الأحد  16 أيار 2021
LOGO

أطفال فلسطين في ظل الاحتلال... كيف تُسرق طفولتهم ويعاني ذووه

2021-03-31 08:24:07 AM
أطفال فلسطين في ظل الاحتلال... كيف تُسرق طفولتهم ويعاني ذووه

الحدث - سوار عبد ربه

انتشر قبل أيام قليلة خبر اعتقال 5 أطفال مقدسيين لا تزيد أعمارهم عن الـ15 عاما، من بينهم الطفل عبد الله أمجد عبيد (13 عاماً) من سكان العيساوية بالقدس المحتلة الذي سلم نفسه لشرطة الاحتلال الإسرائيلي للسجن، بعد قضائه 3 أشهر في الحبس المنزلي.

وقالت والدة الفتى عبد الله: "من الصعب علينا تسليم أولادنا للسجون، لكن هذه ضريبة الصمود، لم تمر أيام الحبس المنزلي الأسابيع الماضية بسهولة على عبد الله وعلينا كعائلة، مما اضطره لاختيار الحبس الفعلي رغم قساوته وبعده، وخاصة ونحن على أعتاب شهر رمضان". مشيرة إلى أن الاحتلال حكم على الطفل عبيد بالسجن الفعلي لمدة شهرين.

واعتقلت سلطات الاحتلال منذ عام 1967 عشرات الآلاف من الأطفال الفلسطينيين الذين يتلقون بقسوة، التعذيب والمحاكمات غير العادلة بحقهم، إلى جانب انتهاك حقهم الطبيعي بالعيش الطبيعي.

لم يكن الطفل الفلسطيني بمعزل عن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بل وكان من أكثر الفئات تهميشا رغم وجود العديد من الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق التي تحفظ حقوقه.

وقال مركز أسرى فلسطين للدراسات إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي واصلت خلال العام الماضي استهداف الأطفال بالاعتقال والاستدعاء، وفرض الأحكام والغرامات المالية الباهظة، حيث تم رصد (550) حالة اعتقال لأطفال بينهم (52) طفلا لم تتجاوز أعمارهم الرابعة عشر.

تجارب اعتقال انتهت لكنها لم تمض

يروي الطفل(ح.ر) من مخيم شعفاط الذي اعتقلته قوات الاحتلال في سن الخامسة عشر لحظة اعتقاله ويقول: "اقتحموا منزلنا في تمام الساعة الخامسة فجرا، واقتادوني إلى الحاكورة، ثم إلى مركز تحقيق المسكوبية، وقاموا بتفتيشي وتقييد يديّ، وكانت أسئلتهم تتمحور حول ضرب الحجارة على جنود الاحتلال، كان صوتهم عالِ، صرخوا في وجهي كثيرا، ونلت نصيبي من الشتائم وأبشع عبارات الذل والإهانة".

أما الطفل (م.ح) وهو من مخيم شعفاط أيضا يقول في تجربة اعتقاله: "لم أقاومهم في بادئ الأمر، لكن سرعان ما أغمى على والدتي، وانهالوا عليّ بالضرب أمامها باستخدام البارودة والكهرباء، وقاموا بتكسير المنزل، وعاثوا فيه خرابا، حينها حاولت الدفاع عن نفسي واللحاق بوالدتي، لكنهم وضعوا العصبة على عينيّ، وربطوا يديّ، واقتادوني إلى السجن".

ويتابع (م.ح): "تركوني مرميا حوالي 10 ساعات وأنا مكبل اليدين، وقاموا بتفتيشي وضربي وشتمي بأبشع العبارات والكلمات النابية".

تبعات اعتقال الأطفال على العائلة

ليس الطفل المعتقل وحده بطل قصته مع السجان، فلأهله نصيب من المعاناة أيضا، إذ تُفرض على الأهالي غرامات مالية باهظة، في محاولة لاستغلال هذه الفرص في عمليات نصب واحتيال على ذوي الأسرى، ب"القانون" بهدف إخضاعهم واستفزازهم، ناهيك عن التبعات النفسية والاجتماعية التي تنتج عن عملية الاعتقال عند ذويهم.

تقول والدة الطفل (م.ح): "أصبت بانهيار عصبي، ولم أنم لأيام طويلة، ومررت بفترة نفسية مدمرة، ثم توجهت إلى طبيب نفسي ووصف لي أدوية مهدئة، ومنومات، ولازمت غرفته طيلة فترة غيابه".

