الأحد  03 تموز 2022
LOGO

التعلّمُ: وجهةُ نظر| بقلم: سليم العابد

2022-04-18 09:11:36 AM
التعلّمُ: وجهةُ نظر| بقلم: سليم العابد
سليم العابد

مجالات التعلّم متشابكة ومتداخلة ومتنوعة وهي في حاجة ماسّة إلى إعادة نظر مستمرّة وتنقسم هذه المجالات إلى قسمين:

- مجالات مباشرة: تتعلق بعملية التعلم داخل المدرسة، ابتداء من رسالة المدرسة وانتهاء بكل نشاط يقوم به الطالب في الصف أو خارجه.

- مجالات غير مباشرة: وتتعلق بعمليّة التعلم في علاقتها بوليّ الأمر ومجتمع المدرسة.

وما سنركز عليه في هذا المقال هي المجالات المباشرة والتي تتمحور حول الطالب:

 

١- رسالة المدرسة:

إنّ رسالة المدرسة هي المخرج الأوّل لجميع المواد المدروسة. وهي تكفل تكوين الطالب بدنيا، ونفسيا، وذوقيّا، وأخلاقيا، واجتماعيا، وحضاريا، وترسخ فيه مهارات التفكير الإبداعي والنقدي. لذلك يجب أن تكون رسالة المدرسة واقعية وعملية وقابلة للقياس، مع دعم الهيئة التدريسية ومجتمع المدرسة لتحقيقها، وتجنب الغموض وضيق الرؤية واستحالة التحقق. 

 

٢- المخرجات:

يجب أن تتوافق المخرجات مع مختلف مستويات الطلاب، وتحقق رسالة المدرسة، وترتبط بحياة الطالب وبمشكلاته اليومية، أي أن تكون واقعية وعمليّة ودقيقة. ولكل مهارة من مهارات اللغة مخرجات خاصة بها، تكون متدرجة عن مخرجات الصفوف السابقة، ومترابطة منطقيا مع مخرجات الصفوف اللاحقة. هذه المخرجات تقع مراجعتها دائما لتترسخ في ذهن الطالب. ولا يجب الفصل بين المخرجات النحوية وبقية مخرجات مهارات اللغة. بل يجب أن تكون متكاملة ويمارسها الطالب عمليا في أثناء إنتاج النص أو تحليله. ومن الضروري أن تبتعد هذه المخرجات عن التعقيد والتفاصيل المملة.

 

٣- المهارات اللغوية: القراءة والكتابة والاستماع والتحدّث

 

على المدرس أن يحرص على الموازنة بين المهارات اللغوية في حصته وأن تكون عملية التقييم مستمرة ومعتدلة لا أن يقع التركيز على الكتابة دون التحدث أو الاستماع. فقد أثبتت التجربة أن الطالب يقيّم أكثر من ٨٠٪ في الكتابة على خلاف بقية مهارات المادة. ولذلك لا بد من التأكد أنّ الطالب يراوح في مهارة القراءة بين القراءة الجهرية والقراءة غير الجهرية السليمة وأن تكون القراءة معبرة تعكس فهمه للنص المقروء في مدة زمنية محددة. أما في مهارة الكتابة فعليه في المرحلة الثانوية مثلا أن يحسن التعبير عن أفكاره وأن ينتج نصّا لغته سليمة ومسترسلة، تعكس فهما عميقا لمختلف الأجناس الأدبية أو غير الأدبية، واطلاعا وافيا على مقومات كل جنس أدبي، بالإضافة إلى سعة اطلاع على المناهج الأدبية ومدارسها ليعمّق قدرته على تحليل النصوص شكلا ومضمونا. وفي مهارة الاستماع، على الطالب أن يستمع إلى المحفز الصوتي المسجّل بمؤثرات صوتية واقعية، ويفهم موضوعه، ورأي المتحدث فيه، ويستطيع أن يعبّر عن رأيه فيما استمع إليه. وبالنسبة إلى مهارة التحدّث، فعلى المتعلّم أن يتحدث في موضوع محدّد في فترة زمنية محدّدة ليعبّر عن رأيه، أو رأي الكاتب، أو ليحلّل نصّا ويفسّره بالاستدلال على آرائه بأدلّة واضحة ومتنوعة وبلغة سليمة.

 

 ٤- المنهج: 

مناهج التدريس من أكبر المعضلات في العالم العربي ورغم ما شهدته في السنوات الأخيرة من تطوّر في عدة بلدان عربية فهي تحتاج إلى إعادة نظر مستمرة لتواكب الفتوحات العلمية في مجالات التدريس والتربية.

