الأربعاء  12 آب 2020
LOGO

العدو لا يكتفي بالحياد/ بقلم: رائد الحلبي

قبول التنازلات والشروط يعني الرضوخ لمزيدا من التنازلات والشروط

2020-06-23 11:30:26 AM
العدو لا يكتفي بالحياد/ بقلم: رائد الحلبي
رائد الحلبي

 

تتوالى الأحداث وتتسارع والاحتلال الإسرائيلي لا يتردد بفرض المزيد من الغطرسة والبطش والمصادرة والقتل والاعتقالات وفرض حقائق على الأرض، متحالفا بذلك ليس فقط مع الولايات المتحدة الأمريكية وإنما مع مجموع الأنظمة الداعمة لفلسفة الاستعمار، مثل بعض الأنظمة العربية الصامتة على سياسات الاحتلال في فلسطين بشكل خاص والمنطقة بشكل عام، ودول الاتحاد الأوروبي التي لا يساوي قلقها حول ما يجري في المنطقة حبر بيانات التعبير عن القلق، بل من يراقب الأحداث بموضوعية ودقة يرى أن دائرة استهداف قضيتنا الوطنية الفلسطينية مكتملة صهيونيا -  عربيا -  أوروبيا – أمريكيا.

بعد مرور  سنوات على ما يسمى باتفاقية أوسلو والاعتراف المتبادل ما بين دولة الاحتلال ومنظمة التحرير الفلسطينية، لم يكتف الاحتلال بالقبول الفلسطيني بالتنازل عن حقه في أرضه التاريخية، بل سعى نحو مزيد من التنازلات التي انتزعها بالفعل من القيادة الفلسطينية، من أبرزها فرض اتفاقية باريس الاقتصادية التي قيضت الاقتصاد الفلسطيني بشكل كامل ووطدت اعتماده على المحتل، وفرض التنسيق الأمني على السلطة الفلسطينية لدرجة أن التنسيق الأمني بات الجوهر الأساسي والشرط الوحيد  لوجود السلطة وما يتبعه من تنسيق مدني، تلا ذلك تأجيل تاريخ إعلان الدولة الفلسطينية على أرض منقوصة أكثر من مرة إلى أن صرح الاحتلال عبر ممثليه أنه لن تكون هناك أي دولة فلسطينية، وكأنه يقول بمعنى آخر لن تنالوا شيئا من خلال المساومة وهو فعلا ما يحدث على أرض الواقع، ناهيك عن كامل التنازلات التي قدمتها القيادة الفلسطينية والتي لا يزال الاحتلال يسعى للحصول على مزيد منها، فمن تبجحه بفرض شرط اعتراف القيادة الفلسطينية بيهودية الدولة إلى إعلان القدس عاصمة لدولة الاحتلال إلى إعلان ضم الضفة الغربية إلى دولة الكيان، وهو بذلك لم يضرب الحلم الفلسطيني لأن الحلم بالحرية والاستقلال لا يموت ولو طالت السنين، إنما ضرب النخبة الفلسطينية الزائفة التي راهنت على خط المساومة، وأصبحت آليات واستراتيجيات نضالها لا تتجاوز سقف التهديد بعدم التعاون مع المحتل، أي وكأن عدم التنسيق بات آلية نضالية وليس علاقة طبيعية بين شعب يحيا كافة أشكال المعاناة تحت الاحتلال، لتترسخ قاعدة إقبل التنازل لتتنازل أكثر ليس إلا.

