الخميس  07 تموز 2022
LOGO

حراك المعلمين الموحد.. التلغرام بديلا عن النخبة

2022-05-15 08:13:19 AM
حراك المعلمين الموحد.. التلغرام بديلا عن النخبة
تعبيرية

لماذا تحرك المعلمون؟ عودة في التاريخ القريب

لا ألوان حزبية.. لن يجرنا أحد لمربعه

ممثلو الحراك.. المطالب لا الأشخاص

وسائل التواصل الاجتماعي والحراك

خاص الحدث

في خضم الكم الهائل من الأحداث السياسية التي سيطرت على المشهد الفلسطيني، من جنين ونشاطات الاحتلال العسكرية هناك وما رافقها من عمليات اغتيال واعتقال واقتحام، إلى أحداث المسجد الأقصى التي خطفت الأضواء إعلاميا وجماهيريا، كان عشرات المعلمين يناقشون خطواتهم القادمة للضغط على الحكومة الفلسطينية من أجل أن تفي بالتزاماتها تجاههم. كان يفترض أن يبقى هذا النقاش حصرا من صلاحيات الاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين، لكن فشل الأخير في الوصول لصيغ تفاهمات ملزمة مع الحكومة، عبر أكثر من تجربة احتجاجية، دفع المعلمون للبحث عن حقوقهم من خلال أنفسهم، على أن تكون هي ممثلهم الوحيد، كما يقول أحد قادة الحراك في مقابلة مع "صحيفة الحدث"، مفضلا عدم الكشف عن اسمه لاعتبارات تتعلق بخصوصية الحراك وطبيعته وأهدافه.

يرفض هذا القيادي في الحراك، توصيفه بأنه مسؤول أو قائد في الحراك، يقول إنه من أوائل الذين فتحوا نقاشا حول الموضوع، وهذا هو التوصيف الحقيقي له، وقد انتهى دوره كمسؤول بعدما أصبح كل معلم قادر على التعبير عن موقفه ورؤيته من خلال مجموعة على تطبيق التلغرام، وصل عدد المعلمين المنتسبين لها حتى كتابة هذا التقرير عشرة آلاف معلم. يدير المجموعة ثمانية مشرفين، يقتصر دورهم على قبول الطلبات الجديدة للانضمام، فيما يُدار النقاش بشكل جماعي. يتم تحديد المطالب والتصويت على كل مطلب، واقتراح الخطوات والتصويت على كل خطوة، بهذه الطريقة تمكن الحراك من الحصول على شرعية ودعم غالبية المعلمين.

عودة في التاريخ القريب

في 26 مارس الماضي، أعلن الاتحاد العام للمعلمين، بعد عدة خطوات احتجاجية كان قد اتخذها على مدار الأشهر الماضية وانتهت بوعود حكومية دون تنفيذ، أن العديد من المسؤولين في الحكومة ووزارة المالية تواصلوا معه، وأكدوا على صرف معدل راتب كامل خلال الأشهر القادمة، وأنه سيتم جدولة الاستحقاقات المالية للمعلمين من مراقبة توظيف ومناهج وغيرها على دفعات شهرية، بالإضافة إلى إنهاء الملفات العالقة بخصوص المحافظات الشمالية والجنوبية من احتساب العقود 2016 وصرف درجاتهم ومستحقاتهم وملف العقود 2019. هذه جملة من المطالب التي أعلن الاتحاد عن تحقيقها، لكن بعد أيام اكتشف المعلمون أن نسبة الصرف ليست كما ورد في البيان، ما وضع شكا كبيرا على كل ما اتفق أو أعلن عنه.

وبعد أقل من أسبوع على إعلان الاتحاد العام للمعلمين عن اتفاقه مع الحكومة وبعض مسؤوليها، وفي ضوء الإخلال في نسبة الصرف كما هو معلن من طرفه، أصدر الاتحاد بيانا حدد فيه مطالبه التي تلخصت في: رفع طبيعة العمل من 50% إلى 80%، وتحويل العلاوات الإشرافية إلى طبيعة عمل (رئيس شعبة، رئيس قسم، نائب مدير)، وصرف علاوة غلاء المعيشة المتبقية منذ عام 2013، وحل جميع الملفات العالقة (ملفات 2019، عقود 2016، مستحقات النشاط الحر، مستحقات المناهج، مستحقات الثانوية العامة، ملفات غزة بالكامل، تنفيذ قرار مجلس الوزراء بخصوص علاوة المخاطرة للقدس، والتأكيد على أن الراتب حق طبيعي للمعلمين وارتهانه بالأزمات المالية هو جريمة. وقد أعلن حينها عن عدة خطوات شملت: تعليق الدوام في جميع المدارس بعد الحصة الثالثة لأيام عدة، وتعليق الدوام بعد الحصة الثانية لأيام أخرى، وتعليق الدوام في الوزارة والمديريات لأيام معينة.