وتضيف: "اعتزلت الحياة الخارجية، ولم أرغب بالتواصل إلا مع أصدقاء ابني، وداومت على قراءة القرآن والصلاة والدعاء على أمل أن تفرج كربتي ويخرج ابني، وتعمدت ألا أقوم بطبخ المأكولات التي يحبها".

أما من الناحية المادية تقول الأم: "تكبدنا أعباء مالية إضافية، إلى جانب مصاريف البيت، وأصبح مصروف ابننا الأسير منفردا كي يتمكن الشراء من الكنتينا (مقصف صغير في السجن)، كما أن الاحتلال فرض علينا غرامة مالية قدرها 5 آلاف شيقل، عملنا على تقسيطها على أشهر بمعدل 500 شيقل  شهريا".

من جانبه يوضح والد الطفل (ح.ر) أنه كان يعمل ليل نهار كي يؤمن لابنه الأسير حاجياته من ملابس ومصروف، إذ اضطر لاستلاف بعضها من العائلة لأن وضعه المادي لا يسمح له بتأمين كافة الاحتياجات.

ويضيف: "لا أتمنى لأحد أن يعيش هذه التجربة، فلم نعرف معنى الراحة النفسية طيلة فترة اعتقاله، كما أنها تجلب الكثير من المشاكل للأسير ولأهله، وابني لا يزال يعاني أثر اعتقاله حتى اليوم نتيجة الضرب القاسي الذي تعرض له في السجن".

تفاصيل الزيارة.. أمضي وقطعة من القلب متروكة خلفي

تصف والدة الطفل (م.ح) تجربة اعتقال نجلها بالصعبة، حيث أنها كانت تستيقظ الساعة الرابعة فجرا، تقل باص الصليب الأحمر، وتنتظر حتى السابعة ليتحرك الباص، مضيفة: "تستغرق الطريق ساعتين  للوصول، لنجد بعدها مكانا خاليا من الجدران، ونقف بالبرد وتحت المطر، لا نجد ما نأكله ولا حتى الماء النظيف".

وتتابع: "عند العبور يتوجب عليها خلع الأحذية، بالرغم من الأرضية المتسخة بالطين، بفعل الشتاء، وعند الحاجز الثاني يجب أن نخلع المعطف للتفتيش، ليسمحوا لنا بعدها برؤية أطفالنا الأسرى من خلف جدار، مدة لا تتجاوز النصف ساعة، ثم يجبروننا على الخروج، وهنا أشعر وكأنني أترك قطعة من قلبي، فالزيارة كلها بكفة، واللحظة الأخيرة منها بكفة أخرى، ناهيك عن أصوات الكلاب التي تنبح لتشير لنا بلزوم الخروج، والرعب الذي نعيشه في لحظها".

يحتاج الطفل الأسير إلى عناية نفسية بعد خروجه

في سياق مختلف، تعمل بعض المؤسسات على إعادة دمج وتأهيل الأسرى المحررين خاصة الأطفال منهم في مجتمعهم، وحول هذا يوضح المشرف في جمعية الشبان المسيحية علاء أبو عياش أن  "الجمعية تعمل على إعادة دمج الأطفال المحررين في مجتمعهم من خلال دمجهم في مجموعات إرشادية والعمل على تعزيز مهارات اتصال وتواصل فعالة، وحثهم على العمل التطوعي وتطوير مهاراتهم من خلال بعض المبادرات المجتمعية".

أما من الناحية الاقتصادية يقول أبو عياش: "تعمل الجمعية على دمج الأسرى المحررين بدورات تدريب مهني لتعزيز فرص حصولهم على عمل وكذلك تعمل على توفير أدوات لهم لبدء العمل وتطوير أنفسهم والحصول على دخل مالي".

وفي الدور الوقائي: "تقوم الجمعية بالعمل على الجانب التوعوي للأهالي والأطفال وذلك من خلال لقاءات التوعية التي تتم في المدارس أو في البلديات والمؤسسات خاصة في مناطق الاحتكاك، كما تعمل على توعية الأهل بآثار ما بعد الاعتقال وإكسابهم مهارات فعالة للتعامل مع أبنائهم بعد التحرر  وذلك من خلال جلسات الإرشاد الأسري لأهالي الأطفال المعتقلين".

