الخميس  06 آب 2020
LOGO

إسرائيل... تعددية الخطاب ووحدانية السلوك/ بقلم: نبيل عمرو

2020-06-23 09:01:48 AM
إسرائيل... تعددية الخطاب ووحدانية السلوك/ بقلم: نبيل عمرو
نبيل عمرو

 

المعارضة الإسرائيلية لمغامرة الضم، تبدو جدية ومثيرة للاهتمام، وأكثر ما يلفت النظر إليها أنها لا تقتصر على كتّاب الأعمدة والباحثين والأكاديميين والحزبيين، بل تشمل جنرالات في الاحتياط والتقاعد، مع نظراء لهم ما يزالون في الخدمة، وكل هؤلاء يواصلون التحذير الساخن من رد الفعل الفلسطيني الذي قد يصل إلى انتفاضة شاملة سلمية ومسلحة في الضفة وغزة، بحيث تصعب السيطرة عليها، ويحذرون كذلك من تراجع في وتيرة العلاقات السرية والعلنية مع بعض الدول العربية، ويفردون مكانة خاصة لخطر يتهدد المعاهدة الأردنية، دون إغفال التحذيرات من مواقف الحزب الديمقراطي الأمريكي الذي لا يكف عن إعلان تحفظاته على الضم، وكذلك يحذرون من اختلافات في تقديرات ومواقف فريق ترامب ذاته، الذي يتخذ جزء منه موقفا يشترط بلورة سياسة إسرائيلية موحدة لمنح الضم موافقة أمريكية رسمية ... كل ذلك وهو كثير ويفترض أن يكون فعّالا، لا ينعكس البتة على السلوك الإسرائيلي على الأرض، ذلك أن الجنرالات الذين يحذرون من احتمال انتفاضة فلسطينية لا سيطرة عليها لا يشكون عمليا من شيء سوى من أن نتنياهو لم يعطهم تعليمات رسمية حول خطط الضم كي يعدوا أنفسهم لتنفيذها، مما يضع التحذيرات آنفة الذكر على هامش القرار في إسرائيل، ذلك القرار الذي لا تحكمه أهواء وتقديرات كتّاب الأعمدة وحتى الجنرالات، لأن الذي يحكمه فعلا هو القرار الذي يصدر عن المستوى السياسي الذي ما زال نتنياهو صاحب الباع الأطول فيه.

الجدل الدائر الآن في إسرائيل والذي يؤثر بصورة مباشرة على مستوى ومضمون الموقف الأمريكي، حقق حتى الآن نتيجة يراها اليمين الإسرائيلي مرضية ويمكن البناء عليها، إذ صار الضم مجرد قرار داخلي فما يتفق عليه مثلث القرار يصبح نافذا والمعني بالمثلث البيت الأبيض كقاعدة وكاحول لافان كضلع أقصر ونتنياهو كضلع أطول.

المؤثر الجديد في الجدل الدائر داخل أضلاع هذا المثلث هو المخاوف التي نتجت جراء حالة الرئيس ترامب، وتراجع فرص فوزه في الانتخابات القادمة، وهذا التراجع غير المحسوم سلبا على نحو يقيني شجع نتنياهو على التمسك بمغامرته بفعل سعيه الانتهازي لاعتصار ولاية ترامب الحالية حتى القطرة الأخيرة، فإن تجددت رئاسته فالضم سيتكرس بدعم أمريكي مباشر، وإن لم يتجدد يكون نتنياهو قد سجل نقطة هامة لصالح مشروعه سيستخدمها مع الإدارة الخليفة، ولديه الإمكانيات الكافية لجعل أي إدارة أمريكية تراعي ضرورات التكيف مع المصالح الإسرائيلية... وانظروا لحالة كيري أوباما.

ما زال نتنياهو هو الرقم الأكثر فاعلية في الحياة السياسية الإسرائيلية، فبعد أن بدد قوة كاحول لافان، وبعد أن طمأنته استطلاعات الرأي بأنه سوف يتقدم على كل منافسيه في الانتخابات القادمة، بدأ بممارسة نفوذه الراهن والمستقبلي، وها هو يجر المشاركين معه في الحكومة إلى زاوية تشل قدراتهم وتدعم أجنداته، فإما الإذعان لما يريد وإما الذهاب إلى انتخابات يتبدد فيها نفوذ كاحول لافان وتتعزز فيها سيطرته المزدوجة على قوى اليمين في إسرائيل ومن ثم على القرار الإسرائيلي الرئيس كله.

وقبل الأول من تموز الذي يقترب حيث الخلاصات المفترضة التي ستحدد السياسة الإسرائيلية الرسمية، فهنالك الاحتمال الذي يبدو أقوى من غيره وهو بلوغ تسوية بين أضلاع مثلث القرار النهائي، يميل إلى منح نتنياهو موافقة على الضم ويمنح المتحفظين تدرجا في تنفيذه، وبذلك يكون نتنياهو قد فاز في الأمر الأساسي ومنح المتحفظين ما يتلهون به، حتى الآن لا يقين يمكن قراءته بفعل الرمال المتحركة في إسرائيل وأمريكا ولكن الأرجح أن تتقدم فكرة الضم على أي فكرة أخرى تتصل بالصراع.