الأحد  15 كانون الأول 2019
LOGO

متخاصمان: بقلم محمد عدوان

2019-11-14 01:36:52 PM
متخاصمان: بقلم محمد عدوان
محمد عدوان

 

 كان معروفاً عن الرئيس المرحوم أبو عمار منذ سنوات خلت وقبل ظهور الإنترنت، بأنه كان لردحٍ من الزمن رجل المعلومات الأول عالمياً، وكان من أوائل رؤساء العالم الذين يمتلكون جهاز الفاكس، الذي كان برفقته في حله وترحاله، برا وجوا، وكان الفاكس لا يتوقف ليلاً ولا نهارا عن استقبال وإرسال المعلومات والتقارير. وكان الرئيس الراحل قد أهدى منه اثنين من الرؤساء الذين فتحت أعينهم وأفواههم على الواسع قدرة: ما هذا يا أبو عمار؟!!

وذات يوم، في حرب طرابلس عام 1983، رافق مصور صحفي فرنسي الرئيس عرفات أيام الحرب، وكان مستهجناً ومستغرباً أن هذا المصور لم يلتقط صوراً للرئيس في الميدان أو في مكتبه، إلا صورة واحدة تثاءب الرئيس لحظتها! هذا الصحفي الفرنسي عرض حياته لخطرٍ آنذاك داهم ووشيك للوصول إلى ما ظنه الحقيقة، وهي أن الرئيس عرفات قد تعب من الحرب.

كما الحكمة ضالة المؤمن، فإن الحقيقة هي ضالة الصحفي، وكلاهما يحتاجان التعب والمثابرة. إن الإعلام المسؤول هو الذي يبحث عن المعلومة الحقيقية، ولا يكون مسؤولاً ألا إذا تسلح بعلم الصحافة. قال حكيم فلسطيني ذات مرة: "الحقيقة هي طريقنا إلى النصر".

خلال عملي الرسمي في أحد أهم مواقع السلطة الوطنية الفلسطينية – الدولة، كنت على تواصلٍ يومي مع الصحفيين، وكانت المسألة دوماً: هل المطلوب أن يكون الصحفي وطنياً أم مهنياً؟ وهل ولاء الصحفي لقضيته أم لحزبه أم لوكالته مصدر رزقه؟.

مصطفى الصواف وهو من قيادة الصف الثاني في حماس الآن، كان صحفياً في جريدة الفجر آنذاك، كتب خبراً رئيسياً في الصفحة الأولى عن احتفال لحماس مع صورة (مئات الآف المواطنين يحيون مناسبة .....) فاتصلت به وطلبت منه الحضور إلى المكتب، وقلت له: مئات الآلاف يا رجل؟ لم يكن العدد أكثر من 40 ألف. من طلب منك زيادة الرقم؟ لم يجب ولكن الجواب كان واضحاً من ميوله الحزبي، وكذلك يفعل كل الصحفيون المتحزبون، وهنا لا بد من الذكر أن بعض الصحافيين يدفعون أحياناً ثمن التناحر السياسي والأمني والحزبي والإيديولوجي لا سيما في قطاع غزة. إن الأولى التحزب للمهنة وللحقيقة، حتى لا يُساء فهم الصحفي وحتى لا يؤخذ مأخذ عدم المصداقية والاحترام. فالصحافة مسؤولية، وهي أمانه في عنق الصحفي.

وكنت أحياناً أتعامل ببعض المعلومات التي هي حق للجميع بطريقة انتقائية، وأختار الصحفي الأكثر قدرة على استيعاب الهدف من وراء تلك المعلومة والأكثر خبرة وانتشارا، وذلك بحسب الفئة المستهدفة، بمعنى خبر ما مهم، كنت أعطيه أولاً لرويترز أو فرانس برس أو مثيلاتها، ومن ثم بعد ساعة أو أقل أعطيه لمراسل محطة محلية ما في إحدى المدن الفلسطينية. وليس تقليلاً أبداً من شأن بعض المحطات الصغيرة، ولكن هدفي نشر رسالتي بصياغة مهنية عالية وعلى أوسع نطاق. إن الخبرة والتخصص هما الطريق الأسرع والأفضل للوصول إلى المعلومة.

