الأربعاء  04 آب 2021
LOGO

وهم عملية سرقة الأرشيف النووي الفلسطيني.. استعراض أمني إسرائيلي سخيف

2021-03-30 10:46:42 AM
وهم عملية سرقة الأرشيف النووي الفلسطيني.. استعراض أمني إسرائيلي سخيف
تعبيرية

 ترجمة - محمد بدر

تحت عنوان "سرقة الأرشيف النووي الفلسطيني" نشرت القناة العبرية الـ 13 تحقيقا صحفيا للخبير في الشؤون العربية والفلسطينية تسفي يحزكيلي المعروف بقربه من دوائر المستوطنين. يدعي معد التحقيق أن مجموعة من المستعربين الذين يسكنون في مستوطنات الضفة الغربية قرروا الوصول إلى خطط السلطة الفلسطينية فيما يتعلق بالمشاريع في المناطق المصنفة (ج) بحسب اتفاق أوسلو.

التحقيق الذي أعده يحزكيلي، يحاول أن يوصل أكثر من رسالة في آن واحد، ففي مقابلته مع جنود الوحدات الخاصة (المستعربين) يقول أحدهم إن الوضع في الضفة الغربية يتغير بشكل متسارع وكبير، مزيد من الحقول والمشاريع والبناء، وبالتالي كانت الفكرة أن يتم الكشف عن الخطط التي تنظم كل ذلك، وعن الجهات الدولية التي تدعم هذا التوجه من قبل السلطة الفلسطينية.

يقول أحد أفراد قوة المستعربين الذين تحدثوا في التحقيق، دون الكشف عن هويته، إن الضفة الغربية أصبحت مهملة جدا من قبل المستوى الرسمي الإسرائيلي، ولذلك كانت الفكرة في الوصول لخطط السلطة الفلسطينية. وفي الحقيقة لا يمكن لهذا الأمر أن يتم من ناحية عملياتية من دون موافقة الجهات الأمنية المركزية، لأن خطوة كهذه تحمل مخاطرة كبيرة، وما يزعمه المشاركون بالعملية في روايتهم بأنهم تعرفوا على بعضهم البعض قبل تنفيذ العملية، وأنهم بدأوا بالتخطيط لتنفيذ العملية وإعداد المنظومات الجانبية، "البطاقات، القصص الوهمية، مواقع الإنترنت"، وهذه رواية تصطدم أيضا بآليات العمل الأمني الإسرائيلي شديدة المركزية.

التحقيق يكشف أيضا عن مشاركة نجل أحد العملاء الهاربين من جنوب لبنان يدعى "إلياس" في عملية سرقة الأرشيف، والذي قال إن ما دفعه للمشاركة في ذلك هو لهجته العربية، ولذلك كانت مهمته أن يعمل كمصور للفريق الذي أدعى أنه يعمل لصالح وسيلة إعلام بلجيكية، ومن المهم الإشارة في هذا السياق أن التقاط فكرة أن مصوري الوكالات الأجنبية معظمهم من المصورين المحليين لا يمكن أن تكون وليدة فكرة مجموعة من المستعربين الهواة كما يصورهم التحقيق، بل تحتاج إلى إسناد معلوماتي مسبق من جهاز الشاباك الإسرائيلي.

بطلة القصة وفق التحقيق الصحفي الإسرائيلي، تدعى رونيت، وهي إحدى العاملات في وحدات المستعربين، والتي أوضحت أنها وصلت لوزارة الحكم المحلي تحت غطاء وسيلة إعلام أجنبية وتحديدا بلجيكية، مضيفة: "كنا أنا والمصور ومدير القناة القادم من بلجيكا، وآخرون قاموا بحراستي يتحدثون اللغة العربية ويستطيعون التواجد في مناطق السلطة الفلسطينية".

تروي رونيت أن الهدف الذي رصدته من خلال البحث في الإنترنت كان جهاد ربايعة، مدير عام التخطيط في وزارة الحكم المحلي، أما هي (رونيت) فأطلقت عليه مسمى "المسؤول عن خطط السلطة الفلسطينية في المناطق المصنفة (ج) بالضفة المحتلة، وأنه مسؤول عن تمرير الملايين التي يقدمها الأوربيون للسلطة الفلسطينية بهدف تحويلها إلى مشاريع على أرض الواقع".

