الإثنين  16 كانون الأول 2019
LOGO

هل تستعد أوروبا لبناء جيشها الخاص في ظل التراجع الأمريكي؟

2019-09-11 11:39:59 AM
هل تستعد أوروبا لبناء جيشها الخاص في ظل التراجع الأمريكي؟
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل

 

الحدث - جهاد الدين البدوي 

نشرت مجلة الوفرين بوليسي مقالاً لمدير مركز السياسة العالمية في واشنطن، عظيم إبراهيم والذي تحدث فيه عن إمكانية الاتحاد الأوروبي بناء جيش في ظل تراجع القوة الأمريكية عن أداء التزاماتها الأمنية والعسكرية في العالم وأوروبا على وجه الخصوص.

تحدث الباحث عظيم إبراهيم أن هواتف البيت الأبيض لم تتوقف عن الرنين لتهنئة الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب. وفي ذات الوقت لم تعد الترامبية مجرد انحراف سياسي عن النظام الطبيعي، بل هي اتجاه سياسي جديد، فالرئيس ترامب مصمم على مواصلة سياساته بقوة متجددة وضمان إرثه الراسخ في هذا العالم الجديد. عالم لم تعد فيه الولايات المتحدة ترغب في أن تبقى "شرطي العالم". عالم أعلن فيه رئيس أمريكي أن الناتو، الذي يعد حجر الزاوية في سياسة الدفاع الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، قد فات. عالم يستخدم فيه عدم الاستقرار السياسي كأداة ضغط لاستخراج المساهمات النقدية أو التنازلات التجارية من الحلفاء "الاسميين". عالم تعتبر فيه القاعدة السياسية لرئيس الولايات المتحدة الكرملين حليفًا وصديقًا أقرب من أي أمريكي في حزب سياسي مختلف.

يتابع إبراهيم القول: قبل أربع سنوات كان هذا بمثابة فرضية ضئيلة للغاية لفيلم خيالي يقدم تاريخ بديل. لكن اليوم، هذا العالم أصبح حقيقياً جداً. ويفكر الزعماء الأوروبيون بالفعل في كيفية التعامل مع سيناريو يواجهون فيه تجدد إمبراطورية في الشرق، وقوى عظمى باهتة - لم تعد صديقة- في الغرب. في ظل هذه الظروف، يمكن أن يظهر جيش أوروبي حقيقي لأول مرة.

ويذهب الكاتب في رؤيا لأوروبا في سؤال افتراضي غاية في الأهمية في عالم ما بعد أمريكا، هو مكان الناتو، الذي يراه إبراهيم تجسيداً عصرياً للحلف الديلي في اليونان القديمة،  مشيرًا إلى أن الواقع السياسي بعد الحرب العالمية الثانية تطلَّب من الولايات المتحدة، بصفتها "زعيم العالم الحر"، أن تقدم حلف الناتو تجسيدًا لمثل هذا التحالف الذي يرتكز على المنفعة المتبادلة بين الشركاء المتساوين. لكن الولايات المتحدة، مثل أثينا، كانت القوة العسكرية المهيمنة في هذا الترتيب بفارق كبير، ما جعلها قادرة على اتخاذ كل القرارات التي من شأنها التأثير في المشهد برمته.

ويرى الكاتب أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تريد أن تدفع مقابل إمبراطوريتها بعد الآن. إنها تعتقد أن الوقت قد حان للاستفادة من الصرح الذي بنته الأجيال السابقة، حتى لو كان هذا -أو ربما بشكل خاص– يؤدي إلى تدميره في هذه العملية.

ويضيف الكاتب أن خسارة أوروبا لن تكون مكسب للولايات المتحدة، وبالتالي فإن هذه اللعبة لم تكن محصلتها صفراً كما اعتاد صناع السياسة في الولايات المتحدة، حصلت أوروبا على السلام وبناء الديمقراطية الاجتماعية، وفي المقابل اكتسبت الولايات المتحدة أسواقاً مزدهرة ، وسلطة سياسية، ومنطقة عازلة عسكرية كبيرة ضد روسيا مما يعني أن قلب الولايات المتحدة لن يكون تحت التهديد المباشر، بصرف النظر عن الأمور الأخرى التي قد تحدث في العالم. وقد قوضت تصريحات ترامب كل ذلك.

