الخميس  09 نيسان 2020
LOGO

الكورونا ومآلاتها النفسية| ​أ.د جولتان حسن حجازي

2020-03-19 07:59:09 PM
الكورونا ومآلاتها النفسية| ​أ.د جولتان حسن حجازي
​أ.د جولتان حسن حجازي

 

يشكل فيروس كورونا كوفيد 19 (Covid,19) تحدياً كبيراً أمام العالم بأكمله، وأمام القدرات الطبية المعاصرة التي تلهث وراء العثور على لقاح أو علاج لهذا الفيروس، كما يشكل اختباراً حقيقيا لمستوى الصلابة والمناعة النفسية للإنسان في مواجهته لهذا الفيروس في صراعه من أجل الحياة والبقاء.

وتشير الإحصائيات والأرقام إلى أن كورونا أصبح شبحاً يهدد الجميع ليس بسبب ما ينشر من هذه الإحصائيات، ولكن لما ينشر حوله من أخبار ومعلومات عبر كل وسائل الإعلام والاتصال تكون في معظمها غير موثوقة تعتمد على التهويل وإثارة الذعر، حيث أصبح الجميع قادراً على الإفتاء في موضوع الكورونا.

 وتعد كورونا حدثاً صادماً للبشرية، وتعرف الأحداث الصادمة بأنها أحداثاً خطيرة ومربكة ومفاجئة، وتتسم بقوتها الشديدة أو المتطرفة، وتسبب الخوف والقلق والانسحاب والتجنب، وهي ذات شدة مرتفعة، وغير متوقعة، وغير متكررة، وتختلف في دوامها من حادة إلى مزمنة، ويمكن أن تؤثر في شخص وفي المجتمع كله مثل الزلازل والأعاصير والأوبئة .

كما يعبر كورونا عن أزمة، والأزمة هي ظرف انتقالي يتسم بعدم التوازن، ويمثل نقطة تحول تحدد في ضوئها أحداث المستقبل، وهي توقف للأحداث المنظمة والمتوقعة واضطراب للعادات مما يستلزم التغيير السريع لإعادة التوازن، ولتكوين عادات جديدة أكثر ملاءمة، وتتميز الأزمة بمجموعة من السمات، منها: المفاجأة، والإرباك، وجسامة التهديد، وضيق الوقت المتاح لمواجهة الأزمة، وتعدد الأطراف والقوى المؤثرة في تطورها. وهذا ما فعله الكورونا، حيث أثار حالة من التهديد الجماعي، وأدى إلى تغيير شامل في كافة مناحي الحياة.

و الأزمات Crisis هي ظاهرة إنسانية قديمة، وسمة من سمات الحياة المعاصرة، تمس جميع جوانب الحياة، ولم تنقطع منذ قديم الأزل. فالإنسان منذ أن وجد على هذه الأرض، وهو معرض للأزمات والصدمات ودائم السعي إلى تجنب الخطر أو على الأقل اتخاذ الوسائل المناسبة لمواجهتها. فالخبرات الصادمة والأزمات لم تنقطع لدى الجنس البشري عبر القرون، والكورونا هو أحد هذه الأزمات والخبرات التي ستترك آثارها على كل جوانب الحياة.

ويواجه الإنسان الصدمات مثل الكورونا باستجابة تتميز بالخوف الشديد، والشعور بالروع والعجز المرتبط بمعاودة الأفكار أو التخيلات أو الإدراكات لنتائج أحداث تتضمن أذى حقيقياً يهدد الذات أو الآخرين، ثم التجنب المتواصل الدائم للمثيرات المرتبطة بها سواء للأنشطة أو الأماكن أو الأفراد.

ويؤكد علماء النفس أن الأفراد الذين يعايشون الأزمات كالكورونا غالباً ما يكونون أكثر عرضة للإصابة بالمشكلات الصحية والنفسية والعقلية، وتخلف موقفاً صادماً بالنسبة للبناء النفسي للإنسان، قد يصاحبه اضطرابات تستمر لفترة طويلة إذا لم يتمكن من مواجهة الأزمة بآليات مواجهة ناجحة وبصلابة ومناعة نفسية قوية.

 لقد خلق الكورونا ضغوطاً نفسية متعددة، وخلق شعوراً بالقلق، والخوف، الذي يعد رد فعل طبيعي اذا كان معقولاً ومتناسباً مع حجم الأزمة.  وتتطلب مواجهة هذه الضغوط، استعدادا مناسباً وعقلانياً بعيداً عن المبالغة، باتخاذ خطوات مناسبة لحجم الأزمة وهادفة إلى حماية النفس والمحيطين، من خلال استخدام ميكانيزمات دفاعية للتعامل مع الخوف والقلق  والتوتر والكآبة عبر وسائل تتيح السيطرة على الموقف، وإجراءات تعزز الحماية وتقوي الصلابة والمناعة النفسية.

فالاستسلام للهواجس المصاحبة للقلق الناتج عن الكورونا، خاصة قلق الإصابة وقلق الموت، والخوف من المجهول يؤدي إلى الشعور بالتهديد وفقدان الشعور بالأمن النفسي، مما يؤدي لأعراض نفسية متعددة تؤدي إلى إضعاف جهاز المناعة وقلة كفاءته، وتزيد من عوامل الخطورة التي تزيد من القابلية للإصابة بالمرض، ومنها:

-الخوف والتوتر والقلق والترقب والهواجس.

-ضعف التركيز وتشتت الانتباه.

-اضطرابات النوم والكوابيس.

-الشعور بالتهديد الدائم وما ينتج عنه من خوف من الممارسات اليومية كالتنقل والاحتكاك.

