الخميس  01 كانون الأول 2022
LOGO

هل يمكن للتفوق الديمغرافي العددي أن يكون سلاحاً فعالاً في النضال لتحقيق الحقوق الفلسطينية

وليد لدادوة وخليل الشقاقي

2022-09-27 10:24:12 AM
هل يمكن للتفوق الديمغرافي العددي أن يكون سلاحاً فعالاً في النضال لتحقيق الحقوق الفلسطينية
توضيحية

مقدمة:

فشلت كافة محاولات الفلسطينيين خلال السنوات الخمس وخمسين الماضية لإنهاء الاحتلال الذي بدأ في عام 1967. فشلت المفاوضات لأن إسرائيل، يمينا ووسطا ويسارا ترفض الاكتفاء بـ 78% من فلسطين التاريخية. وفشل الكفاح المسلح بسبب توازن القوى الذي مال لصالح إسرائيل منذ قيامها. وفشل الركون للعمق العربي بسبب بروز تحديات داخلية وإقليمية لدى كافة الدول العربية جعلت من القضية فلسطينية قضية ثانوية. وفشل الاعتماد على الشرعية الدولية لأن العالم الغربي الذي أقام إسرائيل لم يفرض عليها الالتزام بتلك الشرعية رغم أنه هو ذاته الذي وضع أسس النظام الدولي المعاصر. وفشل الاعتماد على قوة ونجاح نموذج بناء الدولة والمؤسسات العامة لأن النخبة الفلسطينية الحاكمة في الضفة والقطاع وجدت في النماذج العربية للسلطوية والفساد السياسي نظاما مفضلا ففقدت ثقة شعبها بها قبل أن تفقد ثقة بقية العالم بالنموذج الفلسطيني لبناء الدولة.  وفشلت المقاومة السلمية لقدرتها الكبيرة على الانزلاق بسرعة نحو العمل المسلح ولفشلها في كسب المصداقية لدى الجمهور الفلسطيني الذي بقي ينظر إليها كآلية غير فعالة للنضال لإنهاء الاحتلال ولوجود قناعة راسخة لديه بأن إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة. 

ربما لم يبق لدى الطرف الفلسطيني أفضلية على إسرائيل إلا في قدرته على كسب "المعركة" الديمغرافية العددية من خلال البقاء على أرضه والبحث عن بدائل سياسية ترتكز على هذا التفوق العددي أملاً في حماية أرضه ونيل حقوقه. فهل يمكن للفلسطينيين وضع خطة للعشرين سنة القادمة تمكنهم من حشد وتعزيز الأفضلية التي يتمتعون بها في الجانب السكاني رغم الصعوبات الداخلية الكبيرة التي ستعترض طريقهم؟ 

تهدف هذه الورقة أولاً لاستعراض الخطوات التي يمكن للطرف الفلسطيني القيام بها لخوض "معركته" الديمغرافية بنجاح، وثانياً لتحديد مصادر التهديد الخارجية والمعيقات الداخلية لأي استراتيجية فلسطينية ترتكز على العامل الديمغرافي. لكننا نبدأ بالأرقام ومغزاها على النمو السكاني العربي-الفلسطيني مقابل الإسرائيلي-اليهودي في الوضع الراهن وفي السنوات المقبلة.

ماذا تقول الأرقام الديمغرافية الفلسطينية والإسرائيلية: 