تسرد رونيت قصة "سرقة الأرشيف النووي الفلسطيني" قائلة إنها اتصلت بوزارة الحكم المحلي الفلسطينية وطلبت معلومات عن جهاد ربايعة، وقد تم تحويلها إلى الوزير مباشرة، والذي وافق على إجراء المقابلة بعد أن سألها عن هويتها، وقد عرفت عن نفسها بأنها تعمل في وكالة إعلام ببلجيكا، وأنها مراسلتهم في فلسطين وتريد إعداد تقرير صحفي حتى يتضاعف الدعم القادم من الاتحاد الأوروبي.

وتزعم رونيت أنها دخلت إلى مدينة رام الله بعد اختلاق رواية أنها صحفية ويرافقها مصور، وحول كيف حصلت على الخطط خلال المقابلة، قالت: "هذا يتعلق بالتواصل مع الشخص.. تواصلنا جيداً، وهم كانوا يريدون الحصول على التبرعات من الاتحاد الأوروبي بعد أن تحدثنا أحضر مزيداً من الأشخاص الذين يعملون معه… كان ذلك سهلاً، ولقد اكتشفنا ببساطة كيف أن الأوربيين يتجاهلون السيادة الإسرائيلية"، حسب وصفها، وزعم التقرير أن "رونيت" أخرجت من جهاد كل ما تحتاجه.

وعرض التحقيق لقطات فيديو مصورة خلال المقابلة بين المستعربين الذين دخلوا تحت غطاء العمل الصحفي، والمسؤولين الفلسطينيين المقصودين بالعملية الخاصة.

وإن كان بالفعل قد تم التنسيق بهذه الآلية بين الطرفين لإجراء المقابلة، فإن هذا يعد خللا كبيرا في التعاطي مع وسائل الإعلام الأجنبية، لأنه من المفترض أن تقدم الصحفية بياناتها إلى دائرة العلاقات العامة في الوزارة المقصودة والتي بدورها يجب أن تقدمها إلى وزارة الإعلام المسؤولة عن التنسيق مع الصحفيين الأجانب، وهذا من المفترض أن يمر في سلسلة من الإجراءات التي بكل تأكيد لا يخلو منها التحقق ووجود كتاب رسمي من الجهة الإعلامية التي يتم التواصل معها وسؤالها عن حقيقة المقابلة. يحيلنا هذا إلى طريقة تعاطي الوزارات في الحكومة مع الإعلام الفلسطيني المحلي، الذي تمر إجراءات التنسيق للمقابلات معه في أكثر من مسار وفي النهاية يتم الرد على الطلب إما بالتجاهل أو الرفض، وهو ما خلق حالة من الاغتراب بين الوزارات والمؤسسات الرسمية والإعلام المحلي، والذي وجد نفسه مضطرا للنقل والترجمة عن الإعلامين الإسرائيلي والأجنبي بسبب عدم مقدرته على الوصول إلى المعلومات من مصادرها الرسمية.

لكن الأهم في هذا الطرح هو الفشل الأمني الإسرائيلي في هذه العملية ومناقشته بأبعاده كافة، رغم محاولة التحقيق التسويق لها على أنها "عملية الحصول على الكنز" لأنها كشفت عن معلومات حول نية الفلسطينيين الاستثمار بمبلغ مليار دولار للبناء في البلدة القديمة بالقدس والمناطق المحيطة بها حتى 2030، ووجود خطط تتحدث عن 778 مليون دولار مخصصة لمناطق الخليل وبيت لحم، و500 مليون دولار لمنطقة رام الله، للاستثمار في المنطقة المصنفة "ج".

بسهولة تامة يمكن المقارنة بين اللقطات التي عرضها التحقيق الصحفي الإسرائيلي وبين ما نشرته العلاقات العامة التابعة لوزارة الحكم المحلي من صور عن المقابلة، فقد كان يُفترض أن يعرف هؤلاء المستعربون أنه لا يمكن إجراء أي مقابلة دون وجود للعلاقات العامة أو من ينوب عنها لالتقاط الصور وتسجيل المقابلة، وبالتالي فإن هذه الفكرة التي فاتتهم، فضحت بشكل غير مباشر بطلة قصة المستعربين رونيت.