بدون أي تعهد أو تقدم يذكر في تحقيق مطالب المعلمين، أعلن الاتحاد في 14 أبريل عن تعليق الفعاليات الاحتجاجية لإعطاء الفرصة للجنة المشكلة من وزارة التربية والتعليم ومكتب رئيس الوزراء واتحاد المعلمين لتعديل طبيعة العمل لتتواءم مع القطاعات الأخرى، مطالبا الحكومة الفلسطينية بالعمل على تنفيذ توصيات اللجنة وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه. هذا الإعلان المفاجئ من قبل الاتحاد لاقى غضبا واسعا من قبل المعلمين الذين اتهموه بالتواطؤ مع الحكومة والانصياع لها بدون الالتفات لمطالب المعلمين.

 

لا ألوان حزبية.. لن يجرنا أحد لمربعه

أحد الأسباب التي دفعت الحراك إلى عدم الإعلان عن ممثلين أو انتخاب ممثلين، هو الخشية من أن تلعب الاعتبارات الحزبية دورا في هذه الاختيارات، وبالتالي تلقي بثقلها على الحراك وخطواته، وهو ما قد يفقده بعض حقيقته وطبيعته المطلبية، ويجعله عرضة للتجاذبات التي تشهدها وشهدتها الساحة الفلسطينية، فكان العنوان الأبرز والممثل للكل هو المطالب، لا شيء آخر، يقول أحد المشرفين على مجموعة التلغرام الخاصة بالحراك لـ"صحيفة الحدث". ويضيف موضحا أن الحراكات السابقة كانت تتهم بالعمل ضمن أجندة سياسية حزبية، وهذه تهمة دائما جاهزة لشيطنة أي حراك مطلبي، لذلك قررنا تجاوز هذه المسألة من منطلق إيماننا أن هدفنا هو حقوقنا وليس التصادم أو خلق تناقض مع جهة سياسية، فنحن قطاع مهني له خصوصيته المهنية والحقوقية، ولا نريد أن نكون تحت تأثير تيارات سياسية.

ويتابع أحد المشرفين على مجموعة الحراك في التلغرام قائلا إن الحكومة تجاهلت حقوقهم كثيرا مستفيدة من ضعف الاتحاد ومن الدعاية التي تروج لها بأنها تعاني من أزمة مالية، بينما في الحقيقة الاقتطاعات التي تقوم بها من الرواتب، تذهب للقطاع الخاص الذي له التزامات على الحكومة، وليس من المعقول أن تحل الحكومة أزمتها المالية مع قطاع على حساب قطاع آخر، وأن يتحمل المعلمون عبء الأزمة المالية، في ظل أن الحكومة ووزارة المالية غير قادرتين على الخروج بحل منطقي وخلاق لهذه الأزمة رغم كل التوصيات التي تقدمها مؤسسات رقابية ومؤسسات النزاهة.

وبيّن أنه كانت هناك دعوات للخروج إلى الشارع والاعتصام أمام المديريات والوزارة، ورفض الحراك ذلك لأنه يرفض تعطيل روتين حياة المواطنين في الشوارع خاصة في ظل شهر رمضان والحركة غير العادية من وإلى الأسواق ومراكز التسوق، بالإضافة إلى عدم السعي للاحتكاك بالشرطة وباقي الأجهزة الأمنية الفلسطينية على مبدأ أن كل موقف أو صورة قد تخرج لمثل هذا الاحتكاك قد تسيء لجهة فلسطينية ما، وأيضا في الاعتصامات والوقفات عادة ما تحاول النخب السياسية والقيادات الحزبية أن تتواجد وتدلي بكلمات، وهذا ما لا يريده المعلمون أو قد يتصدر المشهد شخص أو مجموعة أشخاص من المعلمين أنفسهم وهذا أيضا مرفوض.

ويشدد على أن الطريقة الوحيدة لوقف فعاليات الحراك هي الاستجابة لمطالبه وما دون ذلك لن يكون هناك أي توقف، ولا حاجة للمفاوضات مع الحكومة أو وزارتي التربية والتعليم والمالية، لأنه أصبح من الواضح أن الاستراتيجية المعتمدة في مواجهة الحراك هي التصعيد ومعاقبة المعلمين، ومن المؤسف أن يوقع مدراء ومسؤولون على كتب تعاقب معلمين قد يكون بعضهم درسوهم خلال رحلتهم الدراسية، فقضية المعلمين لا تخصهم لوحدهم، بل تتعلق بقطاع ضروري لبناء المعرفة والثقافة وقدرات الشعب وإمكانيات الدولة، فلا يجوز التعامل معه بهذه الطريقة الانتقامية المحزنة.