أظهر الفلسطينيون في أيار(مايو) 2021 وحدة هويتهم ونضالهم المشترك بشكل لا مجال للشك فيه عندما اشتبك قطاع غزة والضفة الغربية ومواطني إسرائيل الفلسطينيين مع إسرائيل دفاعا عن المسجد الأقصى والقدس. عبر ذلك عن رفض الشعب الفلسطيني للوضع الراهن في العلاقات الفلسطينية-الإسرائيلية وأكد هدفه الأول، وقبل كل شيء، في إنهاء الاحتلال. لكن من الواضح أن هذا الوضع الراهن ليس من السهل تغييره. يمتاز الوضع الراهن بسمات عدة تهدد مصالح هذا الشعب الحيوية في تقرير مصيره لكن فيه أيضا ما يخدم هذه المصالح. يتصف الوضع الراهن بأنه حكم ذاتي فاقد لمقومات السيادة وخاضع للسيطرة العسكرية الأجنبية الكاملة؛ ويزدهر في هذا الوضع المشروع الاستيطاني ويتوسع في مخالفة صريحة للقانون الدولي ولا يبدو في الأفق أي إمكانية لوقفه. كما تقيم دول عربية عدة علاقات سياسية وأمنية واقتصادية مع إسرائيل بما يعزز السمتين السابقتين. يشهد الوضع الداخلي تعميقا للانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة وتراجعا في الحكم الصالح وفي قدرات السلطة الفلسطينية على فرض النظام والقانون وحماية شعبها من إرهاب المستوطنين واعتداءات الجيش الإسرائيلي مما يفقدها الشرعية والثقة الشعبية. يصوغ المجتمع الدولي بيانات سياسية مؤيدة للقانون الدولي ويقدم تمويلاً للسلطة الفلسطينية كمساهمة في الحفاظ على الوضع الراهن وتعويض للفلسطينيين عن عدم رغبته أو قدرته على إجبار إسرائيل على الامتثال للشرعية الدولية. تدافع النخبة الفلسطينية الحاكمة عن الوضع الراهن، رغم رفضها المعلن له وعدم رضاها عنه، وتستند للسلطوية وحكم الفرد تعويضا لفقدان ثقة شعبها بها ولضمان ديمومة سلطتها. أخيرا، تعمل إسرائيل على التعاون مع النخبة الفلسطينية الحاكمة وتسهل بعضا من عملها طالما أنها ترى أن هذه النخبة قانعة، عملاً وسلوكاً، بالوضع الراهن وأنها على الأقل لا تسعى لتغييره بالقوة.  

لكن وبالرغم من قتامة صورة الوضع الراهن فإنه يسمح بتعزيز التفوق الديمغرافي العددي الفلسطيني إذ تصبح مع نهاية عام 2022 أقلية يهودية حاكمة تسيطر على أغلبية فلسطينية في أراضي فلسطين التاريخية، أو ما بين البحر المتوسط ونهر الأردن. تتفق دائرتي الإحصاء الفلسطينية والإسرائيلية على أن ميزان السكان الفلسطيني-اليهودي في فلسطين التاريخية أي الضفة الغربية (بما في ذلك القدس) وقطاع غزة وإسرائيل قد أخذ منذ حوالي السنة في الميل تجاه التساوي وأنه مع نهاية العام الحالي سيصبح الفلسطينيون هم الأغلبية. تشهد بذلك بوضوح أرقام نهاية عام 2021 التي تظهر أن عدد السكان الفلسطينيين في ذلك الوقت قد بلغ 6.976.481 (منهم 2.849.974 في الضفة الغربية باستثناء القدس الشرقية، و2.136.507 في قطاع غزة، و1.990.000 من مواطني إسرائيل العرب الفلسطينيين، ويشمل هذا الرقم الأخير سكان القدس الشرقية الفلسطينيين حسب التقديرات الإسرائيلية). أما عدد سكان إسرائيل اليهود فيبلغ 6.982.000   والباقي (472.000) ليسوا يهوداً ولا فلسطينيين.

 

 

 

 

 

كما يشير الشكل التالي فإن نسبة الزيادة السكانية المتوقعة ، بما يشمل توقعات الهجرة لإسرائيل، تشير لتزايد سكاني فلسطيني خلال السنوات المقبلة مدفوعاً بصغر متوسط عمر المجتمع الفلسطيني مقارنة بالمجتمع الإسرائيلي، حيث بلغت معدلات الولادة في فلسطين لعام 2021، كما تشير بيانات الأمم المتحدة، 27.76 لكل ألف شخص مقارنة بـ 19.39 في إسرائيل (بما في ذلك مواطني إسرائيل الفلسطينيين). أما معدل الوفيات في فلسطين لنفس العام فبلغت 3.45 لكل ألف شخص فيما بلغت 5.30 في إسرائيل. ويعود السبب في الارتفاع النسبي لمعدلات الوفيات في إسرائيل لكبر متوسط عمر السكان. مع ذلك، ينبغي الإشارة إلى أن توقعات العمر عند الولادة أعلى في إسرائيل منها في فلسطين (82.74 و73.82 على التوالي) . 

