الأربعاء  28 تشرين الأول 2020
LOGO

معجم كارل بوبر (الحلقة 12): الميتافيزيقا ومخطط الأبحاث الميتافيزيقية

ترجمة: سعيد بوخليط

2020-10-14 08:49:39 AM
معجم كارل بوبر (الحلقة 12): الميتافيزيقا ومخطط الأبحاث الميتافيزيقية
كارل بوبر

 

تقديم:

عندما صادفت منذ عقدين، كتاب الأستاذة الفرنسية روني بوفريس، الصادر حديثا آنذاك. توخيت بداية، إنجاز مقاربة تلخيصية تعريفية للعمل باعتباره عنوانا جديدا على  رفوف المكتبات. لكن بين طيات ذلك، تبين لي أن كتاب: العقلانية النقدية عند كارل بوبر ثم السيرة العلمية لصاحبته، ينطويان على قيمة معرفية كبيرة. لذلك، من الأمانة العلمية والتاريخية إن صح هذا التأكيد إعادة كتابته باللغة العربية.

*اشتغلت روني بوفريس؛ من بين أشياء أخرى، على نظريات كارل بوبر. وترجمت له أعمالا من الإنجليزية إلى الفرنسية؛ لا سيما سيرته الذاتية. كما أن بوبر نفـسه؛ أوكل لها مراجعة الترجمة الفرنسية لعمله الذائع الصيـت بؤس التاريخانية.

*اعتبرت روني بوفريس عملها هذا، تقديما عاما لمعجم بوبر المفهومي. ساعية بذلك، إلى جرد ألفبائي للمصطلحات والمفاهيم التي وظفها بوبر، قصد صياغة مشروعه. لقد رصدت وفق تعريفات سريعة لكنها دقيقة وعميقة؛ أهم المفاهيم سواء تلك التي نحتها بوبر، أو توخى في إطارها، على العكس من ذلك، مناقشة أصحابها وإبداء رأيه حولها: العقلانية النقدية/ التحقق/ المعرفة الموضوعية /المحتوى/ النظريات العلمية / تحديد /الديمقراطية / المجتمع المنفتح/ مقولة الأساس/ قابلية التكذيب/ قابلية التزييف والتفنيد/ الرائزية /التاريخانية / العقل و اللغة / اللاوعي/ الاستقراء / الوسائلية /الليبرالية / الماركسية/ الميتافيزيقا / العوالم الثلاث / المجتمع المنغلق /الوضعية/ القابلية / النسبية / الكليانية والطوباوية / التوتاليتارية…

خطاطة مفهومية، تعكس البرنامج النظري والمنهجي الذي خطه بوبر لنفسه. وقد توزع بين: منهجية العلوم؛ فلسفة المعرفة العامة؛ البيولوجيا؛ علم النفس؛ العلوم الاجتماعية؛ تأويلات الفيزياء الحديثة؛ تاريخ الفلسفة؛ فلسفة الأخلاق و السياسة؛ نظرية العلوم الاجتماعية.

أرضية فكرية وعريضة، يتجادل ضمنها مع: أفلاطون وسقراط وهيغل وماركس وفتجنشتاين وهيوم وكانط… إلخ. منحازا أو مختلفا، لكن بمعنى يتجاوز حدي منطق الميتافيزيقا الغربية الثنائي القيمة: صادق أو كاذب، ولا يوجد احتمال ثالث. لأن بوبر يؤكد نصيب الحقيقة من الخطأ. السمة الفكرية التي تهمه؛ أكثر من اليقين والاعتقاد المطلقين.

هكذا ظل بوبر رافضا باستمرار، لكل أنواع الطوباويات والإطارات الشمولية المنغلقة؛ بل والأفكار الرومانسية المنتهية حتما إلى العقيدة الجامدة والدوغماطيقية؛ لأنها تستند بدءا وانتهاء على المرجعية الأحادية.

 لم يكن من باب الصدفة إذن، أن يخرج بوبر آخر أعماله تحت عنوان مثير: "أسطورة الإطار، في دفاع عن العلم والعقلانية". يقول بوبر في تأويل لما أشرت إليه:((وعلى الرغم من أنني معجب بالتقاليد وعلى وعي بأهميتها، فإنني في الوقت ذاته أكاد أكون مناصرا أصوليا للا-أصولية: إنني أستمسك بأن الأصولية هي الأجل المحتوم للمعرفة، ما دام نمو المعرفة يعتمد بالكلية على وجود الاختلاف. وكما نسلم جميعا، الاختلاف في الرأي قد يؤدي إلى النزاع، بل وإلى العنف. وأرى هذا أمرا بالغ السوء حقا، لأنني أستفظع العنف، غير أن الاختلاف في الرأي قد يؤدي أيضا إلى النقاش، وإلى الحجة وإلى النقد المتبادل. وإني أرى هذه الأمور ذات أهمية قصوى، وأزعم أن أوسع خطوة نحو عالم أفضل وأكثر أمنا وسلاما، قد قطعت حين وجدت حروب السيف والرمح لأول مرة من يضطلع بها، وفيما بعد حين حلت محلها في بعض الأحيان حرب الكلمات )) ( أسطورة الإطار: في دفاع عن العلم والعقلانية. ترجمة يمنى طريف الخولي. سلسلة عالم المعرفة. أبريل- مايو 2003)