لا يزال لدى الولايات المتحدة قواعد عسكرية في جميع أنحاء العالم، وعمليات انتشار عسكرية مهمة للقوات على الحدود الشرقية لحلف الناتو؛ لذلك لا يزال بإمكانها –على سبيل المثال- التدخل لوقف العدوان العسكري المباشر ضد أعضاء الناتو من روسيا الصاعدة. ولا يزال بوسع واشنطن أن تختار فرض القوة في المنطقة كما تشاء. ولكن إذا كانت دول الناتو الأوروبية لا تستطيع أن تعرف على وجه اليقين أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك في أي ظرف من الظروف، فعليها الآن أن تبدأ التفكير بجدية في الدفاع عن نفسها. ويضيف الكاتب أن ترامب منح أوروبا استقلالها السياسي، واستوعب الزعماء الأوروبيون، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الواقع الجديد بسرعة من شأنها أن تنذر صناع السياسة في واشنطن.

ونوه الكاتب أنه لطالما تطمح بعض الأوساط الأوروبية، التي كان أبرزهم في دوائر الدفاع الفرنسية، إلى قوة عسكرية قارية قوية بما يكفي لمنح أوروبا درجة من الاستقلالية في الشؤون العالمية تتناسب مع عدد سكانها ومستوى التنمية الاقتصادية.

ويشير ابراهيم أن فرنسا قاومت إغراء الاعتماد أمنيًّا على الأمريكيين طوال الوقت، وحافظت على درجة فريدة وصريحة من الاستقلال حتى داخل الناتو. وتمتلك فرنسا صناعة أسلحة محلية متطورة للغاية، وتدير مهامها وعمليات نشرها، ولا سيما في أفريقيا الفرنكوفونية، دون أن تطلب الإذن من أي شخص لفعل ذلك، فالجيش الفرنسي لا يخوض حربًا في أي مكان بشكل رسمي أو غير رسمي، وتنسق فرنسا مشاريع الدفاع الأوروبية حيث تفتقر وحدها إلى القدرة على دعم قطاع بأكمله، كما في حالة القوات الجوية (إيرباص) والفضاء (وكالة الفضاء الأوروبية).

ويؤكد الكاتب أنه لا يجب أن يكون مفاجئاً أن تكون فرنسا أول من دعا إلى تشكيل جيش أوروبي. الجديد هو أن معظم دول أوروبا الغربية تتفق مع هذا الطرح، والأهم من ذلك أن ألمانيا موافقة على ذلك. توافق ميركل ويوافقها وزير الدفاع الألماني السابق والرئيس الجديد للمفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لين، ويوافق خليفة ميركل في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في وسط اليمين، ويوافق حزب يسار الوسط الرئيسي في ألمانيا. موافقة هذا الأخير غير اعتيادية بشكل خاص - كان اليسار في ألمانيا الغربية هو الأكثر معارضة لأي شيء عسكري، لأسباب تاريخية واضحة. لكن الجيش الأوروبي سيتيح لألمانيا إبراز قوتها دون الدخول في الفوضى الدستورية والسياسية المتمثلة في إعادة تشكيل الجيش الألماني نفسه، وهي قوة دفاع صارمة عن النفس.

ويقول الكاتب: "هناك تقسيم تقليدي للأدوار. فرنسا هي العضلات، ألمانيا هي المال. واتحاد الاثنين يغير قواعد اللعبة."

ويرى الكاتب أن فكرة انشاء جيش أوروبي موحد لا يزال بعيد المنال عن كونه اتفاقاً منتهياً، وتكمن المشكلة الرئيسة في اختلاف وجهات النظر على المشروع الأوروبي، كان البعض، مثل البريطانيين، ينظرون إليه دائمًا على أنه مشروع اقتصادي أولاً وقبل كل شيء، ولطالما رأى آخرون أنه مشروع سياسي هدفه الرئيس هو السلام في القارة  وحيث يكون التكامل الاقتصادي مجرد وسيلة لتحقيق هذه الغاية. بالنسبة للبعض، يعد الاتحاد الأوروبي مجرد منصة للتعاون بين الدول القومية ذات السيادة. وبالنسبة للآخرين، لا يمكن تحقيق درجة معينة من السيادة الحقيقية إلا عندما تجمع الدول القومية الصغيرة في أوروبا صلاحياتها القانونية معًا لتحقيق قوة ونفوذ حقيقي على الساحة العالمية.

هذه مشكلة. إن تشكيل جيش أوروبي هو نتيجة لواقع السيادة الوطنية للدول القومية في أوروبا مثلما هو أيضاً انسحاب الإمبراطورية الأمريكية من القارة.

ويضيف الكاتب أن أولئك الذين ينظرون إلى الدولة القومية كوحدة طبيعية للسيادة سيكونون حذرين للغاية من نطاق وقدرة أي جيش أوروبي مقترح. في الواقع، فإن الطريقة الوحيدة لتشكيل مثل هذا الجيش الذي لن تؤثر على السيادة الوطنية هي احتفظت الدول الأعضاء بقواتها المنفصلة مع الاستقلال التشغيلي الكامل،ـ وألأن يكون لكل دولة حق النقض (الفيتو) على أي شيء قد ترغب القوة الأوروبية في فعله.