توقعات جهاز الإحصاء الفلسطيني للتوازن الديمغرافي بين الفلسطينيين واليهود وغيرهما في فلسطين التاريخية

 

وقد ازدادت مؤخراً كتابات المختصين الإسرائيليين حول المسألة الديمغرافية ومغزاها المتوقع على الحلول الممكنة للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وإمكانيات استمرار الوضع الراهن. في آذار (مارس) 2018 أشار عالم الديمغرافيا الإسرائيلي في الجامعة العبرية سيرجيو دلا بيرجولا إلى أن عدد اليهود والعرب في فلسطين التاريخية قد أصبح تقريباً متساوياً . وكان بيرجولا يعقب على قيام أوري منديس نائب المنسق في وحدة تنسيق أعمال الحكومة في الجيش الإسرائيلي بعرض معطيات سكانية على لجنة في الكنيست تشير لتعادل عدد السكان الفلسطينيين واليهود في فلسطين التاريخية. لكن عضو لجنة الكنيست مردخاي يوغيف من البيت اليهودي علق على تلك المعطيات بالقول بأنها تستند لمعطيات فلسطينية كاذبة فيما أشار عضو الكنيست نحمان شاي من الاتحاد الصهيوني إلى هذه المعطيات بأنها تشكل الإنذار النهائي لكل إسرائيلي يرغب في بقاء دولته يهودية وديمقراطية. 

وفي آب (أغسطس) من هذا العام وصف ثلاثة باحثون إسرائيليون من جامعة رايخمان في هرتسيليا التغير الديمغرافي للعام 2022 بأنه "انقلاب"، وقالوا بأن دولة إسرائيل تتجه نحو واقع قد يقوض المشروع الصهيوني كله، مؤكدين أن الفلسطينيين قد أصبحوا فعلا يشكلون الأغلبية في فلسطين التاريخية ، مستندين في ذلك لمعلومات حديثة نشرتها الإدارة المدنية الإسرائيلية. وعلق على مقالة الباحثين الثلاثة هؤلاء أستاذ الجغرافيا في جامعة حيفا أرنون سوفير، وهو من المتابعين بعناية للشأن الديمغرافي في إسرائيل، بالقول بأن اليهود الإسرائيليين أصبحوا فعلا أقلية في فلسطين التاريخية، مؤكداً أن النسبة الحقيقية للسكان المعترف بهم رسمياً من قبل إسرائيل كيهود يتراوح بين 46% و47% فقط وأن هناك حوالي 650 ألف إسرائيلي ليسوا بعرباً ولا يهوداً.   وعاد سوفير ليشرح لإذاعة الجيش الإسرائيلي أن سبب الزيادة السكانية الفلسطينية هو صغر معدل العمر لدى الفلسطينيين مقارنة بإسرائيل. وفعلاً تشير أرقام دائرة الإحصاء الفلسطينية إلى أن نسبة من تقل أعمارهم عن 25 سنة بين الفلسطينيين تبلغ 60%  فيما تبلغ النسبة الإسرائيلية الموازية 43% فقط (بما في ذلك مواطني إسرائيل الفلسطينيين).   كما أظهر قادة يهود غير إسرائيليين تخوفات كبيرة من التطورات الديمغرافية حيت نشر رونالد لاودر، رئيس الكونجرس اليهودي العالمي والسفير الأمريكي السابق في النمسا، مقالة رأي في صحيفة الواشنطن بوست وصف فيها التفوق الديمغرافي العددي الفلسطيني بأنه "خطر وجودي بالغ" على إسرائيل. 

لكن الجمهور الإسرائيلي لا يبدي اهتماماً بالغاً بالمسألة الديمغرافية. ففي ظل تعاظم ونمو اقتصادي إسرائيلي وقوة عسكرية وتكنولوجيا لا تعادلهما أي قوة إقليمية أخرى، وفي ظل مكانة دولية وإقليمية متصاعدة، فإن الجمهور الإسرائيلي يميل للاعتقاد بأن الأغلبية اليهودية ستكون مضمونة، إما لأن الأرقام حول النمو السكاني الفلسطيني هي أرقام مبالغ فيها، كما يدعي اليمين في إسرائيل ، أو أن قطاع غزة ليس في واقع الحال جزءاً من المعادلة الديمغرافية، أو لأن إسرائيل تمتلك القدرة على طرد أو تهجير السكان الفلسطينيين عندما تتاح لها الفرصة للقيام بذلك.  وفوق كل ذلك تفضل نسبة تقل قليلا عن النصف من الإسرائيليين اليهود  أن يكون الرد على التفوق الديمغرافي الفلسطيني، لو حصل، بحرمان الأغلبية الفلسطينية من المساواة. 

