الإثنين  20 أيار 2019
LOGO

اشتية والحكومة وما بعدها

2019-04-27 09:01:52 AM
اشتية والحكومة وما بعدها
رولا سرحان

 

لعل أبرز عنوان رئيس يمكن من خلاله إدراج مجموعة من التحديات التي تواجه الحكومة الثامنة عشرة برئاسة د. محمد اشتية هي تلك العلاقة ما بين "المتصور/ المتخيل" و"الواقع/الحقيقة". ورغم الترحيب الحار الذي أبداه الكثيرون لترأس د. اشتية الحكومة الحالية، غير أن الأمر لا يجب أن يُغفَل تقديره أو يُساء فهمه، أنه لن يأتي أسوأ  مما مضى، رغم أنني لم أكن أرغب في توجيه أي نقد لرئيس الحكومة السابقة د. رامي الحمد الله وهو خارج منصبه الرسمي، إلا من قبيل الحكم على مرحلة امتدت ست سنوات، وغيرت الكثير في المشهد الفلسطيني: اجتماعياً وإعلامياً وسياسياً واقتصادياً، رغم أنها، في كثير من الحالات، ما كانت إلا استكمالاً لتبعات سياسات الحكومات السابقة.

لكن ما جعل من حكومة الحمد الله، تعاملُ بكل ذلك النقد والتقريع اللاذع، بعد رحليها، ليس تاريخاً طويلاً من الفساد ولا نهج سياسات متضارب؛ إذ مرَّت حكومات فلسطينية قيل إنها كانت أكثر فساداً، وأكثر تكريساً للشرذمة السياسية، لكنها، مع ذلك، لم تكن عرضة لانتقادات مشابهة لأنها كانت أكثر حكمة ودبلوماسية في التعاطي مع قضايا الإعلام والرأي العام؛ وهو ما أساء الحمد الله تقديره حين عادى الإعلام، وقيده، واتخذ إجراءات قانونية حدَّت من حرية التعبير عن الرأي: فمثل الصحفيون أمام القضاء، واعتقلوا من قبل الأجهزة الأمنية؛ ومن وجهة أخرى، شهدت مرحلته احتجاجيين كبيرين تمثَّلا في اضراب المعلمين، والمسيرات التي أسقطت قانون الضمان الاجتماعي.

قد يكون اشتية أكثر حصافة في فهم المسألة، وإدراك آلية تعاطي الحكومة السابقة مع قضايا الرأي العام. فقد حظي بذكاء سياسي أهَّله لترأس الحكومة الحالية، في ظل توازنات قوى مشوشة داخل حركة فتح، وامتلك ذكاءً إعلامياً يبدو، حتى اللحظة، مثار إعجاب وتقدير، لكن دون إثارة أو تشويق. ولأن المراهنة على ذاكرة الجماهير كالمراهنة على ذاكرة السمك، قليلة المخزون-قصيرة المدى، فإن سير اشتية على قدميه إلى مقر حكومته، أو سفره في فئة الدرجة الاقتصادية على الطائرة، لا يعني شيئاً بالنسبة إلى شعب يُطالب بأبسط حقوقه من قيادته، ويُرتبها حسب أولوياته: القدرة على الكلام، تليها القدرة على المطالبة بخبز يومه.

هنالك إجراءات عملية أساسية ستسجل للحكومة برئاسة اشتية محلياً ودولياً وترفع من رصيده، وفق مؤشر صحيح لا وفق ردود فعل عشوائية ومغالية في التصفيق والترحيب. ولعلَّ أبرزها إعلانه عن إلغاء قانون الجرائم الإلكترونية المنافي لكل الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي انضمت لها دولة فلسطين، ومن أبرزها: الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية؛ والاتفاقية الدولية للحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. هذا فضلاً عن إعلانه وقف كافة أشكال الاستدعاء والتوقيف على خلفية التعبير عن الرأي؛ عدم قبول القضايا المرفوعة ضد الصحفيين والناشطين من قبل النيابة؛ وعدم قبول النظر في الشكوى المقدمة ضدهم.

تتاح للدكور اشتية، حالياً، فرصة ذهبية تسخر له إمكانيات اجتذاب عوامل النجاح لتحقيق طموحه السياسي، ورصف طريقه لما بعد الوزراة إن هو أدرك أنها مثلما كانت محرقة لسابقَيه (الحمد الله، فياض)، فإنها كانت سبيل الوصول لآخرين (الرئيس عباس).

الحكومة إما أن تكون دافعة رافعة، وإما خافضةً قاطعة.