-قلق الموت والخوف من المجهول.

-أعراض سيكوسوماتية كالصداع وفقدان الشهية.

-الانسحاب الاجتماعي.

-الشعور بالعجز.

-الأفكار اللاعقلانية المرتبطة بفيروس كورونا وسيطرتها على التفكير.

وتؤدي هذه الأعراض إلى نتائج خطيرة إذا لم يتمكن الإنسان من التعامل الإيجابي مع ظروف الأزمة المرتبطة بفيروس كورونا، ويتضمن هذا التعامل الإيجابي، ما يلي:

-متابعة الأخبار والتقارير الموثوقة من مصادرها الصحيحة كمنظمة الصحة العالمية أو وزارة الصحة مرتين فقط في اليوم، وتجنب متابعة المواقع غير الموثوقة لما تسببه من توتر وقلق.

-الالتزام بكافة الإجراءات الصحية التي تكفل السلامة والحماية للفرد وعائلته.

-ممارسة الانضباط الذاتي تجاه وسائل التواصل الاجتماعي.

-الالتزام بالممارسات الصحية (النوم الكافي- نظام غذائي متوازن، نشاط بدني، رعاية ذاتية، وترفيه كافي).

-الإيمان بأن من حق كل إنسان الخوف فهي مشاعر طبيعية، لكن علينا بتحديد مخاوفنا، وفهمها، وفحص مدى واقعيتها، وتحديد المخاطر الشخصية، ولعلينا ألا نسمح لها بحرماننا من أن نعيش حياتنا الطبيعية ضمن إجراءات السلامة وضمن السياق الصحيح المسموح به.

-الاحتفاظ بمعنويات عالية، وبروح إيمانية قوية نابعة من الإيمان بالله وقضائه وقدره.

-التفكير العقلاني المنطقي السليم الذي يتطلب فهم الظروف المحيطة بانتشار الفيروس بشكل صحيح للمحافظة على الصحة العقلية والنفسية للفرد.

-التركيز على التفكير والتوجه الإيجابي.

-التأكد من أن الفيروس قادر على إصابة أي شخص في أي مكان فقط في حالة عدم اتخاذ الإجراءات الوقائية الكافية.

-وضع برنامج حياتي يتضمن تحديد الواجبات اليومية، والتركيز على الأنشطة التي تحقق السعادة (قراءة كتاب- مشاهدة فيلم أو مسلسل- ممارسة الرياضة...)

-الحرص على منح من حولنا شعورا بالأمان خاصة الأطفال، وعلينا أن نشاركهم معنا في الأنشطة والبرامج اليومية، ومتابعتهم بشكل دائم خاصة في هذه المرحلة، ومشاركتهم ألعابهم وفعالياتهم.

-الوعي بالذات واكتشاف قدراتنا وإمكانياتنا مهم للتخفيف من القلق والتوتر، مع ضرورة التركيز على كل ما يمكنك القيام به، والتصرف بناء على أن معظم الناس معافين.

-الاقتناع بأن فيروس الكورونا ليس هو الأول ولن يكون الأخير، فأمراض الجهاز التنفسي موجودة ويتم معالجتها والشفاء منها.

-تجنب كل ما يمكن أن يسبب الإصابة لأن الوقاية هي الحل الوحيد في هذه المرحلة.

-التوقع والتنبؤ في هذه المرحلة صعب، فقط علينا أن نفعل ما يمكننا القيام به والتحكم فيه.

-عدم القلق من الحجر الصحي، وفي حال تعرضنا للحجر الصحي، علينا الالتزام بالتعليمات الصحيحة.

-في ظل عدم العمل وما يصاحبه من ملل ورتابة، علينا التفكير في خطة تتضمن خيارات متعددة لشغل وقتنا بأفضل الوسائل.

- على كل منا تقديم الدعم بكافة أشكاله لكل من هو بحاجة له، لاسيما الفرق الصحية والأمنية.

-في حال الإصابة، علينا التفكير بشكل إيجابي مبني على تجارب الآخرين الذين تم شفائهم، وعلينا ألا نبالغ في توقع الاحتمالات السيئة، وعلينا اقناع أنفسنا بقوتنا وقدرتنا على مجابهة المرض والانتصار عليه.

-علينا الاطلاع المستمر ونقل التجارب الناجحة للأشخاص المتعافين. 

-الابتعاد عن المبالغة في ردود أفعالنا بشكل غير عقلاني، كالتهافت مثلا على الشراء، والذي يقوم به الكثيرون منا كحيلة نفسية لإقناع ذاتنا بقدرتنا على السيطرة على التهديدات، واعتقاداً بأن استجاباتنا ينبغي أن تعادل الحدث.

-استغلال وجودنا في البيت مع العائلة لإعادة بناء النسيج الاجتماعي وتقويته.

يحتاج الناس في الأزمات وفي أزمة الكورونا الحالية إلى اتخاذ خطوات تؤدي إلى مواجهة الأزمة والسيطرة عليها، وهذا يتطلب خطة شاملة تشترك في تنفيذها كل أجهزة الدولة وأفرادها، والخبراء والطواقم الفنية والمهنية، والأطباء والعلماء، تعتمد على عملية تشبيك وشراكة ودعم من قبل كافة المؤسسات الحكومية والخاصة بما يمكن من النجاح في مواجهة الأزمة والخروج بأقل الخسائر، كما يتطلب تعاملاً إيجابياً وواعياً ومسؤولاً من جميع أفراد المجتمع بما يكفل سلامتهم الجسدية والنفسية.

بأيديكم تستطيعون المواجهة