السبت  23 تشرين الثاني 2019
LOGO

الرئيس دولار/ بقلم: سامي سرحان

2018-10-16 09:31:21 AM
 الرئيس دولار/ بقلم: سامي سرحان
الكونغرس الأمريكي (ارشيفية)

 

أقترح على الكونغرس الأمريكي أن يتبنى مشروع قرار بإزالة صور جميع الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم الولايات المتحدة عن العملة الأمريكية "الدولار"، ووضع صورة الرئيس الحالي دونالد ترامب على جميع فئات العملة الأمريكية واستبدال عبارة IN GOD WE TRUST  بعبارة IN TRUMB WE TRUST  ، ذلك أن لا أحد من رؤساء أمريكا السابقين وربما اللاحقين يقدس الدولار أكثر من الرئيس الحالي الذي لا يجيد لغة الصفقات والمال والدولار، ولا يعترف بصديق أو حليف للولايات المتحدة إذا لم تخضع هذه الصداقة أو هذا التحالف للمصلحة الأمريكية وتدخل الدولارات على الخزينة الأمريكية، وقد بدأت هذه السياسة بشكل ظاهر وعلني مع شركاء أمريكا في حلف شمال الأطلسي " الناتو"، فطالبهم بزيادة مساهماتهم في موازنة الحلف وهو يقول لهم إذا كانت أمريكا ستدافع عنكم وتحميكم فعليكم أن تدفعوا، وبالفعل دفع الأوروبيون صاغرين وهم يقولون لا يمكن بعد اليوم الاعتماد على الولايات المتحدة في حفظ الأمن الأوروبي.

ولم يتوقف ترامب عند أوروبا والأطلس؛ بل تعداها إلى حلفائها الاستراتيجين كاليابان وكوريا الجنوبية والمملكة العربية السعودية، وقال إن هذه الدول غنية فلماذا يقوم الجيش الأمريكي بتوفير الحماية لهذه الدول؛ عليها أن تدفع..

اللافت أن الإعلام العربي والدولي المقروء والمسموع  والمنظور اجتزأ تصريح ترامب وأسقط كوريا الجنوبية واليابان، وأبقى على المملكة العربية السعودية وأن عليها أن تدفع مقابل  الحماية الأمريكية، واستمرأ  ترامب لغة الصفقات الرابحة سواء على صعيد جلب الدولارات للخزينة الأمريكية أو كسب التأييد الشعبي الأمريكي  في فترة ما قبل الانتخابات النصفية الشهر القادم، حيث إن تصريحه كان حادا من جمهور أمريكي، وخص به المملكة العربية السعودية، إذ قال إن الملك سلمان صديقي  والمملكة العربية السعودية دولة غنية  ولديها ترليونات الدولارات وعليها أن تدفع للجيش الأمريكي مقابل حمايته لها، وبدون حمايتنا لن يستطيع الملك سلمان أن يحمي طائرته التي يتنقل بها لأكثر من أسبوعين، هذا التصريح الصادم لكل عربي أو مسلم سواء اتفق مع المملكة العربية السعودية أو اختلف معها؛ ترافق مع قضية الصحفي السعودي جمال خاشقجي الغامضة الذي دخل القنصلية السعودية في أسطنبول وإلى الآن لم يزل الغموض حول مصيره أكان حيا أو ميتا؟ خرج أو لم يخرج؟ وهل هو من المعارضين أو من الموالين؟ وسيترك الأمر هنا ليقرر فريق عمل مشترك سعودي تركي مصير الصحفي المغيب أو الغائب أو المختفي داخل القنصلية أو خارجها.

حادثة خاشقجي قربت السعودية من تركيا وأزالت مكالمة الملك سلمان مع الرئيس أردوغان بعضا من جبل الجليد الذي يكتنف العلاقات بين الدولتين على غير العادة، فالعلاقات السعودية التركية لم تمر بيوم من الأيام بمرحلة من السوء كما هي عليه قبل هذه المحادثة التلفونية الدافئة والأخوية.

على الجانب الآخر، فإن قضية خاشقجي التي لا تزال حتى الآن لغزا في خانة الاختفاء، باتت قضية سياسية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول التي تناصب السعودية العداء وتتصيد لها الأخطاء أو تنبر لها عبر الإعلام.

لم يعد المواطن العربي قادرا على الوقوف أين تكمن الحقيقة في هذا الكم الكبير من الكذب والمخادعة والتشويه للحقيقة، واستنطاق خبراء ومحللين ورؤساء مراكز البحوث تتضارب آراؤهم في كل شيء، فإذا قال أحدهم علم المملكة أخضر قال الآخر بل هو أحمر، وإذا قال الأول إن خاشقجي لا زال مختفيا قال الثاني إنه قتل وقطع ووزعت أشلاؤه في حقيبة أرسلت إلى السعودية، وفي هذه المعمعة خرج الرئيس ترامب يهدد المملكة العربية السعودية ويقيد دولاراتها، فتوعد السعودية بعقاب شديد إذا ما ثبت تورط المملكة في حادثة اختفاء الصحفي خاشقجي، لكنه لن يقترب من إلغاء صفقة التسلح بمليارات الدولارات التي وقعها مع السعودية حتى لا يمس بالوظائف التي توفرها هذه الصفقة في الولايات المتحدة وسيل الدولارات المتدفق من حسابات المملكة إلى الخزينة الأمريكية.