تنقسم المناهج العربية إلى مناهج رسمية تتكفل بها إدارة المناهج في وزارة التربية، ومناهج دولية خاصة تتكفل بها مؤسسات عالمية، أو مناهج تجارية تنهض على إعدادها مؤسسات خاصة وتقوم بتسويقها إلى المدارس الخاصة كمناهج رديفة لمناهج وزارات التربية.

والأسئلة المطروحة هنا للتأمل وإعادة النظر:

- هل تقوم هذه المناهج على اختلافها على مقاربة (الوحدات والمواضيع، أو الأجناس الأدبية، أو المقاربة التاريخية، أو مقاربة التدريس بالقصة، أو مقاربة حلّ المشكلات، أو مقاربة الاستيعاب المبني على المفاهيم ...) واضحة وعملية وواقعية بالنسبة إلى الطالب؟

- هل توفر هذه المناهج الفرصة للطالب للتعرف إلى أدبه المحلي والعربي والعالمي؟

- ما النصوص الأدبية وغير الأدبية التي تضمها هذه المناهج؟ وكيف يتم انتقاؤها؟

- هل هذه المناهج تقوم على الفصل بين المواد أم الدّمج لتتداخل المواد في منهج اللغة ولتتكون لدى الطالب القدرة على الاستيعاب الموسوعي الشامل؟

- هل مناهجنا العربية منسجمة مع ثقافتنا وتاريخنا وحضارتنا وبيئتنا وتراعي جغرافيا أوطاننا؟

- هل مخرجات مناهجنا فعلا توازن بين الجانب النفسي، والبدني، والاجتماعي، والحضاري، وتعزز في طلابنا القدرة على التفكير النقدي والإبداعي وحلّ المشكلات؟

- بعد كم سنة نحتاج إلى إعادة النظر في مناهجنا وتطويرها لبناء رؤية مستقبلية واضحة لطلابنا؟

هي أسئلة للتدبّر.

٥- المعايير:

يجب أن نتأمل دائما في معايير المادة، وأن تكون هذه المعايير واضحة في ذهن المدرّس، ومحدّدة ودقيقة في كلّ مهارة من مهارات المادة، وتتناسب ومخرجات المادة في سنة محدّدة. وهي كذلك قابلة للقياس باستمرار من خلال شبكة توصيف دقيقة تبدأ من علامة دنيا وتنتهي بالعلامة القصوى. 

يجب أن تكون لكل مهارة لغوية معايير دقيقة وصارمة. ولكل معيار توصيف يقيس مستوى الطالب. هذه المعايير يجب أن تُشرحَ للطلاب وتكون مكتوبة بدقة في دليل اللغة المعتمد في المدرسة. ويوازيها توصيف خاص بالمهارات المطلوبة لكل اختبار.

يجنح بعض المدرسين إلى تقييم الطالب تقييما هوويا دون معايير ودون تمييز بين المهارات وهذا ما يجب أن نتوقف عنه. فالتقييم يختلف جذريا عن انطباع المدرس الذاتي. 

 

٦- الاختبارات:

 يجب أن تكون الاختبارات مستمرة وصارمة المقاييس، وتقيس عمليا وبدقة مستوى الطالب، كما تعكس مخرجات التعلم وطرق التدريس والتقييم.

هذه الاختبارات تنقسم إلى عدة أنواع ومنها، اختبارات تشخيصية، واختبارات تحديد المستوى، واختبارات تدريبية وتكوينية، ومن ضمنها الواجبات والمهام التي يكلف بها الطالب، والاختبارات التحصيلية الجزائية. كما يجب أن تتوفر مع كل اختبار شبكة تقييم واضحة لقياس مستوى تحصيل الطلاب. 

لا قيمة للاختبار إن لم يقس قدرات الطلاب في مهارات محددة تراعي مستوى جميع الممتحنين، ولكن تسبق الاختبار فترة إعداد الطالب في أثناء حذقه للمهارة، فتصقل قدراته حتى يتمكن من المهارة التي سيقيّم فيها، ولا يجوز تقييمه في مهارة غير واضحة في ذهنه، أو في ذهن المدرّس نفسه. فمنذ بداية المحور يحدّد المدرّس نوع التقييم والمهارات التي سيقيم فيها الطلاب في تلك الوحدة. وبعد "الصقالة" يجب أن يوفّر المدرس للطالب نماذج مكتوبة أو شفوية حسب التقييم ليكوِّن صورة كاملة عن الاختبار. وبعد التقييم يجب أن تتم معايرة الاختبار بين المدرسين لتتوضح بالنسبة إليهم طريقة الإصلاح وشبكة التقييم.

