الأربعاء  20 تشرين الثاني 2019
LOGO

العزف على البيانو النووي بقلم: نبيل عمرو

2018-01-08 09:45:46 PM
العزف على البيانو النووي
بقلم: نبيل عمرو
نبيل عمرو

مر على العالم زعماء وقادة في السلطة والمعارضة، اتّسموا بقدر من الجنون، إلا أن اثنين من قادة هذا العصر يتمتعون بجنون نووي، الرئيس الكوري كيم جونج أون  يضع الزر النووي على مكتبه، ويقول لنظيره الأمريكي "إن تدمير الولايات المتحدة مرهون بحركة من إصبعي"، ورد عليه نظيره في الجنون والعزف على الزر النووي الرئيس ترامب، بأنه هو الآخر يملك زرًا أكبر وإذا ما ضغط عليه تصبح كوريا الشمالية على الأقل كأنها لم تكن.

 

استسهال الحديث عن الأزرار النووية بهذه الصورة، يشير إلى مدى الانحطاط الذي بلغه القادة النوويّون في هذا العصر، ومدى الرعب الذي يصيب سكان الكرة الأرضية من هواية العزف على الأزرار النووية، كما لو أنها بيانو يتلهى بها قادة لا يمتلكون فقط مقدرات شعوبهم وإنما مقدرات العالم بأسره، الذين يلعبون الآن بالأزرار النووية ليسوا وحدهم، فقبلهم فعلها -بطريقة مختلفة- زعماء سوفييت وأميريكيون وحتى إسرائيليون، فكل من يمتلك قنبلة نووية يملك موهبة العزف عليها، ولو بالتهديد الوقائي فيما يسمى بالردع المسبق لمن تحدثه نفسه أن يدوس على طرف ثوب أي دولة نووية.

 

غير أن الثنائي الأمريكي والكوري الشمالي قطعا شوطا لم يقطعه أي زعيم في التاريخ .

 

الكارثة الكبرى أن دولا عظمى مسؤولة مثل الصين وروسيا وحتى اليابان ودول أخرى في أوروبا، تتفرج على السجال النووي بين المجنونين، كما لو أنه مشهد مسرحي كوميدي، يوفر متعة للمتابع وربما مجال استفادة في المساومات الكبرى الجارية بين الكبار، وحين يصل الأمر حدّ المناورة بالسلاح النووي والحديث عن الأزرار كما لو أنها آلة موسيقية يملك الزعماء قدرة على الضغط عليها، وفق المزاج وليس الضوابط الصارمة، فنحن في واقع الأمر نقف أمام كارثة كونية حتى لو لم يضغط الكوري والأمريكي على الأزرار المثبتة على مكتبيهما.

 

ما يدعو للخوف والقلق حد الرعب أن مالكي الأزرار يتّسمان بانعدام المؤهل لقيادة دول عادية صغيرة، فلنترك الكوري الشمالي جانبا لأنه لا يدعي سلطة كونية، ونتحدث عن الأمريكي الذي انقسم شعبه عليه ليس لكونه قويا أو ضعيفا، بارعا أو متوسط البراعة ، بل لأن أكثر من نصف المجتمع الأمريكي بما في ذلك نصف مساعديه يرونه عديم الأهلية ويذهبون إلى اعتباره مجنونا، وإن لم يكن مجنونا رسميا، فسلوكه يثبت التهمة عليه ، ولو وجد في الإدارة الأمريكية والنظام الأمريكي بين من يحول بين إصبعه والزر النووي فسيجد الأمريكيون والعالم صعوبة بالغة في تطويق جنونه على الصعيد غير النووي .

 

لم يحدث في أمريكا ان ابتُلِيَت برئيس لم يتخذ قرارا سليما على مدى سنة من تولّيه لمنصبه، ولم يحدث في أمريكا أن وصل إلى البيت الأبيض رئيس ليس له من وظيفة سوى تدمير إنجاز من سبقه حتى لو كان إنجازا إنسانيا مثل الضمان الصحي الذي فرضه سلفه أوباما، ناهيك عن حماقة قرار القدس التي أقدم عليه رجل يفترض أنه بَشّر بحل النزاع المزمن بين الإسرائيليين والفلسطينيين بصيغة متوازنة عجز عن بلوغها من سبقوه، إلا أنه وبفعل انعدام قدراته القيادية بأبسط مستوياتها، ألقى حجرا في الماء سيعجز هو وغيره  عن انتشاله.

 

كانت أمريكا قبل ترامب نظاما يشتهي مثله معظم شعوب العالم ، أما حين جاء ترامب وزره النووي وقراراته الجنونية، فقد صارت أمريكا كابوسا يرعب الأمريكيين بذات القدر من إرعاب العالم الذي يقضي وقته بين آخر مغامرة لترامب والمغامرة التي تليها ، ومن يحب الاستزادة فليقرأ الكتاب الأشهر في العصر " نار وغضب في البيت الأبيض" الذي ما إن طُرح في الأسواق حتى قرأه مليارات البشر.