الثلاثاء  26 كانون الثاني 2021
LOGO

خيل وخيّال وبارود/ بقلم: عبد الله لحلوح

2021-01-10 08:30:15 AM
خيل وخيّال وبارود/ بقلم: عبد الله لحلوح
عبد الله لحلوح

 يقول الخبير الإلكتروني سائق التاكسي الأصفر الصغير: العام الجديد مليء بالمآسي، وفيه سيتحول أكثر من نصف العالم إلى (شحّادين)، وأنَّ كل اللقاح الجديد ضدَّ فيروس كورونا ما هو إلا عبارة عن سموم بطيئة الأثر، وتعمل على المستوى البعيد، فهي تؤثر على قدرات الرجال الجنسية، وتقلل الرغبة، وهذا سيؤدي إلى حالات طلاق كثيرة، وسيقل عدد المواليد، وخاصة عند العرب الذين يحاولون تنفيذ وصية النبي صلى الله عليه وسلّم في حديثه الشريف: "تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة". وستحدث هزات كثيرة في هذا العام تصل قوةُ بعضها إلى درجات ريخترية عالية، وأول إشارةٍ على ذلك انحباس المطر، فقد ذكر أحد السلف الصالح أنَّ قلة نزول المطر ناتجة عن قلة الدين. وقال: "إذا بدأت المربعانية بالجفاف، لا بلزم نار ولا لْحاف". وسألته إن كان هذا المثل يحفظه من الرُّواةِ الثقاتِ، أم أنه قد ارتجله الآن؟ فضحك وقال: "خيل وخيّال وبارود... شيل العسكر عن الحدود".

وسألته عن علاقة هذا بذاك؟ فردَّ بأنَّ السنة الجديدة إن بدأت بالمشاكل والطُّوَش، فإنَّ ذلك نذير خوفٍ ورعبٍ. وقد بدأت السنة بطوشة كبيرة في كفر عقب راح ضحيتها أربعة شبانٍ في ريعان شبابهم. وبلاطة انتفضت هي الأخرى، والرصاص الطائش يقتلُ أكثر من الصائب المقصود، والبيوتُ تُحرَقُ، وفي فلسطين التاريخية، تاريخٌ دمويٌّ مكرر، فكلُّ يومٍ جريمة، وغالبًا ما "تعود حليمة لعادتها القديمة"، فالناس شدّوا على خيل الجنون، وحملوا البارود، وقتَّلوا بعضهم بعضًا، والدنيا ميمعة وقايمة، وما حدا فاهم حاجة. وأنهى كلامه قبل أن أنزل من سيارته قائلًا: خذوا الحكمة من أفواه المجانين. أنا يا عمّي مهندس إلكتروني، وتخرجت قبل ست سنوات ومش لاقي شُغل، فصرت أشتغل عالتاكسي، الله يلعن أبو الحاجة. فقلتُ له: ومن قال لك بأنني ظننتكَ مجنونًا؟

تركته بعد أن أخذ أجرته عشرةً كاملة، وأنا توجهت إلى حيث أُريد، بلا خيل ولا بارود.

قال هذا الخبير الإلكتروني كلامًا كثيرًا، بعضه مهم، وبعضه أحاديث متواترة عن العلماء الصغار، وأهل الفتوى، وأصحاب الاختصاص، فالناسُ في بلادنا يَتَمَشْيَخون حيث لا وقتَ للمشيخة، ويصبحون علماء في الفلك، والأركيولوجيا، وفقه السنة، وشعراء من الطراز الأول، وعرّافين وفتّاحين، ونسّابين، وحُجّابًا على أبواب الرحمةِ الرَّبانية، ومن بعدِ ذلك يكتشفون أدويةً خارقة ساحقة ماحقة للكورونا وما لفَّ لفيفها، ويؤلفون حولها المقولات والأقاويل، والمطولات والمقصرات من المقالات التي تُصنَّفُ على أنّها من أدبِ الأرصفة، وقد تصبح كاتبًا مشهورًا وأنتَ ( تَتَمَجْنَنُ) هنا وهناك، وأنْ تحظى بشهرةٍ كبيرةٍ، ويكون لك قرّاء يسدون عين الشمس، وأنتَ تركبُ الموجة، وتهبشُ من كلِّ ما يمكن هبشُهُ، وتهرف وتغرف بما تعرف وما لا تعرف، المهمُّ أن تقول ما لا يُقال، وتصبحُ بعدها شاعرًا أو كاتب مقال.

ذكَّرتني جملة السائق الخبير: "خيل وْخيال وْ بارود" وهي لازمةٌ شعبيةٌ من أغاني الأفراح والسهرات الفلسطينية التي يُغنيها كلُّ من قال عن نفسه أنَّهُ مُغنٍّ، ويردِّدُها الناسُ ( السّحّيجة) أو ( الرّدّيدة) خلفه بحماسٍ وتفاعلٍ كبيرين، دون أن يفكِّرَ أحدٌ منهم في معناها، أو يسألون عن قائلها الأصلي، الذي لن يُعرَف، لأنها من الموروث الشعبي، وقد يحصل خلافٌ كبيرٌ بين أهل الزجل لو فُتِح هذا الباب، "فكلٌّ يدَّعي وصلًا بليلى". وبغض النظر عن ذلك، فقد كُنّا نغنيها، وما زالت تُغنّى، ويحرِّكُ الشباب عضلاتهم وكفوفهم نصف ساعةٍ من الزمن في عزِّ الهجير، أو في سهرةٍ ليلية، وهم يرددون، والمحتوى الذي يلحق بهذه اللازمة بلا معنى ولا مضمون، ولا تشعر بأنَّ أحدًا من السحيجة، يستنكر ذلك، أو أنه يخرج من الصف ليعترض عليك. وبهذا الشكل ظلَّ المغنّي يُغني، والسحيجة يرددون، والسهرة حامية، إلى أن تظهر أغنيةٌ جديدة، على نطاقٍ أوسع، وبكلمات أكثر عمقًا، وفيها عناصر إبداعية، كلوحات الصوت واللون والحركة، مع مضامين معنوية عالية المذاق، مثل:" الهدف مرصود والرشاش جاهز" على سبيل المثال، فيقودنا المغني على أنغام هذه اللازمة عمرًا مديدًا، تسحيجًا وترديدًا، وتهليلًا وتمجيدًا.

وعلى هذه الحال، "نبقى نحبُّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا" فالموضوع مُحيِّر، ولا عبرة في الكلام، فعليه غبارٌ وغباش، والحروف متداخلة، والقراءة مملة، والدحيّة متعطلة هذه الأيام، ونحن خبراء، فقراء إلى الله، أغنياء بإشاعاتنا، وبأدبنا العربيِّ، وعلومنا التي فاقت كلّ علم. ولا فائدة من الكلام.