ويشير في حديثه إلى أن الاستجابة الواسعة للحراك من قبل المعلمين مصدرها الثقة والحاجة، فالمطالب تعبر عن المعلم مهما كان توجهه ولونه السياسي واهتماماته، ورغم كل البروباغاندا التي تتهم المعلمين بأنهم سبب في ضياع الطلبة ومسيرتهم التعليمية في هذه المرحلة، إلا أن كل فلسطيني وولي أمر يعلم أن المعلمين أيضا هم أولياء أمور ولهم طلاب أبناء في المدارس، ومن يتحمل المسؤولية ليس من يطالب بحقه بل الذي يتنكر له، لذلك فإن المطلوب هو إسناد المعلم من أجل تقصير أمد الاحتجاج وليس الوقوف ضده وهو ما قد يدفع الحكومة للمراهنة على كسر الحراك وبالتالي إطالة أمد الأزمة.

 

ويشدد المشرف على مجموعة الحراك، على أن شعور المعلم بقدرته على تحديد خياراته من خلال التصويت الحر الذي لا يخضع لأي اعتبارات زاد من انتماء المعلمين للحراك، إذ أن كل معلم قادر على إبداء رأيه وحتى طرح مقترح للتصويت، وسيكون راضيا عن النتيجة مهما كانت، سواء لصالح مقترحه أو العكس، وهذا جعل كل معلم ماكينة عمل مهمة في الحراك وخلق لديه وازعا داخليا وصفة قيادية للاستمرار والمتابعة، لأن القرار يخرج من تحت إلى فوق وليس العكس كما في حالة الاتحاد.

أما عن مطالب الحراك، فيمكن الإشارة إلى أهمها والتي تتلخص في: رفع طبيعة العمل إلى 100% لكل العاملين في سلك التربية والتعليم، وصرف غلاء المعيشة المتراكم منذ 2013 بأثر رجعي، والعمل على تحسين قانون التقاعد، واحتساب سنوات العقود والعلاوات والدرجات. وهذا حد أدنى من المطالب لا يمكن للعملية التعليمية الانتظام بدونه يؤكد عدد من المشرفين على مجموعة الحراك في حديثهم لـ "صحيفة الحدث".

 

وسائل التواصل الاجتماعي والحراك

أحد الاستخلاصات الأولية من حراك المعلمين هو قدرة وسائل التواصل الاجتماعي على التأثير على أرض الواقع من خلال بناء مجموعات وتأطيرها وتحديد أهداف معلنة لها كما في حالة مجموعة الحراك على التلغرام، التي أنشئت لهدف معين في ظرف معين، قبل أن تتحول إلى أحد أهم أدوات الحراك ومصدر مهما في استمراريته. تخلق مثل هذه المجموعات حالة من التنافس في إبداء الآراء والمقترحات وهو ما يجعلها مساحة هامة بالنسبة للفرد يمارس فيها دورا رئيسيا في مجاله، وهذا التنافس هو الوجه الآخر للتعاون.

يقول أحد المشرفين على مجموعة التلغرام التابعة لحراك المعلمين إنهم مؤمنون بأن أي قضية رأي عام تحتاج لأدوات، والإعلام هو أداة القضايا العامة، لكن هناك خشية دائمة من الإعلام خاصة وأنه في بلداننا العربية لديه اعتبارات سياسية، فقد يتيح للحراك فرصة التعبير عن مطالبه وخطواته لكنه قد يمنح مساحة أكبر للدعاية المضادة وبالتالي منح مساحة ضعيفة وهشة للحراك، وعلى الرغم من أن الحراكات الاحتجاجية تحتاج إلى وسائل الإعلام لنشر رسالتها، وتوسيع دائرة المؤيدين لها، واكتساب الشرعية العامة والتأثير على صناع القرار؛ ولكن من ناحية أخرى، فإن التغطية الإخبارية قد تضر بهم وتسمهم بأوصاف تطلقها الحكومة أو بعض مسؤوليها أحيانا بسبب الاعتبارات المهنية المتعلقة بروتين العمل الصحفي، أو بسبب الاعتبارات الاقتصادية والسياسية.

ويشير إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي لها خصوصية عالية في خلق موازين قوة لصالح الحراكات على حساب قوة الحكومة التي تتحكم بصحف ومواقع وصفحات وإذاعات، لأنها تتيح إرسال الرسائل والتعبير عن المطالب بدون تحكم مركزي وتسلسل هرمي، وبالتالي اختراق القنوات التقليدية وتمثيل الذات بدون حد زمني أو مكان، ونقل الرسائل بشكل مباشر وبدون تحريفات أو تحيزات، ونشرها، ولذلك كانت مجموعات الحراك هي البديل عن الصمت في وسائل الإعلام الرسمية وغيرها التي قد تضع الحراك في سلة المهملات أو تتعامل معه ضمن قائمة طويلة من الأجندات.