قد يغفل البعض عن قيمة إصلاح الاختبار وتقديم إفادة مفصّلة للطالب مكتوبة كانت أو شفوية عن مواطن القوة والضعف في اختباره. إن الاختبار فرصة من فرص التعلّم وقياس مستوى المتعلّمِ وتقديم تغذية راجعة عن مردوده مترجمة بعلامة واضحة وإفادة بنّاءة وتحدّ جديد وبدون هذه الإفادة تفوّت على الطالب والمدرّس فرصة مهمة لتطوير التعلّم. بالإضافة إلى ذلك علينا أن نتأمل في دفتر علامات الطالب والتعاليق التي يكتبها المدرسون والتي غالبا ما تكون قصّ ولصق في لغة ركيكة وأسلوب سقيم. هذه التعاليق مهمة لوليّ الأمر، وهي مرآة عن تقييم المدرّس. كما ينبغي أن تكون الإفادة خاصة بالطالب وتساعده في توصيف قدراته ومكتسباته والتحديات التي يجب أن يتجاوزها، ولكن للأسف، فإن الطالب وولي أمره غالبا ما يهتمان بالعلامة دون متابعة للتغذية الراجعة وهي الأهم في عمليّة التعلّم.

 

٧- المصادر: 

وهي كل ما يستخدمه المدرس من وسائل لتوضيح المهارة للطلاب وترسيخها في أذهانهم. تتنوع هذه الوسائل إلى وسائل سمعية وبصرية رقمية أو وسائل ورقية. ولكن يجب التنبّه إلى طول المدة الزمنية التي يتعرض إليها الطالب للفيديوهات والمؤثرات الصوتية والبصرية الرقمية والتي قد تكون لها انعكاسات سلبية على صحّته. على المدرس أن يتخير وسائله بدقة متناهية، ولا يسقط في إشغال الطالب بالفرجة. لا يجب أن يتحول الطالب إلى مشاهد سلبي للأغاني والأفلام القصيرة والقصص المصورة على منصات رقمية. كما أن العديد من هذه الوسائل لا تصلح للعرض من الناحية التربوية أو اللغوية ولذلك على المدرس أن يدقق في كل ما سيعرضه في الصف قبل الحصة. ومن الضروري أيضا حماية الطلاب في أثناء العرض من الدعايات واستخدام تطبيقات معلومة لذلك. لقد صاحبت الثورة الرقمية العديد من المواقع لتدريس مهارات اللغة وعلى المدرّس أن يطّلع على كل ما استحدث في العوالم الرقمية، واختيار المناسب لطلابه.

 

٨- المكان والزمان: 

لم يعد التعلّم مقتصرا على الصفّ فقط. بل إنّ جميع مرافق المدرسة أماكن للتعلّم ويجب استغلالها، والتأمل في أفضل الطرق للاستفادة منها، وإدراج ذلك في خطة المدرس. إنّ الأماكن في المدرسة عديدة ومنها، المسرح، والمكتبة، والساحة، والأروقة، والملاعب، ومكتب المرشدة، ومكان التمريض، وأيضا أماكن الرحلات المدرسية بأنواعها، بالإضافة إلى أماكن الدورات الرياضية، وفيها يحظى الطالب بفرص للتعلّم.  

وفي أثناء الجائحة، أعادت أغلب المدارس حول العالم النظر في مفهوميْ المكان والزمان، وطرحت العديد من الأفكار المميزة حول هذين المفهومين الهامّين. 

مفهوم المكان انتقل من المفهوم التقليدي أي الدراسة في المدرسة إلى الدراسة عن بعد أو التدريس الهجين. وقد تحرّر التعلّم من قيد التعليم الحضوري.  كما لاحظنا طلابا في غرفهم وآخرين في قاعات الاستقبال وبعضهم يتابع الدرس ويشارك فيه وهو في سيارة. بالإضافة إلى إجراء جميع الاجتماعات المدرسية مع أولياء الأمور بأنواعها عن بعد دون الحاجة إلى الحضور إلى المدرسة وكان الأمر سلسا ومنظما.