ولكي يتم تسليط الضوء بقوة، على الأفق المتطور لهذا الفكر الإنساني في جوهره، أسرعت بوفريس غير ممتثلة لترتيبها الألفبائي؛ نحو الصفة التي عشق بوبر، أن يسمي بها اجتهاداته الفكرية والمنهجية. أقصد تصنيف: العقلانية النقدية.

فما هي إذن أبرز ملامح وتجليات هذه الفلسفة؟ ثم  كيف عملت  بوفريس على توظيف ذلك حين مقاربتها مشروع بوبر؟ لا شك، أن الإجابة عن بعض هذه الأسئلة تخول من جهة أخرى؛ إثارة انتباه القارئ نحو أهم أطروحات هذا العمل، والتي سنقف على مضامينها عبر سلسلة هذه الحلقات.  

الميتافيزيقا و"مخطط الأبحاث الميتافيزيقية":

دون أن يعطي كارل بوبر تعريفا محددا للميتافيزيقا، نظرا لنقده لـ"الماهوية"، ومع توظيفه أحيانا دون تمييز لمفهومي: "قضايا فلسفية" و"قضايا ميتافيزيقية". فإنه يرد الاعتبار أولا للميتافيزيقة ضد وضعيي حلقة فيينا Vienna، وقد جمعته علاقات مع أعضائها لكن دون انتمائه قط إلى هذه الحلقة، على العكس من المنحى الأسطوري المصاحب لهذه القضية، ثم بعد ذلك ضد فتجنشتاين الذي أكد على وجود "ألغاز" لسانية وليس تحديدا قضايا فلسفية. بهذا الخصوص، أظهر غضبه واحتجاجه حينما سمع دفاع بوبر الشاب عن فكرة وجود حقيقي للقضايا الفلسفية.

 ينفصل بوبر عن النزعة العلمية التي بحسبها يمثل العلم حقل الشيء القابل للبرهنة واليقيني بينما الميتافيزيقية ميدان الاعتباطي، الخيالي وكذا الغامض.

 إن عبارة ميتافيزيقية ليست قابلة للاختبار، كذلك يتعذر دحضها ولا يمكننا التحقق منها، معطيات تميزها عن نظرية علمية، لكنها لا تعني تماما بأنها فاقدة للمعنى، والحقيقة وكذا القيمة، مثلما اعتقد الوضعيون. بل قابلة للتدليل والنقد. لقد أصبحت بعض النظريات الميتافيزيقية قابلة للاختبار، وشكلت بذلك إلهاما للعلم.

 تكلم بوبر عن مخطط الأبحاث الميتافيزيقية فيما يتعلق بالداروينية ولا شيء سيمنع في نظرنا، اعتبار بأن بوبر لا يفعل ذلك تحديدا، بل يوجه انتقاده إلى فرويد، وقد أوضح طبيعة انتقاداته في عمله المعنون ب: " postcript". ذلك أن بعض مناحي النظرية الفرويدية، بوسعها أيضا تبني نظام مخطط الأبحاث الميتافيزيقية، مما يجعلها قابلة للتحسن جراء النقد وتصبح في يوم من الأيام خاضعة للاختبار.

يقود شرط قابلية الدحض عند بوبر، الذي يعتبر أكثر تباينا مع علمية الماركسية والتحليل النفسي، قياسا لمعيار التحقق الوضعي، كفاصل بين العلم واللاعلم أو بين العلم والميتافيزيقا، نحو التمييز بين:

1 – المنطق والرياضيات، حقل ما يمكن البرهنة عليه، أي الفكر، وليس المعرفة (التخمينية). 2 – المعرفة التجريبية. 3 – الميتافيزيقا.

العالم 1، العالم 2، العالم 3:

العالم 1: "عالم الفيزياء، الأحجار، الأشجار، الكيمياء والبيولوجيا".

العالم 2: "عالم العواطف، الخوف والأمل، استعدادات للتأثير وكذا مختلف التجارب الذاتية".