وُصف الصحافيون بأنهم "جواسيسٌ مرخصون" هو وصف المتوجس، وهو وصف وإن كان مجحفاً، بليغ. ووصف الصحافيون على أنهم كتيبة قتالية أولى حسب وصف أحد مستشاري الرئيس أبو عمار أثناء الحصار.

وبطبيعة الأمور، صاحب المعلومة يخشى عليها من الجاسوس، ولكن الجاسوس هو القادر الوحيد على التعامل مع المعلومة وإيصالها إلى مرادها. إذن لا مناص من التعامل وإن كان حذرا في حالات غير قليلة. وهنا يجب أن تتوفر الأمانة في الجاسوس المرخص! أمانة الجاسوس يجب أن تكون بقدر ثقة صاحب السلطة- المعلومة، بحيث لا يتصرف مالك المعلومة الجديد تأويلاً أو تحريفاً أو اجتزاءً أو تأخيراً.

وهناك، قليلٌ من الصحافيين من يولي وجهه وقلمه وكاميرته قبلة وكالته الأخبارية، مصدر رزقه الغث، وهذا القليل بئيس وليس أميناً على قضيته ومهنته. وحدث أن أحدهم رافقني في رحلة إلى شيكاغو في زيارة لمركز بيو (لاستطلاعات الرأي) الشهير أواخر التسعينات، وكان هذا الصحفي يحرجني مدحاً في السلطة ونحن في الوطن، إلا أن الرجل تغير هناك، نظر لي بنظرات غريبة وراح يقدح ويذم في تجربة السلطة بلغة إنجليزية ملكونة. شعرت بالذهول، وقلت له لا ينفعك وجهان، لمن تكنّ ولاءك؟ قال: (هدول اللي بقبضوني مش سلطتك)، عدنا إلى الوطن وقال: (الأمريكان بحبوا هاد الكلام أنا ما بقصد!)، قلت له إذن خسرت الطرفين عاجلاً أم آجلاً. ومنذ ذلك الوقت لم أثق يوماً بأنه صحفي أو جاسوس مرخص ومهني.

المهنية، والولاء للحقيقة المجردة هما عاملان مهمان في عمل أي صحفي، وهناك عدمية المهنية والولاء للخارج، وهذا لعمري هو هاجس كل سلطة في العالم، وليس مهماً إن كانت سلطة ديمقراطية أو سلطة بينوشيه. وبشكلٍ عام فإن أي سلطة تتوجس حين تكون الصحافة على مقربه، والحال أن صاحب السلطة- المعلومة يريد ستر المستور إلى حين، فيما يتربص الصحفي لكشف المستور، وهذا حال العلاقة غير السوية بين أي سلطة وأي إعلام في عالمنا الثالث. فيما يفترض المنطق تعاونهما، فأي سلطة بحاجة لإيصال رسالتها، وتنقية سمعتها، وأي صحفي بحاجة للتمكن من خلال الحصول على المعلومة. إذن لا بد من جسر الهوة التي هي أصغر من حاجة الطرفين لبعضهما البعض.

 

الصحافيون الفلسطينيون في سوادهم الأعظم؛ وطنيون ومخلصون لوطنهم، وكثيراً ما غابوا عن عائلاتهم وأطفالهم وتعرضوا وأصيبوا واستشهدوا في سبيل نقل معاناة شعبهم، وإسقاط القناع عن المحتل الإسرائيلي. وبالتأكيد ندين لهم بالوفاء والعرفان، فهم هنا بحق الكتيبة القتالية الأولى.

عندما زار الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن رام الله، وفي المؤتمر الصحفي (الأكبر في حياتي المهنية) كان المجال مفتوحاً لأربعة أسئلة. وكانت قناة الجزيرة آنذاك تشن حملة شعواء على السلطة الفلسطينية، اخترت وليد العمري ليطرح سؤالاً على الرئيس بوش، الأمر الذي جلب لي نظرات قاسية وامتعاض مبطن، وسأل وليد سؤالاً رائعاً تلعثم الرئيس بوش في نصف الإجابة الأول وتهرب في الجزء الثاني. قال لي الأخ الطيب، الطيب عبد الرحيم أمين عام الرئاسة الفلسطينية، "أنت بتفهمش سياسة"؟؟ وبعد يومين استدعاني وقال: أحسنت، سؤال وليد كان ممتازاً. في عالم الصحافة كما عالم السياسية لا صديق دائم ولا عدو دائم. ولكن للنهوض والمضي قدما نحو علاقة سوية، لا بد من وضع آلية واضحة وجلية للتعاون والتعامل بين الصحافة والسلطة الوطنية بجميع مكوناتها.