بدورها، تقول مشرفة الإرشاد الصحي والطبي في أطباء بلا حدود مريم قبس إن "البرامج التي تقدمها أطباء بلا حدود للطفل المعتقل والأهل هي خدمات متنوعة متمثلة في العلاج النفسي الإكلينيكي للطفل ذاته بعد خروجه من السجن، إلى جانب العلاج النفسي للأهل المتضررين من عملية مداهمة البيت واعتقال ابنهم".

اتفاقيات تحفظ حقوق الطفل والاحتلال يصادق وينتهك

هنالك الكثير من الاتفاقيات الموقعة في المحافل الدولية التي تؤكد على حقوق الإنسان وحقوق الطفل تحديداً والتي شددت على ضرورة توفير حياة كريمة وآمنة للطفل، وتوفير فرص النماء والنمو، إلا أن الطفولة الفلسطينية مهددة دائماً، حيث يوجد فرق واسع بين ما هو مضمون ومكفول وبين الانتهاكات التي يقوم بها الاحتلال، فالاحتلال جعل من اعتقال الأطفال هدفا عاجلا والخيار الأول بعد تكثيف عملية الاعتقال في السنوات الأخيرة، بالرغم من كثرة الاتفاقيات والمواثيق الدولية إلا أن الاحتلال الصهيوني لا يعترف بأي منها، وفقا للجنة الدولية للصليب الأحمر.

وذكر في المادة رقم (3) من اتفاقية حقوق الطفل رقم (260) التي تنص على: "تكفل الدول الأطراف أن تتقيد المؤسسات والإدارات والمرافق المسؤولة عن رعاية أو حماية الأطفال بالمعايير التي وضعتها السلطات المختصة".

وقام الاحتلال الصهيوني بخرق القوانين والمواثيق والاتفاقيات الدولية الخاصة بالطفل لعدم تناسبها مع سياستها الاحتلالية، فقام بسن الأوامر العسكرية لفرض السيطرة على الشعب الفلسطيني دون ضوابط أو معايير دولية، كما وأنه لجأ إلى تطبيق أحكام قانون الطوارئ البريطاني لعام 1945، وإلى قانونيّ التامير والمقاتل غير الشرعي، فقانون التامير يسمح بالاعتقال الإداري دون توجيه أي تهمة للمعتقل.

وتقوم الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال بتقديم الخدمات والاستشارات القانونية من خلال المساعدات القانونية التي يقدمها المحامون المتخصصون بالدفاع عن الأطفال، وتمثيل الأطفال أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية.

حول هذا يوضح منسق مكتب الخليل للحركة العالمية رياض عرار أن المحامين يمثلون الأطفال في المحاكم منذ لحظة الاعتقال حتى لحظة الحكم وما بعدها أيضا، حيث يقومون بإحضار لائحة الاتهام وتأسيس ملف خاص لكل طفل.

ويتابع: "تقدم الخدمة القانونية للأطفال مباشرة، في العديد من الأحيان بالإضافة إلى الاستشارات القانونية التي يقدمها المحامون لأهالي الأطفال في حال استدعي طفل للتحقيق أو لإجراء مقابلة مع ضباط الأمن، حيث يتم الاتصال بالمحامي واستشارته".

 ويردف: "يرافق المحامي الطفل حتى أثناء عمل المقابلة مع الضباط الإسرائيليين ويوضح له حقوقه ومسؤولياته تجاه التزام الصمت أو عدم التجاوب مع المحققين، وبالتالي هذا النوع من الاستشارات يمثل أيضا نوعا من الدعم الاجتماعي للأطفال والعائلي ويقوي من معرفتهم ويعزز ثقتهم بأنفسهم، مشيرا إلى أنهم ليسوا وحيدين في هذه المسألة وهناك العديد من الأشخاص أو الأجسام أو المؤسسات التي يمكن أن تقدم المساعدة في هذا الجانب".

وصادق الاحتلال على اتفاقية حقوق الطفل والمادة رقم (37) التي تنص على: "ألا يعرض أي طفل للتعذيب أو لغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية، ولا تفرض عقوبة الإعدام أو السجن مدى الحياة بسبب جرائم يرتكبها أشخاص تقل أعمارهم عن 18 سنة دون وجود إمكانية للإفراج عنهم".