الأحد  17 تشرين الأول 2021
LOGO

الشركات الكبرى في فلسطين...والخبرات الفردية في مجالس إدارتها

2017-05-16 09:03:06 AM
الشركات الكبرى في فلسطين...والخبرات الفردية في مجالس إدارتها
نسرين مصلح مؤسسة وعضو مجلس الإدارة المنتدب لشركة رتاج للحلول الإدارية في رام الله

 

بقلم/نسرين مصلح

 

لقد استكملت مؤخراً مدة عضويتيفي مجلس إدارة البنك الإسلاميالعربي، وهو أول مصرف إسلامي يتأسس فيفلسطينبعدتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية. وهو مدرج في بورصة فلسطينكشركة مساهمة عامة محدودة برأسمال قدره75 مليون دولار أمريكي، ويمتاز بأن قاعدة رأسماله توشك أن تبلغ مليار دولار أمريكي وبأنه يوفر حوالي 300 وظيفة لمصرفيين محترفين في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ مجسداً بكل ذلكأفضل ما يمكن أن يقدمه قطاع الأعمال في فلسطين. واقفة على أعتاب هذه التجربة، أجد أن لدي الكثير مما يستحق المشاركة.

مازج حماستي لخوض هذه التجربة تساؤل حول كيفية توظيف خبرتي في القطاع المصرفي، ولكن ما لبثْتُ أن وجدت الإجابة في أولى اجتماعات مجلس الإدارة.

 

"لا شك بأن العمود الفقري لأي مشروع تجاري يتمثل في خلق توازن بين جانب التشغيل ومناهج القيادة، مع المحافظة على التواصل بشكل مباشر مع متلقي الخدمة"

قبل خمسة عشر عاماً،أسست شركتي الخاصةالتي كانت المساحة التي كرست بها معارفي في مجالي الإدارة والتطويرالمؤسسي مع تركيز تام علىالجانب التشغيلي، حيث ينصب مجال عمليعلى التطوير عبر التدريب وتنمية القدرات بالإضافة إلى الخدمات اللغوية، بكل ما يستشري في هذه القطاعات من منافسة، ورغم تنوعخبراتي كصاحبة شركةواستشارية يحتم عليها أنتتعامل مع قطاعاتٍ مختلفة وأن تتحمل مسؤولية الربح والخسارة،إلا أن التجربة في المصرف كانتمختلفة وغنيّةفيتناول تحديات شبيهة في سياق مؤسسي أكبر.

 

يعود أول اطلاع لي على مجال الصيرفة الإسلامية إلى أكثر من عشر سنوات، حيث كان ذلك خلال ندوة شاركت بها في كلية وارتون للأعمال بجامعة بنسلفانيا. والمعروف أن دراسة الأعمال من منظور أكاديمي مغايرة تماما لكيفيةتبلور الأفكار على أرض الواقع في قطاع الأعمال. وخلال اجتماعات مجلس إدارة البنك ولقاءات لجانه، خاصة تلك التي شارك بها عضو من هيئة الرقابة الشرعية، يمكنني القول بأنني قد اطلعت على الحلول التي تقدمهاصيغ التمويل الإسلامي وملائمتها، حيث تتم مواءمة البرامج المتوافقة مع الشريعة الإسلامية بما يمكنها من تلبية الاحتياجات اليومية للتمويل دون تعارض مع أنماط حياتنا العصرية. وقددفعني انخراطي بالتمويل الإسلامي لتعلم المزيد عن هذا القطاع سريع النمو.

 

لا يشهد التمويل الإسلامي، الذي بلغ مستوى 12-13%، نمواً في فلسطين وحسب، وإنما ينمو على مستوى العالم أجمع. كما أن هذا النمو لا يقتصر على البلدان الإسلامية، وإنما يمتد إلى دول غير إسلامية في العالم. وقد بلغت قيمة أصول الصيرفة الإسلاميةحوالي 2.5 مليار دولار أمريكي في العالم ككل. وتقدم الخدمات المصرفية الإسلامية من خلال 700 مؤسسة مصرفية منتشرة في 60 دولة. لكن هذا التواجد الكبير في السوق يشكل فقط 1% من حصة القطاع المصرفي العالمي و 20% من حجم القطاعات المصرفية في الدول العربية والإسلامية، الأمر الذي يشير إلى مدى إمكانات نمو هذا القطاع فلسطينياً وعالمياً.

 

خلال مشاركتي في اجتماعات مجلس إدارة البنكأيقنت أهمية تواجد خبرات الأفرادالمتنوعة لما لها من دور في شحذ آليات العمل في الشركات الكبرى. ويمكنني القول بأن الشركات لن تتمكن من تعظيم إمكاناتها وتوسيع آفاقها ما لم ترفدمجالس إدارتها بأعضاء مهنيين جنباً إلى جنب مع أصحاب المال. ولا شك بأن العمود الفقري لأي مشروع تجاري يتمثل في خلق توازن بين جانب التشغيل ومناهج القيادة، مع المحافظة على التواصل بشكل مباشر مع متلقي الخدمة.