لقد أغضبت تصريحات ترامب المتتالية المسؤولين في الرياض وأخرجتهم عن صمتهم وطول بالهم على إهانات الرئيس الأمريكي الذي ينطبق عليه القول المأثور "عدو عاقل خير من صديق جاهل".

وهنا يجدر بنا أن نشير إلى أن العلاقات السعودية الأمريكية قد تردت كثيرا في عهد الرئيس السابق باراك أوباما لأسباب متعددة دفعت المملكة العربية السعودية إلى الرد على سياسة أوباما بتوسيع علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع روسيا الاتحادية والصين الشعبية وأحدثت بذلك توازنا في علاقاتها الدولية اكسبتها مزيدا من التأثير والاحترام والطمأنينة.

وربما غالت السعودية في صداقتها مع القادم الجديد للبيت الابيض الرئيس دونالد ترامب ورأت فيه صديقا مختلفا عن أوباما، إذ تقوم سياسته على سياسة مغايرة لسياسة إدارة أوباما السابقة سواء في العلاقة مع السعودية أو روسيا أو إيران أو الشرق الأوسط على وجه العموم، فاستقبلت السعودية ترامب في الرياض بحفاوة بالغة وحشدت له رؤساء أكثر من خمسين دولة عربية وإسلامية، وعقدت معه صفقات تجاوزت قيمتها 450 مليار دولار، ما أذهل ترامب وأفقده صوابه، لكنه فتح شهيته  لالتهام أموال السعودية والعرب والغرب جميعا.

لم تطق السعودية الصبر على الرئيس ترامب وإهانته، وخرج أخيرا مصدر سعودي مسؤول  يؤكد أن أي إجراء ضد المملكة سيتم الرد عليه بإجراء أكبر، ويرفض أي تهديد بفرض عقوبات اقتصادية على خلفية قضية المواطن المختفي خاشقجي ويؤكد متانة الاقتصاد السعودي وتأثير هذا الاقتصاد في النظام الاقتصادي العالمي.

ويبدو أن جشع ترامب واستخفافه بأصدقائه وأعدائه والنظام الدولي والأمم المتحدة والشرعية الدولية والقوانين والاتفاقات التي تنظم العلاقات الدولية؛ تدعو إلى القلق وعدم الركون إلى صداقة أمريكا ووعودها طالما تخضع العلاقات معها إلى مزاج رجل واحد عديم الخبرة سوى في الصفقات ويخضع لتأثير ابنته وزوجها كوشنر مستشارالرئيس الذي يحب إسرائيل كثيرا،  وفق ما صرح به الرئيس، حتى إن ما اقترحه من حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي أطلق عليه اسم صفقة القرن، وهي صفقة من نسج خيال مستشاريه الصهاينة وأولهم صهره كوشنر ومعلمهم بنيامين نتنياهو، ولا نجد غرابة عندما نشهد على جوانب الصفقة التي أسقطت القدس وقضية اللاجئين وقطع المساعدات الإنسانية للمستشفيات في القدس الشرقية وكذلك قطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية والأونروا.

ولا شك أن اختفاء خاشقجي أحدث زلزلة في المنطقة، تحاول إدارة ترامب الاستفادة منها والسطو على ثروات الدول العربية وحساباتها في البنوك الأمريكية، غير أنها في المقابل أذابت شيئا من جبل الجليد في العلاقات السعودية التركية، وتضامنا عربيا وإسلاميا واسعا مع المملكة العربية السعودية في وجه التطاول الأمريكي، ودفنت صفقة القرن التي حاولت إدارة ترامب فرضها على الشعب الفلسطيني وقيادته، وربما تنتهي ارتدادات هذه الزلزلة بلفته من الملك سلمان وولي عهده نحو إيران الجار التاريخي للوطن العربي وفتح صفحة جديدة في العلاقات المتوترة بين الجانبين، ورد المخططات الأمريكية التي تستهدف  المنطقة وخاصة إيران وما يلوح في الأفق من استهداف للملكة العربية السعودية ومكانتها العربية والإسلامية والدولية واحتواء الخلاف مع إيران، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، فمصلحة شعوب المنطقة توجب تضامن دولها وتوحيد مواقفها لمواجهة ما يستهدف منها واستقرارها ورفاه شعوبها.

ليست أمريكا ترامب قدر العالم وليس دولار ترامب ما يجب أن يتحكم في اقتصاد العالم، وليكن الدولار الأمريكي باهتا عندما يحمل صورة الرئيس ترامب والثقة فيه.