الأربعاء  07 كانون الأول 2022
LOGO

عندما تكون غريبًا في وطنك| بقلم: سام بحور

2022-09-20 08:12:25 AM
عندما تكون غريبًا في وطنك| بقلم: سام بحور

إن كتاب: "غريب في وطني: فلسطين وإسرائيل وقصة إحدى العائلات عن الوطن"، بقلم فدى جريس، يقدم منظوراً نادرًا، لا يسهل الوصول إليه. وُلدت المؤلفة لأبوين فلسطينيين في قرية "فسوطة"، وهي قرية مسيحية في الجليل الأعلى، تقع على الجانب الإسرائيلي من الحدود اللبنانية. وقد عاشت جريس في طفولتها رُعب ومآسي حرب لبنان عام 1982، ومن ثم انتقلت مع عائلتها إلى قبرص. وقد كانت فدى جريس واحدة من الفلسطينيين القلائل الذين حاولوا ممارسة حقهم بالعودة، لتجد أنها غريبةً في وطنها، ثم استكملت دراستها في اسكتلندا، وعاشت في كندا، وفي نهاية المطاف عادت إلى فلسطين: إلى رام الله في الضفة الغربية المحتلة.

يروي لنا كتابها رحلتها، حيث بدأت بتقديم سياق هام – يتضمن سرد تجارب عائلتها وصدماتهم في أعقاب نشأة إسرائيل بالقوة على الأراضي الفلسطينية في عام 1948، وقرار عائلة جريس بالبقاء في فلسطين بدلًا من الفرار. وتشكل قصتهم قصة للشعب الفلسطيني كله.

تتناول قصتها ذكريات عائلتها التي تتداخل مع التاريخ الفلسطيني والنضال من أجل التحرير داخل إسرائيل وفي الأرض الفلسطينية المحتلة. وتلقي قصة الأسرة الضوء على الأبعاد الإنسانية لمحنة الفلسطينيين المستمرة: نزع الملكية، والحكم العسكري، والمقاومة، والهجرة، والنضال، والخسارة، والتشتت، والعودة إلى الوطن في نهاية المطاف.

على الرغم من معرفة جميع المهتمين بالشرق الأوسط بأن عام 1948 كان عامًا محوريًا، إلا أنهم نادرًا ما واجهوا رواية حقيقية من الداخل عن كيفية تعامل الفلسطينيين الذين بقوا في إسرائيل (خلف الخط الأخضر) مع جنسيتهم الإسرائيلية الجديدة. قلة هم الذين يعرفون بشأن المحاولات غير العنيفة والمشروعة لتحدي دونية وضعهم في ظل النظام السياسي الإسرائيلي. وفي ظل محدودية النجاح الذي تحقق بشكل ضئيل، فإن اللجوء إلى العنف يبدو الخيار الوحيد الذي لم يُجرب بعد. وتصف جريس ما واجهته في سياق تجربتها الواقعية لتناول هذه القضية: "لقد كانت هويتنا طفرةً مشوهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كنا أقلية تكافح من أجل البقاء، مع محاولة التمسك بتراثنا الخاص."

كان والد المؤلفة من الشخصيات المشهورة، ويدعى "صبري جريس". وكان قد انخرط في طليعة هذا التحدي، حيث يعتبر صبري أحد أوائل النشطاء السياسيين الفلسطينيين داخل إسرائيل، وهو عضو نشط في منظمة التحرير الفلسطينية وأحد المقربين الموثوقين من ياسر عرفات. وهو محامٍ وباحث مرخص في إسرائيل ولا يزال يعيش في قريته فسوطة، التي كنت قد زرته فيها. لم يكن صبري الشخصية المؤثرة الوحيدة في العائلة، حيث كان عم المؤلفة، الذي عاد للعيش في فسوطة الآن، جزءًا من المقاومة المسلحة لمنع إنشاء إسرائيل. وتأخذ قصته القارئ إلى ديناميكيات مضطربة للنضال الفلسطيني.

كثيراً ما يتم تجاهل وضع الفلسطينيين في إسرائيل، على الرغم من أنهم يشكلون ما يقارب ال 20% من سكانها رغم أنهم أفراد مجتمع مزدهر لديه نفس الاحتياجات كأي مجتمع آخر. ومع ذلك، فإن الهياكل الاجتماعية والسياسية والقانونية الإسرائيلية تفرض نظامًا تمييزيًا يعيق المشاركة الكاملة والوصول المتكافئ للمواطنين الفلسطينيين، فرادى وجماعات، لتحقيق التقدم في المجتمع الإسرائيلي. كتبت فدى جريس عن تجربتها في العمل بجانب المهاجرين اليهود الإسرائيليين في قطاع التكنولوجيا العالي: "شعرت أنهم لم يستولو على البلد فحسب، وإنما على كل شيء آخر أيضاً".

وجهة نظر الكاتبة الفريدة بالمنظور المتعدد هي نتيجة حياتها وتجربة المعيشة في أماكن مختلفة من أماكن تشكل الوجود الفلسطيني – كمنفية في الشتات الفلسطيني، وكمواطنة فلسطينية داخل إسرائيل، وكذلك في فلسطين المحتلة. وقد ساعدها ذلك ككاتبة على أخذ قرائها إلى منطقة جديدة عليهم بطريقة ما.  يقدم الكتاب أكثر من مجرد لمحة شخصية عن هذه الحقائق المميزة، حيث أنه يستحضر بشكل عميق نكهة كل جزء من ذلك الوجود.

