الخميس  19 أيلول 2019
LOGO

رسالة مفتوحة لرئاسة الوزراء حول عيد الفصح

2016-04-25 11:19:54 AM
رسالة مفتوحة لرئاسة الوزراء حول عيد الفصح
غسان طوباسي

 

بقلم: د. غسان الطوباسي

 

أحزنني بل آلمني كما الآلآف غيري من أبناء شعبي تجاهل الحكومة لأول مرة عن اعتبار عيد الفصح عطلة رسمية باعتبار أن قضية قيامة المسيح غير معترف بها في الديانة الإسلامية وبالتالي فهو عيد يخص طائفة بعينها وليس عيداً وطنياً.

 

بداية من الممكن نفهم هذا التفسير لو كان النقاش يجري على مستوى حكومة السعودية أو قطر أو ماليزيا مثلاً، و ذلك لكونها دول إسلامية بحتة وتسير وفق الشريعة الأسلامية وبالتالي فالفهم المسيحي لصعود وقيامة السيد المسيح تتناقض مع الفقه الإسلامي فهذا حقها وممكن تبريره وهو بالمناسبة يتفق تماماً مع السياسة الرسمية لدولة الاحتلال الإسرائيلي والتي لا تعترف بصعود وقيامة المسيح. أما أن يتم ذلك من حكومة تعتبر نفسها تُمثل الشعب الفلسطيني فهذه خطيئة كبرى ولا يحق لها بتاتاً أخذ هكذا موقف وذلك للأسباب التالية :-

 

1) أن الشعب الفلسطيني المكون عبر التاريخ استمد شرعيتهِ من مكونات وحضارات اجتماعية ثلاث : كنعانية " آرامية "، مسيحية، و اسلامية، و أي اجتزاء لأي مكون من هذه المكونات الثلاثة هو تشويه للشخصية الوطنية الفلسطينية.

 

2) أن الصفة المشتركة لشعبنا الفلسطيني عبر التاريخ ووحدتهِ الوطنية ليس لها علاقة ابداً بالنسب الطائفية المكونه لهُ فعلى الرغم من أن المسيحين اصبحوا يُشكلون نسبة ضئيلة جداً لأسباب لا مجال لسردها هنا الا انهم مكون اساسي من مكونات هذا الشعب لهُ مالهُ من حقوق وعليهِ ما عليهِ من واجبات.

 

3) ان جوهر الصراع مع العدو الصهيوني هو صراع وطني تحرري وليس صراعا دينيا، وأي محاولة للانجرار وراء الرواية الدينية للصراع يصب في خدمة الهدف الاسرائيلي وذلك لِتفوق الرواية اليهودية في الجانب التاريخي و ذلك بأعتراف و تأكيد الديانتين اللاحقتين المسيحية و الأسلامية وتصديقهم للرواية الدينية التاريخية لبني اسرائيل كما ورد في العهد القديم وغيرهِ من الروايات الإسرائيلية.

 

4) تأسيساً على ماسبق و بما أن الرواية اليهودية حول الصراع على الأرض تَلقى آذان صاغية عن الكثير من شعوب الأرض فعلينا أن نتمسك ونبرز الجوانب التاريخية في مسيرة الشعب الفلسطيني قاطن هذهِ الأرض والتي تُزعج وتُدين اليهود في طريقة سيطرتهم على الأرض ومعاملتهم لسكانها بدءاً من فترة المسيح حتى هذا اليوم وسوءاً اتفقنا أو لم نتفق على الروايات الدينية المختلفة صدقناها او اعتبرناها مرويات تاريخية فهي لا تزال تعتبر مُرتكزات فكرية و تاريخية للعديد من شعوب الأرض بمعنى اوضح أن المشكلة الأساسية لليهود مع المسيحية ليس بالميلاد لأن المسيح في ذلك الوقت كان لا يزال يهودياً، اما عندما قام بثورة ضد ظلم وتسلط الكهنوت اليهودي واضطهادهم لأبناء شعبهِ الفلسطيني حاربوهُ وقتلوهُ و صلبوهُ. وقد نتفق أو نختلف على النهاية إلا أننا من الضروري وبدعم من التراث الديني الاسلامي وخاصة القرآن على الجانب الأول من الموضوع .

 

ما اريد أن اوضحهُ هنا أن عيد الفصح حسب المفهوم المسيحي الشرقي خاصة هو ليس يوم الصلب والقيامة بل هو تدشين لأسبوع الآلام. هذهِ الأيام السبعة و لتي لها قيمة عظيمة في التراث المسيحي خاصة وأن الاناجيل جميعها تعطيها الحيز التاريخي الأكبر من المساحة الكلية للكتاب المقدس.

 

فهي رحلة العودة الى القدس رغماً عن اليهود المُتربصين للقتل، وفيها تم العشاء الأخير والوشاية والتسليم وغسيل الأرجل والصلب والصعود وبذلك فإن الجزء الأكبر من الفقه المسيحي مُلخص بهذا الأسبوع والذي يُدين اليهود بقتل هذا النبي الثائر وتأمرهم مع الحكام الرومان للتخلص منهُ.

 

وكم هو محزن أن نلتقي نحن بفلسطين مع الفكر المسيحي الصهيوني المتجدد بأمريكا وباليهود عامة بعدم الأعتراف بهذا العيد. وللتذكير فقط فإن الممثل القدير ميل جيبسون والذي خرج عن المألوف بهوليود والذي جسد رواية البطولة والعذاب للمسيح وأدان اليهود بشكل واضح في فيلمهِ المشهور عن حياة المسيح، فقد الممثل واجه ولا يزال الحرب الشعواء من أقطاب هوليود والمُسيطر عليها طبعاً من اليهود لتجرؤه في تصوير ما هو مُغاير عن السائد في سرد تاريخ المسيح مما أثار غضب يهود العالم أجمع.

 

إن هذا التراجع في الفهم والثقافة عند مجلس وزراءنا الموقر يدعو للحزن والأسف فالقيادة التاريخية لشعبنا مُمثلة بالراحل ابوعمار كان على ايمان عميق بضرورة اظهار الرواية المسيحية والإسلامية موحدة بالصراع، ولم يكن صدفة أن يتم اصدار جواز السفر الفلسطيني رقم 1 للسيد المسيح، كما لم يكن صدفة أن يُصر أبو عمار دوماً في خطاباتهِ على الإشارة الى المقدسات المسيحية والإسلامية وأن يسمى وزارة الأوقاف بوازة المقدسات والأوقاف الدينية. إن المناسبتان الدينيتان المهتمتان واللتين تُحرج اليهود وتُسبب لهم الإرباك في روايتهم هما: عيد الفصح المسيحي كونهم يتحملون مسؤولية تعذيب وقتل رسول السلام والمحبة ، والمناسبة الثانية معجزة الإسراء والمعراج والتي تربط الديانة الإسلامية بالقدس وهي ايضاً تُسبب لهم الإحراج والإرباك.

 

وفي النهاية نرجو من السادة الوزراء وخاصة رئيس الوزراء الموقر اعادة الاعتبار لهذهِ المناسبة الهامة و اعتبارها عيداً وطنياً فلسطينياً كما كانت دوماً.