الإثنين  27 كانون الثاني 2020
LOGO

السرد الروائي بحثاً عن السرد السياسي والإعلامي الفلسطيني الغائب

رولا سرحان

2020-01-02 02:22:55 PM
السرد الروائي بحثاً عن السرد السياسي والإعلامي الفلسطيني الغائب
الروايات الثلاث (تصوير: موسى أسعد صالح - الحدث)

 

انتخبتُ ثلاث رواياتٍ فلسطينية صدرت في عام 2019 لتكون موضعَ المقاربة فيما يتعلق بالاحتجاجِ على غياب السردِ السياسي والإعلامي الفلسطيني المطلوب وطنياً وشعبياً، وذلك لتَمثُّل خطاب الاحتجاج المُضمرِ فيها. والروايات الثلاث هي: "بنت من شاتيلا" لأكرم مسلم، و "وزير إعلام الحرب" لنبيل عمرو، و "ليتني كنتُ أعمى" لوليد الشرفا.

في الروايات الثلاث،  يتخذ كل كاتب مرحلة زمنية فارقة في تاريخ القضية الفلسطينية، ليؤسس عليها زمنه المرجعي، الذي يُحيلُ إليه في سرده كنقطة انطلاقٍ نحو التأسيس لسردية تحل محل الغياب المُحدَثِ في السرد السياسي والإعلامي الفلسطيني؛ ففي رواية نبيل عمرو، نجد التاريخ المرجعي هو نكسة حزيران، بينما في رواية أكرم مسلم هو زمن مذبحة صبرا وشاتيلا، أما في رواية "ليتني كنتُ أعمى" فهي توقيع اتفاقيات أوسلو، أو مرحلة ما بعد أوسلو. ويجتمعُ الثلاثةُ في مضمار التأسيس لسرد في زمن اختفى فيه السرد، أو الخطاب الإعلامي- السياسي وانحرف عن مركزه. إذ لا تُشكل أحداث الرواية، ولا شخوصها، سوى قنطرةَ العبور إلى النص التحتي للسرد غير المتعلق بتطور حبكة العمل الروائي، أو تصاعد "الذروةِ climax" والتي هي شبه مفقودةٍ في الراويات الثلاث، وذلك تماماً مثل فقدان الحبكة المركزية التي تؤسس للخطاب المفقود في الخطاب السياسي والإعلامي الفلسطيني في مستوياته جميعها.

أغلفة الروايات الثلاث

والسرد الذي يتحدث عنه الرواةُ الثلاثة،  ليس سرداً يتعلق بموقعةِ الضحية كما هي في رواية "بنت من شاتيلا"، أو بإعادةِ الاعتبار إلى أصلانيتها في المكان؛ ولا هو فقط سردٌ ناقدٌ للخراب السياسي الفلسطيني الحالي كما في رواية "ليتني كنت أعمى"؛ ولا هو خطابٌ تحليلي يربطُ ما بين أحداث ماضية بتداعياتٍ حاضرة، كما في رواية "وزير إعلام الحرب". إن قراءة متأنية، تجعل من الكتاب الثلاثة: السياسي والصحفي والأكاديمي، يعملون على مستوى ثانٍ مضمرٍ في اللاوعي الروائي عند الكتابة –وهو مستوى قد لا يُدركهُ أو يعيه الكاتبُ؛ أو قد يعيه، لأنه يكون قد تشكل لديه ليس بفعل دافعِ الكتابةِ أو الغاية الأدبية التي يبغي تحقيقيها، وإنما بفعلٍ أكبر من عمليةِ الكتابةِ لحظةَ الكتابة، لكنه بقي مضمراً مختمراً في اللاوعي المشترك بينه وبين المجموع الذي يكتبه لهم وأتى منهم.

إننا نقفُ ولو بشكل جزئي أمام ما يعتبرُه جون ديوي "الفن كتجربة" خاصة، لكن التجربة الخاصة هنا، هي "تجربةٌ عامة" هي جزء من التاريخ المشترك للرواةِ الثلاثة، وتخص كل واحدٍ منهم، كما تخص من يكتبون لهم. وإذا كانت عقدةُ الدراماً، كما يشرحُ أرسطو، تعني الوعي باكتمال حلقاتِ حدثٍ ما، بدايتهِ ووسطهِ ونهايته، والتي تبدأ في نقطةٍ زمنيةٍ معينة وتنتهي بنقطة زمنية أخرى، فإننا في الروايات الثلاث أمام "عقدة درامية" بمستوياتٍ زمنية ماضية حاضرة، وبمضامينَ استمدت معناها من الماضي، بل وتم إجبارُ المعنى والسرد الذي يحمله على الانتقال من الماضي إلى الحاضر. لذلك شكل استدعاؤها من جديد بعثاً جديداً للسرد السياسي والإعلامي، مثلما يحدث في رواية أكرم مسلم. أما في رواية نبيل عمرو، أصبح السردُ عبر استرجاع الماضي وأحداثِهِ، يتم التعاملُ معه باعتبارِهِ حاضراً لم ينتهِ، وأن لُغتَه الماضية هي لُغةٌ حاضرة.