يلاحظ القارئ أن بعض المواقف التي تناولتها هذه الصفحات لا تُنسى؛ كبحث جريس عن شقة للإيجار مع زوجها في وقتٍ ما: "قالوا لنا علانية أنهم لا يؤجرون العرب، دون اعتذار وبلا خجل، وكأنها حقيقة بسيطة." كما تتذكر جريس أنه في أحد المباني القريبة من الشاطئ في نهاريا، "لقد صُدمنا لرؤية ملاحظة مكتوبة بخط اليد: "لا كلاب ولا عرب".  وقفنا هناك نحدق فيها، لم تكن جديدة، حيث أن الحبر كان قد تلاشى، والورق المقوى مهترئ عند الحواف، واعتقد أنه معلقًا هناك منذ مدة."

بالإضافة إلى نظرتها الموجزة لإرث العنصرية الإسرائيلية وواقعها كما هو واضح اليوم، فإن جريس كاتبة قصص مبدعة، قدمت لنا في كل فصل قصة درامية لبعض اللحظات التاريخية، كرواية عميقة نقاطها مترابطة ببعضها البعض، حيث تعرفنا جريس على الأشخاص الذين عاشوا القصة بأنفسهم، وهذه النوعية من المواجهة الحية تميز هذه الرواية عن غيرها من المجلدات الأدبية التي تحدثت عن فلسطين والفلسطينيين.

هذا الكتاب ليس لضعاف القلوب، وعندما تبدأ بقراءته، يجب أن تهيئ نفسك على أنك لن تستطيع تركه بسهولة. إلى جانب ما تسرده المقدمة عن 100 عام من التاريخ بشكل موجز، تتضمن أيضا سياقًا لا يقدر بثمن لفهم مضمون بقية الكتاب. إنه سهل القراءة - مع خريطة توضيحية لفلسطين/ إسرائيل والمنطقة المحيطة بها، وشجرة عائلة، ومسرد للمصطلحات المشتركة، وملاحظات نهائية موسعة وموثقة جيدًا لإرشاد أي شخص مستعد للغوص بشكل أعمق في أي من الروايات التاريخية ذات الصلة.

هناك العديد من الأوائل في هذا الكتاب، ستلتقي بأول فرد في العائلة يلتحق بالجامعة، وأول عربي في إسرائيل يلتحق بكلية الحقوق بالجامعة العبرية، وأول شخصية تشكّل تحديًا عامًا للطابع الديمقراطي لدولة إسرائيل المولودة حديثًا، وأحد أوائل الفلسطينيين الذين نالوا حقهم بالعودة إلى ديارهم.

هذا العمل أكثر من مجرد مذكرات أو تاريخ ، إنه كتيب عن المأساة الإنسانية التي حلت بالشعب الفلسطيني عندما قامت دولة إسرائيل. وهو يشكل دليلاً إرشادياً للرد الفلسطيني، وكيف ولماذا تطور على ذلك النحو. كما أن قراءته واجبة من جانب شرائح متعددة. بداية، جميع الفلسطينيين، وبشكل خاص أولئك الذين يعيشون في الشتات. في كثير من الأحيان، في أفضل الأحوال يتم تجاهل التاريخ، ما بين إنشاء إسرائيل في عام 1948 حتى احتلالها العسكري للجزء المتبقي من فلسطين في عام 1967، أو يتم تجاهله بشكل كامل.

تمثل المجتمعات اليهودية في إسرائيل وحول العالم جمهوراً آخراً هاماً لهذا الكتاب. لكن معظمهم سيواجهون صعوبة في قراءته، خاصةً أولئك المحاصرين في اعتقاد جماعي داخلي بأن إسرائيل كانت ولا تزال "نورًا للأمم". سيدخلون في تحدِ مع مفاهيمهم الشخصية ومع الصور النمطية المريحة للغاية عن الفلسطينيين. كما ينبغي أن يقرأ هذا الكتاب كل مسؤول أمريكي منتخب، بالإضافة إلى الدائرة الانتخابية الإنجيلية المسيحية؛ لأنه من واجبهم فهم أبعاد المأساة الإنسانية التي تنتج عن استمرارهم في دعم إسرائيل.

في الختام، تشير جريس إلى حقيقة بسيطة: "بصرف النظر عن تواجدنا على أي من جانبي جدار الفصل العنصري، فإننا ندفع يومياً ثمن عدم كوننا يهودًا". ومن واجبنا جميعًا المساعدة في هدم هذا الجدار ورفض فكرة أن هوية شخص ما تبرر تجريده من إنسانيته.

 

سام بحور، مستشار أمريكي فلسطيني ومعلق سياسي مستقل من رام الله/البيرة.

نُشر كتاب "غريب في وطني: فلسطين وإسرائيل وقصة إحدى العائلات" في سبتمبر 2022؛ يمكن طلب نسخة من الكتاب من هيرست (Hurst).