كيف تبدو الاستراتيجية القائمة على التفوق الديمغرافي

ليس من الضروري لاستراتيجية قائمة على التفوق الديمغرافي العددي أن تتبنى مسبقا، أي في المرحلة الراهنة، حلاً سياسياً محدداً للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، كحل الدولتين أو حل الدولة الواحدة وغيرهما من الحلول. إن عدم الالتزام المسبق بتسوية سياسية محددة لن يشكل تهديدا أو حتى إضعافا لاستراتيجية تهدف لتعظيم التفوق الديمغرافي العددي الفلسطيني. لكن استراتيجية كهذه ملزمة بالقيام بأمور أربع: (1) الحفاظ على ما هو قائم مع البحث عن وسائل تعزيز البقاء على الأرض وعدم الاكتفاء بالتفوق العددي والبحث في تحسين نوعية هذا التفوق لتقليص الفجوة النوعية التي تمتاز بها إسرائيل، (2) تقليص حجم الهجرة، (3) تقوية المؤسسات القادرة على القيام بهذين الأمرين، و(4) العمل على بناء تكامل وتحالف اجتماعي واقتصادي بين الفئات الفلسطينية المختلفة بهدف تعزيز الهوية وتعظيم المصالح المشتركة. 

تاريخياً كانت المسألة الديمغرافية والصراع بين الهويتين الفلسطينية واليهودية هما أساسي قرار تقسيم فلسطين وحل الدولتين. واليوم تلعب الديمغرافيا دوراً أساسياً مشابهاً لكنه مبني، عند البعض، على القول باستحالة تطبيق حل الدولتين مما يدفعهم للدعوة لحل الدولة الواحدة ذات الحقوق المتساوية للشعبين الفلسطيني واليهودي. مع ذلك، فإن بعض الخطوات التي تتطلبها استراتيجية فعالة لحل الدولة الواحدة، مثل حل فوري للسلطة الفلسطينية أو التخلي عن حل الدولتين، قد تجلب معها تكاليف سياسية واقتصادية باهظة كفيلة بتوليد ضغوط هائلة على السكان تدفعهم للهجرة مما قد يشكل تفريطاً بالتفوق الديمغرافي العددي الفلسطيني. في المقابل، فإن استراتيجية تحافظ على حل الدولتين قد تكون قادرة على توفير إطار سياسي وقانوني وإداري كفيل بخلق ظروف تمكن من حماية وتعظيم التفوق الديمغرافي فيما لو صاحبه شروط أخرى مثل حكم صالح تديره نخبة حاكمة تتصف بالاستقامة والإدارة الفعالة. بعبارة أخرى، تحبذ الاستراتيجية القائمة على الديمغرافيا الابتعاد عن تبني حل الدولة الواحدة، في الوقت الراهن على الأقل. تسمح هذه المرونة بإعادة تقييم الأوضاع لاحقا تبعا للتطورات على الأرض وما يصاحبها من نجاح، أو فشل، فلسطيني في التعامل مع التحديات التي تترتب عليها. 

إن الأساس لحماية التفوق الديمغرافي يكمن في قطع الطريق على أية تهديدات للوحدة الإقليمية للأراضي الفلسطينية وفي تعزيز قدرة الصمود على الأرض، وهو ما يتطلب استعادة للوحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة واستقرارا سياسيا وازدهارا اقتصاديا وامتلاك درجة معقولة من الثقة المجتمعية والوحدة الوطنية وحدا أدنى من التوافق على استراتيجية وطنية. 