العالم 3: "عالم الفكر الإنساني، الأفكار، النظريات. أيضا، أعمال الفن والقيم الإيتيقية. وكذا المؤسسات الاجتماعية".

 يبدو بأن العالم الفيزيائي قد سبق وجوده عالم الأحاسيس الحيوانية والحالات السيكولوجية. في حين لم يبدأ العالم 3، سوى مع تطور لغة إنسانية خاصة: يعتبر أيضا نظام عرض العوالم الثلاثة، نظام تعاقب.

يبلور التجسيد اللساني للاعتقادات، نمطا جديدا من الحقيقة. تضيف أطروحة بوبر: ''عالما ثالثا''، إلى عالم الأشياء المادية وكذا الوعي الذاتي والأشياء المعاشة، إنه عالم مضامين الفكر والدلالات الموضوعية.

لا يمكننا أن نفهم تماما استقلال المعرفة عن تجارب الذات السيكولوجية، إلا إذا أقررنا ليس فقط عدم ارتباط حقيقة نظرية علمية باعتقادات شخصية، لكن بكيفية أكثر جذرية، تميُّز حقيقة النظرية عن حقيقة الفكر الذي أبدعها ويتضمنها: هكذا تقوم عند المستوى الأنطولوجي إبستمولوجيا بوبر دون الذات.

 سنلاحظ استقلال هذا "العالم 3"، الذي بوسعنا أيضا تسميته" عالم الثقافة" ويتوخى البعض اختزاله إلى عالم ذاتي للوعي. لكن من بين أفكار بوبر الأكثر أصالة تمسكه باستقلال عالم موضوعات الفكر عن الذات الإنسانية التي أبدعته. يخلق الإنسان نظريات وأفكار، بحيث لا يمكن للأخيرة التبلور دونه، لكن بمجرد إبداعه لها، يفقد سيطرته عليها؛ ثم يصادفها في غموضها، ويصطدم حينئذ معها. مما يعني قبل كل شيء، عدم استيعابه لها. هكذا يتسامى جذريا محتوى فكر، بالفهم الذي لدينا عنه، مادامت نتائجه متعددة بشكل لا نهائي.

يعتبر العالم 3 جوهريا بالنسبة لبوبر، عالما لا نهائيا، غير مكتمل، بالتالي غير متوقع: تكمن الأفكار المستقبلية خارج كل توقع، في نطاق ارتباط  باقي العالم بها، وتتضمن بالنسبة إليه اللاتحديد: "نساهم جميعا في تطور العالم 3...، بيد أنه خلال تطوره ،لا يفلت فقط عن إدراك إنسان بعينه، بل قياسا لجميع البشر(مثلما تظهر ذلك القضايا المتعذر حلها)".

ما هي العلاقة بين العوالم الثلاثة؟ لا يمكن للعالم 1، والعالم 3، تأثير أحدهما في الآخر مباشرة، لكن فقط من خلال العالم 2، الذي يتفاعل معه الاثنان: مثلا، من خلال الفهم السيكولوجي للنظريات، قد يتغير العالَم الفيزيائي. بما أن استقلال العالم 2 يعتبر أكثر بداهة من استقلال العالم 3، فقد اهتم بوبر بالدفاع عنه ضد المعترضين: يحدد وضعه قياسا إلى قضية جسد/ روح كثنائية، بل وكتفاعل متجدد.

ميز  بوبر مستندا على ديكارتية جديدة، نمطين من الحقائق، فيزيائية وسيكولوجية، ثم يضيف مشيرا إلى إمكانية وجود تفاعل بين الصنفين: قد يؤثر الفكر على الجسد، مثلما بوسع الأخير ممارسة مفعوله على الفكر. بالتالي يرفض التماثل، حينما يكون مجرد صيغة ضمنية للأحادية: يستحضر الوضع الذي دافع عنه ديكارت سابقا، لكن بصياغة أخرى تتوخى تجاوز الصعوبات التي أفقدتها اعتبارها. لذلك يعتقد بوبر بإمكانية صياغته أطروحته وفق الصيغة التالية:

1- هناك ثنائية، ليست بالتأكيد للجواهر، بل حالات وتطورات متفاعلة. 2 –يقدم الوعي لحركات الجسد جهازا للضبط المرن. أما ما يتعلق بأقصى مستويات الوعي بالذات، الخاصة بالإنسان، فلم يكن بوسعه التجلي إلا كارتداد للتشكّل اللساني للنظريات، مثل تلك المتعلقة باستمرارية الأجساد في الزمان. يفسح العالم 3 المجال أمام ظهور الوعي الذاتي، شيء يفتقده الحيوان.

 

*المصدر:

Renée Bouveresse :le rationalisme critique de karl popper ;ellipses ;2000.