان "جدوى الاقتصاد الفلسطيني على المحك: بين مطرقة كوفيد-19 وسندان الضم الاستعماري":" إذا كانت مواقف القيادة الأخيرة بوقف التنسيق الأمني والمدني والاقتصادي مع الاحتلال تدل على شيء، فان الثمن الذي ستتكبده الخزينة العامة الفلسطينية على ما يبدو سيكون فوريا وكبيرا، في الرهان الأخير على إمكانية إجبار إسرائيل "بالنزول عن شجرة الضم.... أو بأن تسلم السلطة الوطنية بمنطق التحذير الذي وجهه الرئيس الفلسطيني بأن على إسرائيل "تحمل مسؤولياتها بصفتها القوة القائمة على احتلال دولة فلسطين". 

النتيجة الحتمية لرؤية ترامب

وحذر الخالدي من النتيجة الحتمية لتطبيق رؤية ترامب وخاصة الجوانب المتعلقة بالضم، والتي ستقود الى تدمير مفهوم الاقتصاد الفلسطيني المستقل وخنق الحيز المتاح للعمل والاستثمار، والتأثير على قدرته على تنفيذ سياسات تنموية مناسبة لأوضاعه الخاصة. كما أنها تقضي على أية فرصة لإقامة اقتصاد فلسطيني سيادي، وتبقي مفاتيح السيطرة الاقتصادية بيد إسرائيل. تشرذم الجغرافيا الفلسطينية وتحاصر الفلسطينيين في معازل لا مجال فيها للتوسع العمراني أو الزراعي، وتكرس كافة القيود التي تفرضها إسرائيل حاليا وتضيف قيود ومحددات جديدة. بالإضافة إلى سرقة المزيد من الأراضي والمصادر الطبيعية من خلال الضم.

المساعي الفلسطينية لتحقيق الانفكاك حجر الأساس في مواجهة الرؤية

ويرى الخالدي، إن المساعي الفلسطينية الحالية لتحقيق الانفكاك التدريجي والمدروس (الذكي) عن التبعية الاستعمارية للاقتصاد الإسرائيلي هي حجر الأساس في الإجراءات الفلسطينية لمواجهة هذه الرؤية، مع مراعاة ضعف الموقف الفلسطيني في موازين القوى الإقليمية والدولية. إن تحقيق الانفكاك هو الوجه الآخر لبرنامج بناء اقتصاد فلسطيني مستقل وقادر على توفير حياة كريمة للمواطنين رغما عن الاحتلال.

فرض برنامج فلسطيني سياسي واقتصادي واجتماعي مناسب للمرحلة

وقال الخالدي:"ستكون أمامنا مسؤولية كبيرة في دعم صمود المواطنين في المناطق المهددة بالضم من جانب دولة الاحتلال. نظرا للمخاطر الكبيرة التي تنطوي عليها، يجب أن يشكل الإعلان عن هذه الرؤية نقطة تحول في الخطاب والممارسة الاقتصادية الفلسطينية على كافة المستويات، باتجاه فرض برنامج فلسطيني سياسي واقتصادي واجتماعي مناسب للمرحلة وغير مرتهن بالتزامات ومقاربات متقادمة وغير مناسبة للمرحلة الجديدة.

وأضاف:" دون إحداث تغيير جوهري في السلوك الفلسطيني في إدارة العلاقة الاقتصادية مع الاحتلال، فإنه لن تتوفر أي أدوات اقتصادية لمواجهة رؤية ترامب، أي أنه يجب تقليص حالة الارتهان المعيشي للفلسطينيين على الاقتصاد الإسرائيلي، لإتاحة هامش ما من القدرة على اتخاذ خطوات أو إجراءات من شأنها اختراق بنية السيطرة الاستعمارية الإسرائيلية.

ويتوقع الخالدي، ان الفلسطينيين على موعد مع ما وصفه بـ "العاصفة المثالية" الثلاثية: من انهيار اقتصادي اجتماعي بسبب كارثة طبيعية، إلى مواجهة اقتصادية سياسية مع الاستعمار الاستيطاني، وصولا إلى النهاية المعلنة لحقبة العملية السلمية وما أفرزته من اتفاقات وترتيبات ومؤسسات.

مجرد التهديد بالضم، يؤجج عدم اليقين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي

وقال الخالدي:"بغض النظر عن نطاق ومراحل تطبيق الضم، فإن مجرد التهديد به، خاصة في وسط أزمة كوفيد-19، بدأ يؤجج عدم اليقين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي إلى درجات لم نشهدها منذ الانتفاضة الثانية. ما ينذر فعلاً "بالعواقب الوخيمة" التي طال التهديد بها، في سياق المواقف العربية والدولية الرافضة خطابياً للعدوان الإسرائيلي المتواصل منذ 70 عاما ونيف".