وعليه، فإن الحل الأفضل هو صدور قانون الحق في الوصول إلى المعلومة، ولكن ليس أي معلومة، وإن برز مثل هذا القانون للسطح، فعليه أن لا يصبح مطية لأي شخص يسمي نفسه صحفيا، وبتصوري يجب أن يُحدد من هو الصحفي بدقة، ذلك أن المعلومة أمانة المؤتمن عليها. وهذا يتطلب جهداً مشتركاً. ولكي يكون الصحفيون جديرين بمثل هذا القانون- فيما هو حق طبيعي- فإن عليهم تطوير ثقافتهم المهنية والتخصصية والأدائية، وهذا يقود إلى طرح الأسئلة التالية وباستهجانٍ واستنكار:

لماذا تغفل ولا تحرص المؤسسات الصحفية المحلية على تعليم صحفييها، ولا تحصنهم بالتخصص المطلوب؟ لماذا لا ترسلهم للجامعات والدورات ليغتنوا بالتخصص؟ فلماذا لا يكون لهذه المؤسسات المراسل الدبلوماسي والمراسل القانوني والعسكري والرياضي والاقتصادي؟ مثلما هو الأمر مع المؤسسات الصحفية الإسرائيلية والغربية.

وإلى متى يبقى الصحفي ذاته هو الذي يغطي المؤتمرات الصحفية للرئيس، و يغطي معرض إكسبو ويغطي مباراة المنتخب الفلسطيني مع المنتخب السعودي وحفلة محمد عساف، وهو ذاته يغطي المواجهات مع قوات الاحتلال! فرضاً، يُعقد مؤتمر صحفي مهم في رئاسة الوزراء وبنفس الوقت حدث آخر في مكان آخر، فيذهب مراسل إلى الحدث ويذهب المصور لرئاسة الوزراء.. فكيف تؤمن الدائرة الإعلامية في رئاسة الوزراء أن هذا المصور سيوصل الرسالة بشكل كامل ومهني؟ وهو الذي لا يجيد إلا التصوير؟ وهذه حالات تتكرر بشكلٍ شبه يومي في أحداث فلسطين. إن غياب التخصص الإعلامي يؤثر على رسالة السلطة بكل تأكيد، ولا يوجد أي صحفي أحاط بكل موضوع علما.

لماذا تهمل وبشكل تام الوكالات الصحفية الأجنبية التي لها مراسلون هنا في فلسطين تعليم مراسليها وتمكينهم من التخصص على غرار حال مراسلي نفس الوكالات في دول أخرى؟ أم أن ما يهمها هو الصورة من هنا، أما الصياغة فلها فيها حرية التأويل الحتمي بواقع الفوارق الثقافية والتوجهات السياسية؟

من ناحية أخرى يجب الاعتراف بأن أجهزة السلطة الوطنية كافة تقوم بجهود متواصلة لتطوير أسلوب التعامل مع الصحافيين، وذلك من خلال دورات وورشات عمل تثقيفية وتعليمية شاركت أنا في جزء منها إلى جانب بعض الصحافيين الذين ساهموا في إثراء هذا الجهد المحمود.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن عدداً كبيراً من الصحافيين الفلسطينيين الذين نالوا جوائز دولية نظراً لتفوقهم وتألقهم المهني، وعددهم أضعاف أمثاله في كثيرِ من الدول. إنني أنحني احتراماً لهم وأنحني إجلالاً للكتاب وأصحاب القلم والصحافيين الفلسطينيين الذين قضوا دفاعاً عن الحق ورسالته وصورته، وإكراماً لهؤلاء جميعاً يجب أن يُسار إلى إصدار قانون حرية الوصول  إلى المعلومة.

وليس قبل ذلك يتلاشى الخصام وتتضح الطريق وُتثبت المهنية والأمانة والتعاون والمصلحة المتبادلة.

محمد عدوان