من زاوية أخرى نرى أن دائرة الاستهداف تكتمل من خلال صمت الدول العربية تجاه ما يجري وهو صمت الموافق على ما يجرب من أحداث بل وساهم في صياغة هذه الأحداث كاملة، ولعل العدو الواضح للشعب الفلسطيني والحليف الواضح للاحتلال هو الموقف الأمريكي الذي لا أرى في تحليل موقفه قيمة كما لا يوجد قيمة في الرهان عليه، أما ما يلفت الانتباه هو فرض دول الاتحاد الأوروبي شروطها على مؤسسات المجتمع المدني والتي تقضي بالتوقيع على ما يسمى بوثيقة الإرهاب والتي تعتبر قوى وفصائل العمل الوطني الفلسطيني إرهابية وتستنكر نضالها بغية تحقيق الحرية والتخلص من الاحتلال، ومن ناحية أخرى يدعي الاتحاد الأوروبي أنه يقوم بدعم مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني لدعم صمود الشعب الفلسطيني الذي يرضخ تحت الاحتلال، لكن الوصف الأكثر دقة لهذا الدعم هو أن الاتحاد الأوروبي يطلب من الضحية أن تتألم بصمت وأن تعيش مكتفية بقوت يومها، فلا معنى لدعم صمود شعب تحت الاحتلال في ظل استنكار حقه بالنضال، المطلوب من وراء هذا الدعم هو استمرار سياسة ترويض الشعب من خلال أموال نقدمها لجهات فلسطينية تحافظ على حياديتها من القضية الفلسطينية، وبعد الحفاظ على هذا الحياد تأتي المنظومة الدخيلة لتفرض الانحياز على مجموعة من المؤسسات ولكن الانحياز لمن، أعتقد الإجابة واضحة من خلال استنكار النضال على الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية.

الغريب هو إيجاد قاسم مشترك بين السلطة الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني التي وافقت على شروط الاتحاد الأوروبي، هذا القاسم يتمثل بقبول المزيد من التنازلات والشروط غير المبررة، لكي يظهر الوجه الحقيقي للمنظومة الفلسطينية الداخلية الداعمة للوضع الراهن بل وقد تكون مستفيدة منه، ففي حين كانت المعارضة الفلسطينية تطالب السلطة الفلسطينية بعدم قبول الشروط الاحتلالية إلى درجة تخوينها ومطالبتها بحل نفسها، ووصف السلطة باللاشرعية وأنها لا تمثل الشعب الفلسطيني الذي يرفض الرضوخ للإملاءات الاحتلالية، ووقفت منظمات المجتمع المدني بوجه سلطة ناقدة مواقفها تارة ورافضة سياستها تارة أخرى، نرى هذه المرة أن بعض هذه المؤسسات باتت تقبل بشروط مهينة لا تمثل الشعب الفلسطيني رغم ادعائها بأنها تخدمه.

هنا وبعيدا عن المزايدات، بات واضحا أن المطلوب أوروبيا وصهيونيا وأمريكيا وعربيا هو القضاء على القضية الفلسطينية قضاء كاملا ولكن من خلال إيجاد شريك فلسطيني غير مراوغ وواضح بالمساهمة في تصفية القضية والحلم الوطني، سواء كان هذا الشريك منظومة رسمية ومدنية أو رسمية او مدنية فقط، ومن حق الاحتلال ان يفكر بهذه الطريقة، ولكن هل من حق أحد أن يعود لسياسة تبرير التخاذل بعد الآن؟؟ هل يحق لأحد ان يقبل بشرط اوروبي او إسرائيلي دون العودة للشعب الفلسطيني واجراء استفتاء شعبي حول التنازل للاحتلال او القبول بشروط مهينة؟؟؟ هل يحق لأحد أن يشكل هذا الشريك الفلسطيني  لمنظومة الاحتلال؟؟ ثم من قال إن طريق النضال مفروضة فرض على أحد؟ من لا يستطيع الصمود في وجه الريح فليجلس في بيته وقت العواصف بدلا من القبول بوصف من يواجه الاحتلال بالإرهاب.

في الوقت الراهن بات المربع الأول وهو العودة لبدايات الثورة الفلسطينية هو المخرج الوحيد للعودة إلى طريق التحرر الصحيح، أما ما يجري على أرض الواقع من قبل مؤسساتنا الرسمية والمدنية لا يمثل سوى القبول الخجول بإجراءات الاحتلال والتعامل الواضح معه، لا يجدر بنا أن نبني استراتيجيات قائمة على ردة الفعل لما يتخذه الاحتلال من إجراءات، وإلا سنبقى في خندق رد الفعل الى ان ينتهي الفعل المقابل.