يتطلب التفوق الديمغرافي العددي تقليص حجم الطلب على الهجرة وخاصة بين الشباب وفي قطاع غزة. تشير نتائج استطلاعات الرأي التي اجراها المركز الفلسطيني خلال السنوات العشرة الماضية الى أن نسبة عالية من الفلسطينيين ترغب في الهجرة. يبلغ المعدل الإجمالي للطلب على الهجرة خلال الأعوام العشر الماضية 30%. تشير المعطيات المتوفرة من هذه الفترة إلى أن من الأسباب الرئيسية للطلب على الهجرة التقييم السلبي بين طالبي الهجرة للأوضاع العامة في منطقة سكنهم، ولافتقاد الإحساس بالأمن والسلامة الشخصية، وارتفاع درجة التشاؤم بشأن المصالحة وفرص إعادة توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة. كما هو متوقع، يرتفع معدل الطلب على الهجرة في قطاع غزة ليصل الى 41% مقابل 23% في الضفة الغربية. وقد ارتفعت نسبة طلب الهجرة في قطاع غزة لما يزيد عن 60% في بعض الأوقات الصعبة كما رأينا في آذار (مارس) 2013 ويونيو (حزيران) وأيلول (سبتمبر) 2015 وفي كانون ثاني (يناير) 2018.  وفي الضفة الغربية بلغت نسبة الطلب على الهجرة أحيانا 40% أو أكثر، كما رأينا في آذار (مارس) 2013 وفي أيلول (سبتمبر) وكانون أول (ديسمبر) 2013 ويونيو (حزيران) 2016 ويونيو (حزيران) 2017 وأيلول (سبتمبر) 2020.  كما تشير النتائج إلى أن فئة الشباب هي الفئة الأكثر رغبة في الهجرة، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، حيث تصل الرغبة خلال السنوات العشر الماضية بين هذه الفئة، التي يتراوح عمرها بين 18- 29 سنة، الى معدل يبلغ 42% (35% في الضفة الغربية و53% في قطاع غزة).  

 تحبذ الاستراتيجية القائمة على الديمغرافيا تقوية مؤسسات السلطة الفلسطينية وذلك لأن أي جهد يهدف للحفاظ على التفوق السكاني العددي وتقليص التفوق النوعي الإسرائيلي يتطلب جهوداً جبارة لن يكون ممكناً القيام بها بدون وجود مؤسسات قوية. مع ذلك ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن وجود سلطة فلسطينية ضعيفة يشكل تهديداً داخلياً قوياً للتفوق السكاني العددي الفلسطيني ويحكم بالفشل على أي جهود قد تقوم بها لتحسين نوعية التفوق الديمغرافي الفلسطيني. يتفوق الإسرائيليون على الفلسطينيين في معظم المؤشرات ذات الصلة بالتقدم العلمي والتكنولوجي والإنتاجية الفردية والتنمية البشرية ودخل الفرد من الناتج القومي.  فمثلا، في مؤشر التنمية البشرية السنوي العالمي تأتي فلسطين بين دول العالم كافة في المرتبة 106 فيما تأتي إسرائيل في المرتبة 22. وهناك ما هو أسوأ من ذلك بكثير كما يتضح من الشكل التالي الذي يستعرض دخل الفرد السنوي بالدولار خلال السنوات الواحدة والعشرين السابقة. يتضح من هذا الشكل أن مستوى دخل الفرد من الناتج القومي للعام 2021 قد بلغ في إسرائيل 51.430 دولارا وفي فلسطين 3.664 دولارا، أي بنسبة 1:14. 

 

دخل الفرد في فلسطين وفي إسرائيل بالدولار من الناتج القومي 

 

أخيرا، تحبذ الاستراتيجية القائمة على الديمغرافيا تقوية الهوية الفلسطينية خلق تحالفات وتعاون واسع النطاق مع مواطني إسرائيل الفلسطينيين. يتطلب هذا الأمر بناء مؤسسات مجتمعية مدنية موحدة للطرفين، والقيام بمشاريع تعاونية استثمارية مشتركة، وبناء شراكات سياسية واقتصادية بينهما. يتطلب تحقيق ذلك وجود رؤيا مشتركة وقيادة مؤسسية على أعلى المستويات السياسية والدينية والمجتمعية ولن يكون ممكناً تحقيقها من خلال مبادرات من المجتمع المدني أو القطاع الخاص فقط رغم الأهمية الكبرى لدورهما في هذه الاستراتيجية.

 

التهديدات والمعيقات: 

إن أي استراتيجية فلسطينية تهدف لتعظيم التفوق الديمغرافي العددي الفلسطيني ينبغي لها أن تحدد مصادر التهديد الخارجي والمعيقات الداخلية لهذا التفوق وأن تعمل على تحييدها إن أمكنها ذلك. بالرغم من أن المعيقات الداخلية هي الأكثر أهمية فإن علينا أن نبدأ أولاً بتقدير حجم التهديدات الخارجية.  

تنبع التهديدات الخارجية من مصادر ثلاثة: قوة إسرائيل العسكرية والاقتصادية وتفوقها الديمغرافي النوعي، فقدان العمق العربي، وغياب شرعية دولية فعالة.