مفهوم الزمان: شهد مفهوم الزمان تطورا في الفترة الأخيرة في المجال التربوي فما عاد زمن التعلّم ينتهي بانتهاء المهمة، أو الاختبار، أو السنة الدراسية، أو المرحلة الدراسية، وإنما صار التأكيد أن زمن التعلّم زمن متواصل مدى الحياة. فهل مدارسنا تعدّ طلابنا ليكونوا متعلّمين وباحثين عن المعلومة مدى الحياة؟   

كما أعيد النظر في أثناء أزمة كوفيد ١٩ في توقيت الدوام المدرسي وأغلب الحصص صارت مدتها الزمنية أقصر، وقد تمّ الاعتماد في التدريس عن بعد على التقنية الحديثة ومحفزاتها الصوتية والمرئية التي كانت أمتع للطلاب وأكثر تنوعا في الأنشطة.

يجب أن نتأمل جيدا في مفهوم الزمان والمكان المدرسيّيْن وأثرهما في التعلم. وكيف نستغل تجربة التدريس في أثناء الجائحة لتطوير فهمنا للتعلّم والتعليم.

ولابد أن نحوّل البيئة الصفية بتنوّع أماكنها إلى بيئة للتفكير ولورشة عمل دائمة الانعقاد للتفكير الإبداعي والنقدي. وعلى المدرس أن يكون مستعدا لأي سيناريو قد يحصل مستقبلا في عملية التدريس فلا ضمان لما يمكن أن يقع مستقبلا، والتعليم عن بعد في أثناء الجائحة كان تدريبا جيدا للجميع.

 

٩- مهارات التعلّم: 

بمثل ما نهتم بمهارات اللغة، يجب أن نتأمل في تطور مهارات التعلم لدى الطالب، والتي يحدّدها نظام البكالوريا الدولية مثلا في خمس مهارات، وهي مهارة التواصل، ومهارة إدارة الذات، ومهارة البحث، والمهارات الاجتماعية، ومهارة التفكير النقدي. ويفصّل هذا النظام التربويّ لكل مهارة توصيفا مفصّلا لمكتسبات الطالب حسب المرحلة الدراسية. فهل نقيس في مدارسنا مهارات البحث لدى طلابنا حسب تقدمهم المعرفي؟ كيف يتقن الطالب التعامل مع المعلومات التي يتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ كيف نجعل تفكير الطالب مرئيا؟ وما الاستراتيجيات التي تطور هذا التفكير؟ هل يحسن الطالب التواصل بلغته الأم بطريقة سليمة؟ هل يوازن الطالب في تعلّمه بين اللغة العربية واللغات الحية الثانية؟ ماذا نقدم للطالب لمساعدته على تنظيم وقته وإنجاز واجباته والاستعداد للاختبارات والمحافظة على صحته؟

 

 

١٠- مهارات التعليم:

إنّ الفصل بين المواد قد يجعل طلابنا "رفوفيي"(نسبة إلى الرّفّ) التفكير. فيعجز الطالب أن ينقل معلومة حذقها في مادة إلى مادة أخرى. ولذلك يجب أن يبنى التعلّم على تجاوز المواد بأن تكون هناك وحدات مشتركة بين أكثر من مادة واحدة. فعلى سبيل المثال، إنْ درس الطالب الأدب بعد الحرب العالمية الثانية، فعليه أن يدرس الرسم في تلك الفترة، وكذلك الموسيقى، والتاريخ، وذلك لتعميق فهمه وبناء عقلية متحررة ومبدعة قادرة على استغلال المعلومات والمهارات من مجال إلى آخر ومن مادة إلى أخرى.

كما يجب أن تتحرّر عقلية الطالب من الدائرة المحليّة الضيّقة إلى رحاب العقليّة العالميّة التي تؤمن بالاختلاف والتعايش والقبول بالآخر والتركيز علـى قيم كونيّة إنسانية. دون أن تنزلق هذه العقلية إلى إنكار خصوصيّة كل مجتمع وثقافته ودينه وتاريخه ورؤيته الحضارية. 

في خاتمة هذا المقال، أودّ أن أشير إلى أنّ مجالات التأمل التربوي التي أثرتها بحاجة إلى مزيد من البحث والاستقصاء لأنها أساسية لتطوير فرص التعلّم لدى الطلاب. ولكن هناك العديد من المجالات الأخرى التي لا بد من التوقف عندها وإعادة النظر فيها، ومنها الاجتماعات المدرسية وتوقيتها، وكذلك قاعدة البيانات المتوفرة في المدرسة عن كل قسم ومادة، وتطوير دليل المراحل والمواد، والتنبه لثقافة المدرسة، وطبيعة التواصل بين الهيئة التدريسية والطلاب وأولياء الأمور، والبيئة الصفيّة، كل هذه المجالات وغيرها تحتاج إلى إعادة نظر مستمرة لتطوير مدارسنا.