الأربعاء  23 أيلول 2020
LOGO

بين الأمس واليوم/ بقلم : زياد البرغوثي

2016-12-12 04:14:40 PM
بين الأمس واليوم/ بقلم : زياد البرغوثي
زياد البرغوثي

 

 

في مثل هذا اليوم من شهر ديسمبر 1987، افتتحت صيدليتي في مخيم قلنديا، كان المخيم قلعة من قلاع الشبيبة الفتحاوية، وكانت تربط العائلة من أيام الهجرة علاقات خاصة مع بعض وجهاء المخيم والذين رحبوا بالفكرة، إلا أنَّ البعض من أبناء الشبيبة احتجوا على ذلك القادم الجديد للمخيم.

 

بعضهم قال "هذا شيوعي" بحكم التاريخ الطويل للعائلة، وآخر "هذا بعثي" بحكم الدراسة، وآخر يقول "هذا من عناصرالجبهات اليسارية" بحكم المواقف الرافضة في العمل النقابي، واتُّفق فيما بينهم على إعطائي فرصة الدخول إلى عالم المخيمات واللاجئين.

 

انفجرت الانتفاضة في المخيم، وبدأ تساقط الأطفال والشباب والشيوخ، صديق يلحق بصديقه متواعدين على درب الشهادة والخالدين .

 

اشتعلت الانتفاضة وتحولت الصيدلية إلى ملتقى لقيادات وشباب المخيم من كل الاتجاهات، وعلى صوت الرصاص ورائحة المسيل للدموع تبادلنا فكرة واحدة عن إنهاء الاحتلال والعصيان المدني والتكافل الاجتماعي وأخبار الانتفاضة الشعبية من رفح إلى جنين، كانت الصيدلية عيون المخيم على أصحاب السوابق والمدمنين، ومركز أمانات وعنوان بريدي لمعظم سكان المخيم اللاجئين .

 

 من أمام الصيدلية ودَّعنا الشهداء والمبعدين واستقبلنا الأسرى المحررين، وبالرغم من قسوة المشهد كنَّا جميعاً متفائلين .

 

ومن المخيم خرجتُ نقيباً لصيادلة فلسطين، وخرج غصن الزيتون لاستقبال العائدين .

 

انتقلت إلى المقر الجديد في رام الله، وتحولت الصيدلية إلى مقر للأصدقاء، وزراء ومسؤولين ومستشارين حاليين وسابقين، رجال أعمال ومغتربين، كُتّاب ورجالات فكرٍ ومثقفين، قادة أحزاب ومناضلين سابقين، وتحولت النقاشات إلى أحاديث السياسة والتنظير ما بين المواليين والمعارضين، وعن التجارة والأسهم والبنوك وبيع الأراضي ومشاريع الإسكان والتوطين، عن الأصوليين والمتعصبين مسيحيين ومسلمين، عن التنسيق والمعابر وعن إضرابات الموظفين والمعلمين . عن سوريا والعراق واليمن، عن الانقسام وفرص السلام، عن الاتحاد الأوروبي والمانحين، عن العطاءات ومكافحة الفساد والفاسدين .

 

كل ذلك على مأدبة إفطار يومياً لساعة من الزمن، وينتهي كل شيء ويخرج الجميع ما بين مُحبِطين ومُحبَطين.