قوة إسرائيل العسكرية والاقتصادية وسياساتها الاحتلالية وتفوقها الديمغرافي النوعي: يمكن لإسرائيل ضم الأراضي المحتلة بدون أن يشكل ذلك تهديداً للتفوق الديمغرافي العددي الفلسطيني. لكن التهديد الإسرائيلي المباشر يأتي من القوة العسكرية الإسرائيلية الفائقة المعززة بالتفوق النوعي الذي تمتاز به إسرائيل على الفلسطينيين في معظم مؤشرات التنمية البشرية والاقتصادية التي تعمل مجتمعة لجعل دخل الفرد الإسرائيلي يزيد عن دخل أربعة عشر فردا فلسطينيا مجتمعين، كما أشرنا سابقا. يعني هذا التهديد افتقاد الطرف الفلسطيني للقدرة على منع الجيش الإسرائيلي من طرده من أرضه في ظل ظروف معينة، كما حصل في عام 1948 وفي بعض المناطق في عام 1967، ويضعف من التفوق العددي الفلسطيني لصالح التفوق النوعي الإسرائيلي.  في ظروف أخرى، يمكن لإسرائيل العمل على تهجير السكان الفلسطينيين وطردهم من أراضيهم بوسائل إدارية واقتصادية تجبر السكان على البحث عن حياة أفضل في دول الجوار وغيرها. وفي هذا الإطار فإن الذراع الاستيطاني لدولة إسرائيل قد يكون العامل الأكثر فاعلية في خلق تلك الظروف التي تساهم في تهجير السكان الفلسطينيين. وفوق كل ذلك، تشكل السياسات الاحتلالية الإسرائيلية تحريضا يوميا ودافعا للمقاومة المسلحة الفردية والجماعية. يسهم كل ذلك في تهديد الاستقرار الداخلي وتهديد فرص صمود المواطن الفلسطيني في أرضه.  

فقدان العمق العربي: أما المصدر الثاني للتهديد فيأتي من البيئة الإقليمية العربية التي تعطي لإسرائيل قبولاً وتطبيعاً معلناً وغير معلن من معظم الأنظمة العربية الحاكمة. يعمل هذا التطبيع على تعزيز التشدد الإسرائيلي اليميني ويخلق إحباطاً فلسطينياً قيادياً وشعبياً فيما يقوى الإحساس بخيانة الآخرين وتخليهم عن قضية فلسطين وشعبها مما قد يدفعهم لتبني مواقف غاضبة لا تخدم مصالحهم. يعني هذا التهديد أيضا التقليل من الدعم العربي الضروري لصمود المواطن الفلسطيني ويعزز من القدرات الإسرائيلية.

شرعية دولية غير فعالة: أما المصدر الثالث للتهديد الخارجي فيأتي من البيئة الدولية الغربية التي تعامل إسرائيل بخصوصية شديدة نتيجة للظروف التاريخية التي صاحبت الحرب العالمية الثانية وقيام دولة إسرائيل، وأهمها بالطبع المحرقة أو الهولوكوست. تعني هذه الخصوصية أن العالم الغربي يبقى حليفاً عسكرياً وسياسياً لإسرائيل رغم أن استمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية يشكل انتهاكاً جليا للقوانين والقيم الدولية التي وضعها المجتمع الدولي وعلى رأسه العالم الغربي. يعني هذا التهديد أن حل القضية الفلسطينية يفتقر لمسار يقوم على الشرعية الدولية مهما كان أصحاب هذه القضية مستعدين للتنازل عن بعض حقوقهم وروايتهم التاريخية. لكن الأهم من ذلك هو الاستنتاج أن هذا العالم الغربي قد يقف متفرجا، كما يفعل الآن، حتى لو اتضح له بدون أدنى شك أن إسرائيل قد أصبحت فعلا دولة فصل عنصري تحكم فيه أقلية إسرائيلية يهودية أغلبية فلسطينية.

أما المعيقات الداخلية فتتلخص في أربع: صراعات النخبة الحاكمة، فقدان النظام السياسي للمشروعية، عدم الاستقرار السياسي والأمني والتراجع الاقتصادي، وأخيرا، ضعف الأداء المؤسسي والاقتصادي، وكل واحدة منها تضرب جانبا من جوانب التفوق الفلسطيني وتعيق إمكانات بلورة استراتيجية فعالة لاستخدامه.