ملاحظات حول حالة المشروع الوطني في 2020

ويسجل الخالدي ملاحظاته حول حالة المشروع الوطني في 2020، منطلقا في ذلك من أن حركة التحرر الوطني الفلسطيني أصبحت اليوم أبعد ما تكون منذ 1947 عن تحقيق هدف حل الدولتين، بينما على أرض الواقع، فإنها أقرب ما تكون منذ 50 سنة للهدف المتمثل بشعار الدولة الديموقراطية العلمانية الواحدة الذي رفع، ثم سحب، آنذاك.

افتراضات واستنتاجات قد تثير بعض الجدل

ويطرح الخالدي بعض الافتراضات أو الاستنتاجات (الشخصية تماماً)، التي قد تثير بعض الجدل لما تنطوي عليه من تساؤل حول جدوى الثوابت (أو المشاعر) الوطنية الخاصة بممارسة حق تقرير المصير الوطني": مؤكدا انه لم يعد ممكنا إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ذات سيادة وجدوى اقتصادية، على الأراضي المحتلة عام 1967، وهناك انحسار للتحكم الفلسطيني (المحدود أصلاً) في مساحات تقل عن 10% من أرض فلسطين التاريخية (دون احتساب مناطق نفوذ البلدات العربية في الداخل)، ما يجعله غير قابل للاستدامة، ولم تعد هناك مصداقية أو قدرة للتكتيك السياسي في مواصلة الموائمة بين واجب قيام مؤسسات السلطة الفلسطينية في تأدية واجباتها في تقديم خدمات أساسية للشعب وحمايته (والتي من الصعب التخلي عنها وتسليمها للعدو) من جهة، والادعاء بخوض نضال تحرر وطني قد يعيد الوطن إلى هاوية 1948 أو 1967 أو 2002، من جهة ثانية، وتثبت تجربة فلسطينيي الداخل أن إذابة الهوية والانتماء العربي في خدمة المشروع الصهيوني لم، ولن، تتم، وفي نظام عالمي تغير جوهريا خلال القرن الماضي، لم تعد لتحقيق هدف حق تقرير المصير الوطني في إطار دولة أحادية القومية ذات القيمة التي كانت عليها عند انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة عام 1965، بل يمكن الجزم أنها باتت عقيدة تقادم عليها الزمن (caduc).

ويتساءل الخالدي فيما كان هناك من أفق للتوجه نحو نضال تحرري ما بعد القومي، على افتراض أن الطريق للتحرر الوطني يمر من التحرر الاجتماعي والاقتصادي؟؟  ولماذا نصر على العودة الى حل 1947 البعيد كل البعد (مهما كان مرغوبا أو مجمعا عليه دولياً)، بينما نقف على أبواب الظروف المادية المناسبة للرؤية المستقبلية التي طرحت في 1970 (والتي ما زال الإجماع العالمي يدعي عدم واقعيتها)!؟.

جائحة كوفيد-19: الكساد الفلسطيني الكبير

في بداية العام بدا أن الاقتصاد الفلسطيني على وشك استيعاب الصدمات التي تكبدها في 2019 جراء المواجهة مع سلطات الاحتلال التي دامت ستة أشهر بعد رفض السلطة الفلسطينية استلام أموال المقاصة الضريبية (المقدرة ب 2.2 مليار دولار سنويا، أو حوالي ثلثين من الموازنة العامة)ناقصة ما خصمته إسرائيل بموجب قوانين "مكافحة الإرهاب". كان هناك توقع بالتعافي وأن يصل النمو إلى قرابة ال  2%، لكن ما رافق انتشار جائحة كوفيد-19 من تجميد للنشاط الاقتصادي بدد بسرعة أية توقعات اقتصادية ومالية إيجابية.

لكن، مع انتشار وباء كوفيد-19 في الضفة الغربية قدر عدد من الجهات الفلسطينية والدولية بواسطة منهجيات مختلفة، الأضرار المتوقعة جراء ثلاث أشهر من الإغلاقات وتوقف النشاطات الاقتصادية. تراوحت بين الأكثر تفاؤلاً بتراجع لا يتعدى 10% من الناتج المحلي الإجمالي (البنك الدولي)، والتقدير الأكثر حدة لنطاق وحجم الركود المتوقع، والذي صدر عن معهد "ماس" ، الذي اشار الى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للضفة الغربية للعام 2020 سينكمش بنسبة 21% عن مستواه عام 2019، ما يعادل 3,009 مليون دولار. أما نتائج السيناريو الثاني، فتظهر انكماشا في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي يصل الى 35%)5,027 مليون دولار).

