الأحد  15 كانون الأول 2019
LOGO

الصراعُ على الحقيقة بين الإعلامِ والاحتلال

2019-11-18 05:32:15 PM
الصراعُ على الحقيقة بين الإعلامِ والاحتلال
رولا سرحان

 

يهطلُ المطرُ على الطيبِ

وعلى الشرير

ولكنه يسقُطُ على الطيبِ أكثر

لأن الشرير قد أخذ مظلة الطيب

وفي حالة الصحفي معاذ عمارنة، أخذ الشريرُ عينهُ أيضاً، وهنا في ملحمة "أنشودةِ الله"، للشاعر الجاوي ماهبهارتا، تمثلُ أمامنا الحقيقةُ ضمن مستويين، الحقيقةُ الظاهرةُ للعيانِ والحقيقةُ الأخرى؛ ما فوق الحقيقة، والتي هي في كتاب المصطنع والاصطناع لجان بودريار، اختفاء الواقع ونشوء ما فوق الواقع، فالشريرُ الذي يُريدُ أن يأخذ حصتةُ من اللامطرِ من حصة الطيبِ، فيسرِقُ مظلته، يُنشئ حالةً غير طبيعيةٍ، فوقَ حقيقية، لكنها تكملُ مكانها، في النهايةِ، حين يأخذ الطيبُ حقه كاملاً من أصلِ الأشياء، بصفةِ كمالها الأولى، غيرِ المُشيَّئةِ وغير المسلعة.

تعاملَ الاحتلالُ مع عين معاذ، كما يتعاملُ مع الحقيقةِ، أنها شيءٌ، قابلٌ للاستهدافِ والتسليعِ والتشييئ، لأن الظروفَ مهيأةٌ له لخلقِ السلعةِ، وخلقِ ظروفِ فنائها؛ اقتناصَ اللحظةِ وإعادةَ إنتاجها، لكن في معادلةِ اقتناصِ العين هنا وإعادة إنتاجها دونَ عين، إنما تؤسس دائماً للمعنى الأصلي، لا لراهنية اللحظة ونتائجها. ذلك، لأنها تُعيدُ تعريفَ معايير الأصلِ وما فوق الأصل؛ الأصل والنسخة، الحقيقةِ وما فوق الحقيقةِ، فتُعيدُ التأكيدَ على أسماء الأشياء بما تُشكله علاقاتياً لبعضها البعض؛ أي علاقة الصورةِ بالنسخةِ بالأصلِ بالرمز باللغةِ بالوجود بالكينونة، وببساطةٍ هي: قناصٌ، في عمليةِ قنصٍ، بفعل إصرارٍ، وترصدٍ، من موقعِ سيطرةٍ على المكانِ، المتأتي من القوةِ، التي لدى جندي، هو ضمن جيشٍ مستعمرٍ، يقفُ أمام عينٍ، يُقررُ اقتناصها، لأنها عينُ صحفي، ترى كل العلاقةِ تلك: مستعمِرٍ يقفُ أمام مُستَعمرٍ في لحظةِ اتخاذ قرار تأصيلِ شكل العلاقة.

فأوديب، في تراجيديا، سوفيكليس، (أوديب ملكاً)، وفي مسعاه، نحو البحث عن الحقيقة الكبرى؛ حقيقتهِ هو، أطلق منظومة آليات كشفِ الحقيقة، والتي من أهمها، المقدرةُ على اتخاذ القرار. يقول أوديب: "إذا أسرعَ خائنٌ نحوي في الظلام، فيجب علي أنا أيضاً أن أسرع في اتخاذ قرار. أما أن أقف هناك بغير أن أفعل شيئاً، فإن الضربة تصيبُ الهدف، بينما ضربتي تطيش."

وتشملُ مقولةُ أوديب شروط اتخاذ القرار الصحيح للوصولِ إلى الحقيقةِ توفر ظروفاً معاكسة، أهمها: وجود حالةِ خللٍ أخلاقي؛ مُعرفةً بالخيانةِ هنا. والخيانةُ المقصودةُ والمضمرةُ، هي: خيانةُ الحقيقةِ بالأساس، وتتدرج مراتبها وتتصاعدُ بحسبِ تدرجِ حالتها وظروفها الذاتية والموضوعية، فالكذبُ بهذا المعنى خيانةٌ لحق الناسِ في معرفةِ الحقيقة؛ والإدلاءُ بالمعلوماتِ للعدو، هي خيانةٌ للهويةِ التي تتطلبُ الانتماء؛ والسرقةُ من البيتِ هي خيانةٌ لإئتمانِ أهلهِ، وزنا المحارم، هي خيانةٌ لروابط الأسرةِ وقداستها، واقتناصُ عينِ معاذ هي خيانةٌ لفكرةِ الحرية القائمة على الأصلِ والحقيقة.

لذا، فإن ما بين إحراز الهدف، أو ضياع الفعلِ في ضربةٍ  طائشةٍ، هنالك دائماً لحظةٌ فارقةٌ؛ هي لحظةُ اتخاذ القرار للوصول إلى الحقيقة، وما بين القناص ومعاذ اختار كل منهما طريقتهُ في إحرازِ الهدفِ، وتأصيلِ الحقيقة.