صراعات النخبة الحاكمة في الضفة الغربية وقطاع غزة: يطيل الصراع على القوة والنفوذ بين القوتين الرئيسيتين في النظام السياسي، فتح وحماس، في عمر الانقسام والتمزق الجغرافي بين الضفة والقطاع مما يعزز الاعتقادات بين الفلسطينيين وغيرهم بأنه أصبح، أو قد يصبح، دائما. تؤدي هذه النتيجة لإخراج قطاع غزة من المعادلة الديمغرافية ويعيد لإسرائيل تفوقها الديمغرافي العددي. 

فقدان النظام السياسي للمشروعية: تفتقد عناصر النظام السياسي للمشروعية الدستورية والانتخابية والثقة والرضى الشعبي. انتهت الفترة الرئاسية منذ أكثر من 12 عاما، ولم تحصل أي حكومة فلسطينية على الثقة البرلمانية منذ عام 2007، ويفتقد النظام لفصل السلطات واستقلال القضاء والمساءلة والمحاسبة، وتُحل فيه السلطة التشريعية بقرار من رأس السلطة التنفيذية، وتتراجع فيه الحريات والتعددية في المجتمع المدني، وتلغى فيه الانتخابات العامة بقرارات ممن انتهت فترته الانتخابية.  يولد كل ذلك انعداما للثقة بالحكومة والرئاسة لدى الغالبية العظمى من الجمهور كما تشير استطلاعات الرأي وإلى تبلور شبه إجماع جماهيري بوجود فساد في المؤسسات العامة. تُسهم هذه التطورات في تضاؤل الثقة المجتمعية، أي ثقة الناس ببعضها البعض، وتُضعف الهوية الوطنية إضافة لدورها الثانوي في زيادة معدلات الهجرة.

حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني والتراجع الاقتصادي: إن مما لا شك فيه أن انهيار التسوية السياسية وحل الدولتين وازدياد فرص الصراع المسلح والمواجهات الشعبية تخلق حالة من عدم الاستقرار. تتعزز هذه الحالة بضعف السلطة الفلسطينية وفقدانها للمشروعية والرضا الشعبي. كلما طال عمر هذا الواقع كلما اقتربت الأوضاع من لحظة الانفجار ضد السلطة وضد الاحتلال ومستوطنيه. يمكن للمراقب أن يتخيل وضعا تنهار فيه قدرة السلطة على تقديم الخدمات، كما حصل خلال الانتفاضة الثانية، وخاصة قدرتها على فرض النظام والقانون، مما قد يولد فلتانا أمنيا واسع النطاق. فمثلا، إن تصاعد عمل مسلح تقوده مجموعات مسلحة لا تخضع لقيادة سياسية معروفة ومقبولة جماهيريا قد يؤدي لسقوط مدوي للنظام العام ويشكل فراغا أمنيا داخليا يدفع لزيادة الجريمة وتقلص النشاط الاقتصادي وتراجعا في الخدمات الاجتماعية وكلها تشكل حوافز رئيسية للهجرة الواسعة.

ضعف الأداء المؤسسي والاقتصادي الجمعي والفردي: يتجلى هذا الضعف في القدرة المتراجعة للسلطة الفلسطينية على تقديم الخدمات وضعف إنتاجية الفرد. يؤثر هذا الضعف سلباً على نوعية التفوق الديمغرافي الفلسطيني لصالح تفوق نوعي لصالح إسرائيل.   

 

الخلاصة: 

قد يقرر المسار الديمغرافي، وليس توازن القوى العسكري والاقتصادي، مستقبل الشعبين الفلسطيني واليهودي الإسرائيلي. لكن لكي يتنافس الفلسطينيون في هذا المسار ينبغي لهم تبني استراتيجية تعظم من تفوقهم العددي وتقلص من التفوق النوعي اليهودي الإسرائيلي. فما هي فرص نجاحهم في ذلك عند النظر في الواقع الراهن؟

لا مفر من الاستنتاج المحزن أن مراجعة للواقع الراهن، وخاصة الأداء الفلسطيني الرسمي والحزبي، تشير إلى أن فرص نجاح الاستراتيجية القائمة على التفوق الديمغرافي العددي لا تبدو عالية، بل وقد تكون ضئيلة جدا. ويعود السبب في ذلك لشدة التهديدات والمعيقات لها وخاصة الداخلية منها والتي يمكن التعبير عنها باختصار بما يلي:

•    إن التفريط الراهن بالتفوق الديمغرافي العددي الذي تعبر عنه سياسات طرفي الانقسام هو التهديد الأبرز اليوم لاستراتيجية فلسطينية فعالة تستند للتفوق الديمغرافي لأن هذه السياسات، بدون قصد بالطبع، تخرج قطاع غزة من المعادلة الديمغرافية.