في الروايات الثلاث، نحن أمام "مؤلِّفٍ مزدوج"، يخاطب القارئ بالقصة، لكنه في مستوى تحت نصي ينتخبُ جمهوره باختيار لعب دور الناقد للمستوى السياسي وخطابه الإعلامي والوطني. إن "المؤلف المزدوج" الذي نحن أمامه، هو "كاتب القصة" و "كاتب الخطاب السياسي"، في الظاهر يبدو وكأنه يقول على لسان شخوصه شيئاً واضحاً محددا، لكنه في الحقيقةِ يُحاول أن يقول شيئا آخر ليملأ حيز الفراغ المتشكل بنتيجة قصدية هدفت إلى تفريغ المقولةِ السياسية والخطاب الإعلامي واستنفاذها لمعناها في الماضي، حين تم تصفية السرد التاريخي واصطناعُ زمنهُ باعتبارهِ زمناً انتهى وتم إغلاقه تارةً، واستهلاكه تارةً ثانية، وتشييئهُ وتسليعهُ تارةً ثالثة.

ففي رواية "وزير إعلام الحرب" يشيرُ نبيل عمرو إلى فراغ المضمون أو إفراغ المضمونِ من معناه في السرد، فكل فعلٍ تواصلي مع المواطن، سواء أكان أدباً شعراً أم إعلاماً أم فنا غنائيا صار يجب تأويله بما لا يشي بواقع الحال، أو خلق حالٍ فوق الحال الأصلية الموصومةِ بالهزيمة، إذ "نُصحت أم كلثوم التي قررت إحياء حفلات في بلاد الله الواسعة لدعم المجهود الحربي، أن تبتعد عن تذكير الناس بالسلاحِ والحرب والنصر، وأن تعود إلى اختصاصها الأصلي، ذلك أن إزالة آثار العدوان تتطلب إزالة آثار الوهم والمغالاة. كان لا بد من ترشيد الذوق الذي جمح، فعادت إلى الأثير من جديد "الأوِّلى في الغرام"، و"شمس الأصيل" و "إنت عمري". (ص 150). كما و "أفسح غياب رواد المطولات في المجال لإنتاج غناء وصف بالشعبي مثل "السح الدح امبو"، و"حبة فوق وحبة تحت"، ويا لها من بلاغةٍ في المبنى والمعنى، وغناء آخر وصف بالشبابي "بحبك يا حمار"، ما اوحى بأن الشباب الذين يشكلون ثلثي الأمة انتهوا من حب الآدميين ليتطلعوا لحب المواشي." (ص 151)

غلاف وزير إعلام الحرب لنبيل عمرو

وإذا كان خطاب الفن والإعلام محكوماً بخطاب السياسة في "وزير إعلام الحرب"، فإنه محكومٌ بالفرجوية في "بنت من شاتيلا"، التي كانت البنتُ "حورية" ناجيةً بالصدفة من المجزرة، لكن الخطاب الفرجوي تمثل في ضرورةِ أن يجد له نقطةَ جذبٍ تمكنه من الاستمرار في ظل الفراغ السردي السياسي، فما كان من "الراوي، الذي كان يقص أمام جمهور الصحفيين والمتعاطفين مع حورية، إلا أن يوظف له (ظلا) وهو (شخص يقف في العادة ملتصقاً بالرواي) يقوم بالتقاط حورية من تحت إبطيها، ويرفعها ليتأكد أن الجميع رآها؛ فيما يشرحُ الرواي أن هذه الطفلة نجت وحدها. نجت لتظل شاهداً حياً على جرائم الصهوينة، وصمت العالم، وعاره. لكن حورية لم تعتمد كفرجة إذا لم يشعر أحدٌ بالحاجة لسماع شهادتها، لقد صار جسدها وليس تجربتها ركنا أساسيا من عملية تمثيل مستمر للجريمة... صارت موديل مجزرة (ص 33).

حتى ذلك السردُ المتعلَّق بترسيخ ما يريدُ الكتابُ الثلاثةُ تجسيده في الخطاب السياسي، نجدُه في رواية "ليتني كنت أعمى"، مجرد أمنيةٍ قديمةٍ، يحلُّ محلها الجديدُ، حتى في خضم انبعاث القديم في حرب مخيم جنين، ومعايشة النقيضين، الثورة والدولة، المنفعة والتضحية، لنصل إلى الإحالة إلى الرغبةِ في العمى كتجسيدٍ للخلاص مما لا نرى.

وفي الرسالة التي كتبها أحمد سليم في "ليتني كنتُ أعمى" سنجدُ حالة التشظي والإرباك التي يعاني منها سليم، كحالة عامةٍ: "في المساء، عندما أعود للبلد وأرى الحواجز وقهر الناس والشهداء والجوع، كنت أحس حالي إني بعالمين ما بشبهوا بعض، قهر في النهار من غنى اللواء، وقهر بالليل من فقر الناس، لا يمكن تكون هيك الثورات، بير دم وبير دهب." (ص152)

إن العبارة المُثلى التي تُلخص الواقع، هي في رواية "ليتني كنت أعمى": "لسنا سوى وسيلة لتعريف الماضي والمستقبل، وإن الأماكن محايدة ونحن من يخلق التورط". (ص 94) وإذا كان فيصل دراج قد أكد على أن "الكتابة ليست انعكاساً للواقع بل الأدق القول إن الواقع انعكاس للكتابة"، فإن "المضمر غير المفعل" الذي يشكل لسان حالنا هو الرابط بين الواقع والكتابةِ، حتي يصيرُ أحدهما تجسيداً للآخر.