ويرى الكاتب أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يحمل بشرى سعيدة كونها لن تمتلك حق الفيتو ضد تشكيل جيش أوروبي موحد، مما يزيد من احتمال نجاح الجهود في هذا المجال، لكن بريطانيا بالكاد هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي تحمي سيادتها الوطنية الاسمية بسياج من الغيرة. ومن المرجح أن تسعى بولندا والمجر إلى عرقلة هذه المبادرة ما لم تكن تتمتع بحق النقض (الفيتو) في المسائل التشغيلية. وربما تنضم إيطاليا قريبًا إلى مجموعة المشككين.

ولكن إذا تم القيام بذلك بهذه الطريقة، فسيكون الجيش الأوروبي مشروعًا بلا معنى إلى حد كبير. إذا كانت السياسة الدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي مفصلية لقيادة الجيش الأوروبي، فيتحتم أن تكون هذه السياسة تابعة للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، وبالتالي ضعيفة وغير فعالة ومجزأة.

ويوضح الكاتب أن اتخاذ القرارات الجماعية، مع اضطرار 28 دولة للتوصل إلى إجماع على اتخاذ إجراء في أمور حساسة، مثل الحرب والسلام، ليس وصفة لاتخاذ إجراءات سريعة وفعالة.

فما مدى احتمال تصويت دول مثل السويد أو فنلندا للحرب في أي ظرف من الظروف، دون وقوع غزو روسي مباشر؟ ثم ستكون هناك صراعات وطنية حتمية حول كيفية إجراء العمليات: كل دولة تريد تجنب أن تخدم قواتها على خط المواجهة، وستسعى كل دولة إلى أن تكون هي الجهة التي تقدم الدعم الفني المتقدم، من مسافة بعيدة.

ويوضح كاتب المقال أنه مع ذلك لا يمكن لحكام الإمبراطورية الأمريكية في البنتاجون الاسترخاء؛ لأنه في حين أن الدافع الأول للأوروبيين أنفسهم هو محاولة تشكيل جيش أوروبي ضمن الإطار المؤسسي للاتحاد الأوروبي، فلا شيء يتعلق بصلب المشروع يتطلب هذا. وعندما يتعلق الأمر بذلك، من غير المرجح أن يدع الجيش الفرنسي- الألماني بودابست تقف حجر عثرة في الطريق.

ويتابع الكاتب القول: أنه سيتطلب تشكيل جيش أوروبي بموجب الترتيبات المؤسسية للاتحاد الأوروبي تغييرات في معاهدة الاتحاد الأوروبي، والتي يجب أن توافق عليها جميع الحكومات والهيئات التشريعية في 28 دولة، وربما يتعين عليها الحصول على موافقة من عدد قليل على الأقل من الاستفتاءات العامة. بناء الجيش من خلال هذا المسار هو بالفعل مستحيل. وإذا نجح ذلك، كما رأينا، فإن الحلول التوافقية اللازمة لإقناع جميع أصحاب المصلحة بالمشاركة ستجعل المشروع بأكمله بلا فائدة إلى حد كبير.

لكن فرنسا وألمانيا وقعتا بالفعل معاهدة أولية تهدف إلى بناء "ثقافة عسكرية مشتركة" في يناير، وكان ذلك مختلفًا تمامًا عن أي شيء يتعلق بالاتحاد الأوروبي. لذا فإن القوتين الأوربيتين الأساسيتين قد حركتا الأمور بالفعل.

ولا شك في أن دول أوروبا الغربية الأصغر مثل بلجيكا وهولندا ولوكسمبورج ستتطوع للانضمام إلى أي مبادرات فرنسية ألمانية أثناء تطورها في الممارسة، وقبل وقت طويل، سينضم معظم أعضاء الاتحاد الأوروبي، بينما يحقق المشروع مكاسب ويثبت مصداقيته. وقد يدمج ذلك في نهاية المطاف في الاتحاد الأوروبي، لكن هذا اعتبار ثانوي فيما يتعلق بجعله حقيقة واقعة.

ويختتم الكاتب مقالته بالقول: ما نزال في الأيام الأولى، ولكن الإرادة السياسية موجودة الآن لتحقيق كل هذا. وطالما استمر التصعيد الروسي في الشرق، واستمرت الولايات المتحدة في كونها صديقًا غير موثوق به في الغرب، فإن هذا التصميم سوف يستمر. إذا استمر ذلك لفترة طويلة بما فيه الكفاية، فلن تكون أوروبا مجرد قارة. ستكون قوة عسكرية تضاهي نفوذها الاقتصادي.