بالرغم من أن الهدف النهائي دائما هو إتمام العمل، إلا أن الإدارة في البنك تولي اهتمام للأشخاص حيث يعمل الطاقم متكاتفا للتعامل مع التحديات بأقصى قدر من المهنية وبشكل يعطي مساحة لمواءمة احتياجات العملاء. لقد حظي هذا الأسلوب بإعجابي لتوافره في بيئة عمل كبرى في حين أنه أكثر انتشاراً في المنشآت الصغيرة ومتوسطة الحجم.

 

ومع كل هذه التجارب، فإنني أحمل مسؤولية نقل تلك المعرفة والخبرة إلى قطاعات أعمال أخرى، خاصةً العائلية منها التي يعوزهاجهداً أكبر للدمج بين الهيكلية التنظيمية وأهمية التفكير التشاوري في صناعة القرار. في فلسطين، تجد أن الكثير من المنشآت الصغيرة والمتوسطة تخضع لأنماط إدارية فردية مركزية، مما يجعلها بمعزل عن كل ما يمكن أن تقدمه لها الحوكمة الرشيدة. بكل بساطة، إن العمل الجماعي بروح التعاون هو الطريق الوحيد لتحقيق النمو والتطور.

 

ضمن عملي كعضو في كل من لجان التدقيق، والمخاطر، والامتثال والحوكمة المنبثقة عن مجلس إدارة البنك والتي تضطلع بتوجيه دفة الأمور على مستوى الحوكمة المؤسسية، يمكنني القول بأن هذه اللجان تبذل جهود هائلة للتحقق من متانة عماد الحوكمة. لقد اطلعت على نماذج متعددة للحوكمة، والتي كان أولها في مقر شركة كوكاكولا الرئيسفي أتلانتا بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث عملت بالشركة من خلال برنامج زمالة الأعمال لمدة خمسة أشهر. في المقابل، قلّما يحظى موضوع الحوكمة بالاهتمامفي ثقافتنا.

 

مكنتني تجربتي في الولايات المتحدة من توظيف ما اكتسبته من مشاهدات في مجال الحوكمة في شركتي، التي توفر حوالي 50 فرصة عمل موزعة ما بين موظفين بدوام كامل وآخرين بدوام جزئي أو من خلال التعاقد. ولكن اليوم وبعد تجربتي في موقع وثيق الصلة في الحوكمة في شركة فلسطينية، أجدني أكثر إلماما بجزئية الحوكمة وتطبيقاتها.

 

تجدر الإشارة إلى أن كم التركيز الذي يوليه البنك للحوكمة ملفت بكل ما للكلمة من معنى، حيث أن السياسات، والإجراءات، والوصوف الوظيفية، وتقييم الأداء أعدت بقيادة مستنيرة وبطريقة ترسّخ الممارسات المثلى في العمل، فضلا عن المثابرة الدائمة لتحرير السياسات من أي تأثير شخصي، الأمر الذي ينبغي أن يغدو ركيزة من ركائز النجاح. وباعتقادي أن ما من شيء يعوزنا للتفوق حتى في ظل الاحتلال القائم.

 

ومما زاد على معارفي هو فرصة العمل مع قادة الفكر والفعل، والقادة التنفيذيين،إضافة إلى القادة الكلاسيكيين إذا جاز التعبير.

 

وتنقلني هذه الخبرة الديناميكية إلى مكان مغاير لما اعتدت عليه، وتضفي المزيد من الطاقة نحو تحقيق التطور من خلال التنوع والتركيزعلى فرادة النقاط الإيجابية التي يكتنزها كل فرد.

 

يسرني أن أكون أول صوت نسائي يجلس على طاولة مجلس إدارة البنك الإسلاميالعربي، حيث تمكنت من إيصال صوتي بكل حريةدون أن أضطر لأبذل أكثر مما يلزم.وفي الختام أود أن أشارك خلاصة أعتقد أنها غاية في الأهمية للشباب ممن يرنون لصعود السلم المهني في قطاع الأعمال وهي تقدير تنوع الآراء واستحضار التفكير البناء خلال النقاش.

 

* نسرين مصلح هي مؤسسة وعضو مجلس الإدارة المنتدب لشركة رتاج للحلول الإدارية في رام الله. وهي عضو مجلس إدارة في كل من جمعية المدربين الفلسطينيين ومبادرة أمريكيين لاقتصاد فلسطيني نابض بالحياة.