•    يشكل غياب المشروعية عن النظام السياسي واضمحلال الثقة به من قبل الغالبية الساحقة من الجمهور الفلسطيني وتراجع الثقة المجتمعية خلال العقد الماضي التهديدين الأكثر بروزاً للهوية الفلسطينية رغم ما رأينا من التفاف شعبي واسع النطاق حول العلم الفلسطيني في أيار (مايو) من العام الماضي.

•    تشكل حالة عدم الاستقرار والتراجع الاقتصادي وانخفاض الدخل وضعف سلطات فرض النظام والقانون لدى السلطة الفلسطينية وسلطات حماس في قطاع غزة العوامل الرئيسية الدافعة للهجرة وخاصة من القطاع.

•    أخيراً، يسهم الضعف المؤسسي للسلطة الفلسطينية، بالإضافة بالطبع لظروف الاحتلال، بشكل سلبي في زيادة التفوق النوعي اليهودي الإسرائيلي، سواء ما يتعلق بالعلم والمعرفة أو التكنولوجيا أو الاقتصاد.

هذه التحديات الأربع هي بالدرجة الأولى من صنيعة أيدينا قبل أن تكون من تفوق ونجاح عدونا. لكن هذا الاستنتاج لا يؤدي بالضرورة للاعتقاد بأنه سيكون من السهل علينا التغلب عليها فيما لو توفرت الإرادة. يعود ذلك لأن الخلل الداخلي لا يقتصر على النظام ونخبته الحاكمة، رغم أهمية دورهما، بل يشمل أيضا المعارضة السياسية والمجتمع. رغم ذلك، فهذا مسار لإدارة الصراع لا ينبغي إهماله.

 

  

أوراق سياساتية نقدية 

هل يمكن للتفوق الديمغرافي العددي أن يكون سلاحاً فعالاً في النضال لتحقيق الحقوق الفلسطينية

أيلول (سبتمبر) 2022

هذه الورقة هي الثالثة ضمن الأوراق السياساتية النقدية التي يصدرها المركز للعام 2022. تتناول هذه الأوراق قضايا سياساتية داخلية وخارجية تهم المجتمع الفلسطيني وصانع القرار.



 

المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية

مؤسسة أكاديمية علمية بحثية مستقلة غير ربحية وغير حكومية. تأسس المركز في مطلع عام 2000 كمركز مستقل للبحوث الأكاديمية ودراسات السياسات العامة. يهدف المركز إلى تطوير المعرفة الفلسطينية وتقويتها في مجالات ثلاث: السياسات الفلسطينية الداخلية؛ والتحليل الاستراتيجي والسياسة الخارجية؛ والبحوث المسحية واستطلاعات الرأي العام. يقوم المركز بالعديد من النشاطات البحثية، منها إعداد الدراسات والأبحاث الأكاديمية ذات العلاقة بالسياسات الفلسطينية الراهنة، وإجراء بحوث مسحية حول المواقف السياسية والاجتماعية للمجتمع الفلسطيني، وتشكيل مجموعات عمل لدراسة قضايا ومشاكل تواجه المجتمع الفلسطيني وصانع القرار ووضع حلول لها، وعقد المؤتمرات والمحاضرات والموجزات المتعلقة بشؤون الساعة، ونشاطات أخرى. يلتزم المركز الفلسطيني للبحوث بالموضوعية والنـزاهة العلمية ويعمل على تشجيع تفهم أفضل للواقع الفلسطيني الداخلي وللبيئة الدولية وبلورته في أجواء من حرية التعبير وتبادل الآراء.                                                                                                                                                                                                     

يتم القيام بالنشاطات والأبحاث في المركز من خلال وحدات ثلاثة: وحدة السياسة الداخلية، وحدة التحليل الاستراتيجي، ووحدة البحث المسحي. تقوم هذه الوحدات بممارسة أربعة أنواع من النشاطات: كتابة البحوث والتحليلات السياسية، وإجراء البحوث المسحية التجريبية واستطلاعات الرأي العام، وتشكيل فرق الخبراء ومجموعات العمل، وعقد وتنظيم المؤتمرات واللقاءات. تقوم هذه الوحدات بالتركيز على المستجدات في الساحة الفلسطينية وعلى الموضوعات السياسية ذات الأهمية الخاصة والتي تحتاج إلى البحث العلمي والأكاديمي.