الخسائر الاقتصادية للجائحة ستتجاوز الركود وتدخل في كساد كبير وطويل من الصعب الخروج منه

ومع تجدد انتشار الجائحة خلال الأيام القليلة الماضية، قال الخالدي:" يبدو أن الخسائر الاقتصادية الفعلية هذه السنة ستتجاوز تلك المقدرة في سيناريو "ماس" المتفائل، ونواجه في فلسطين ليس فقط ركود لم نشهده إلا خلال 2001- 2003 ربما، بل ندخل في كساد كبير وطويل سيكون من الصعب بمكان الخروج منه ضمن السياق السياسي والمؤسساتي الراهن. أي أننا سنواجه أزمة اقتصادية اجتماعية غير مسبوقة وستواجه السلطة الفلسطينية صعوبات جمة لإدارتها، مهما أحسنت في أدائها وفي جهودها للتقليل من انتشار الوباء".

ويرى الخالدي، ان هذه الأرقام المجردة لا تعكس حجم واتساع وخطورة الأوضاع المعيشية المتأزمة لمئات الآلاف من الآسر الفقيرة التي يقدر الارتفاع في عددها بما يزيد على 50%جراء فقدان العمل أو انخفاض في الرواتب أو تسريح أو عدم وجود طلب كاف في الأسواق على خدماتهم. هناك فئات مستضعفة عديدة في المجتمع الفلسطيني لا تجد معيل لها في هذه الظروف الاستثنائية بخاصة العمال الذين فقدوا وظائفهم داخل إسرائيل، ثم العاملون دون عقود عمل وحقوق مثبتة، والعاملون في القطاعات الأكثر تضرراً التي أُجبرت على الإغلاق منذ بدايات الأزمة، بالإضافة الى الأمهات العاملات، كذلك العائلات الأشد فقراً التي تعتمد على المساعدات الحكومية أصلاً. وهو مشهد مخيف فعلاً.

التداعيات الاقتصادية للرؤية الأميركية الإسرائيلية لتصفية قضية فلسطين

ويؤكد الخالدي انه تلوح في الأفق موجة وبائية جديدة تزامنا مع استعدادات إسرائيل لتنفيذ سياستها المقررة لضم مساحات جديدة من أرض فلسطين، حسب وصف الكاتب ارثور كوستلر منهج العصابات الصهيونية "كاللصوص في الليل"، وسط صمت وعدم اكتراث من معظم الدول الصديقة والشقيقة.

ودعا الخالدي العالم الى استدراك حجم الكارثة الإنسانية التي قد تصيب شعب فلسطين هذا العام بسبب عدم مقدرة السلطة الوطنية على مواصلة وظيفتها في الحكم وتأمين الخدمات، من جهة، ونية السلطة الاسرائيلية القائمة ليس بالاحتلال فقط، بل بالإحلال، على بسط سيادتها على ما تبقى من فلسطين التاريخية، وتقضي بذلك على 25 سنة من وهم الحل السلمي القائم على دولتين، وعلى ترتيبات الحكم القائمة بفضل أوسلو.

وقال:"هناك تطابق بين النتائج المتوقعة لتنفيذ هذه الرؤية وبين الأهداف الاستراتيجية لمنظومة الضبط والإخضاع والسيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين، من خلال تدمير القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الفلسطيني، وتأكيد إلحاقه بالاقتصاد الإسرائيلي، والإمعان في تجزئة الوجود العربي في أرض فلسطين التاريخية إلى تجمعات منفصلة خاضعة لسيادة دولة إسرائيل، كل منها بحسب منظومة أمنية وقانونية واقتصادية مناسبة لغايات إدارتها الكولونيالية – ما يبرر تماماً لقب "بانتوستانات".

ودعا الخالدي القيادات الفلسطينية والعربية، وصانعي السياسات الاقتصادية، والاقتصاديين والمفكرين، الانخراط في حوار مفتوح وصريح حول خطورة رؤية ترامب وما تمثله من تغيير جوهري في مرجعيات وغايات "العملية السلمية" واتجاهات النضال الوطني الفلسطيني، وحول سبل مواجهة الهجمة المعادية وإفشالها، كما يستدعي محاولة توقع الإجراءات الإسرائيلية المحتملة، وسبل مواجهتها ميدانيا ومن خلال البرنامج الاقتصادي "الانفكاكي" للحكومة وغيرها من استراتيجيات المقاومة الاقتصادية، إذا صح التعبير.

 مدير عام معهد ابحاث السياسات الاقتصادية"ماس" رجا الخالدي