يظهر منشور على صفحة مجلس قروي أم الريحان في مارس 2020 أن تم التقاط صور لـ رونيت خلال مقابلتها لمدير عام التخطيط في وزارة الحكم المحلي ربايعة، وجاء في المنشور: "لقاء الأخ جهاد ربايعة مدير التخطيط في وزارة الحكم المحلي لمجلس أم الريحان وإجراء مقابلة تلفزيونية مع وكالة الإعلام البلجيكية، استعرض فيها الإنجازات في قرى الجدار والتخطيط لإنجاز مشاريع حيوية.. جهاد ربايعة غني عن التعريف يبذل كل جهوده ويسهر من أجل العمل على تطوير وصمود المواطنين من خلال رؤية وزير الحكم المحلي وكافة الوزارات وعلى رأسها رئيس الوزراء الدكتور محمد اشتية.. معا وسويا لبناء دولتنا وعاصمتها القدس".

إذن، تم الكشف عن بطلة قصة "الأرشيف النووي الفلسطيني" بهذه السهولة والسخافة من أجل استعراض أمني سخيف وغير مدروس، ويبدو أيضا أن الرقابة العسكرية الإسرائيلية قد تورطت بمعلومات مضللة من قبل فرقة المستعربين، التي أكدت لها – على الأغلب- أنه لم يكن هناك أي نوع من التصوير من الطرف الآخر، وبالتالي سمحت بنشر اللقطات، التي دفعت صحفيين ونشطاء عاديين للبحث عن اللقاء المذكور في التحقيق.

تكشف هذه القصة عن أمرين مهمين: الأول، أن الإسرائيليين يحاولون دائما الظهور بصورة المتفوق والعبقري والذكي بما يغذي عقيدتهم الدينية الأساسية عن تفوق اليهودي على الآخرين بحكم الطبيعة والمزايا الإلهية، وهذه النزعة انعكست بدورها على سرديات أجهزتهم الأمنية، الأمر الذي فتح الباب واسعا أمام النقاد والمراقبين لتفكيك الرواية الأمنية الإسرائيلية التي لم يعد لها ذلك الزخم الذي اكتسبته على مدار سنوات الصراع.

وأثرت عقدة التفوق اليهودي أيضا من ناحية عملياتية على أداء الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي أصبحت تتعامل مع العقلين العام والخاص للخصم باستخفاف شديد وهو الأمر الذي أدى لفشلها في عدد كبير من العمليات، بعضها شكل فضيحة مدوية كما جرى في خانيونس مع فرقة الكوماندوز في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، والتي هربت من قطاع غزة تحت وابل كثيف من النيران بعد مقتل قائدها.

وحتى الحديث عن كنز من الوثائق، فهذا أمر مبالغ فيه، في ظل أن كل ما تحتاجه "إسرائيل" ومنظومتها الأمنية من معلومات يمكن الحصول عليه من خلال البرمجيات الأمنية واختراق النظم الإلكترونية، ومن المعروف أن "إسرائيل" رائدة في هذا المجال. كما أنه يمكن بكل سهولة الوصول لهذه المعلومات من خلال أحد العملاء، إذ أنه من غير المنطقي المخاطرة بفرقة كاملة من المستعربين، بينما يمكن لعميل واحد أو مجموعة، الحصول على "الأرشيف النووي" كما أطلق عليه التحقيق.

لكن السلطة الفلسطينية أيضا مطالبة بالتحقيق في ما جرى، فلا يمكن التعامل باستخفاف مع وصول فرقة من المستعربين لإحدى الوزارات واللقاء بأحد المسؤولين تحت غطاء "وسيلة إعلام أجنبية". كما أنها مطالبة بالتعامل بطرق أكثر بيروقراطية مع وسائل الإعلام الأجنبية والإسرائيلية والانفتاح أكثر على الإعلام الفلسطيني، فالمعادلة الحالية معكوسة.