الثلاثاء  27 تشرين الأول 2020
LOGO

أمبرتو إيكو.. فيلسوف العلامات (2 /2)

ترجمة: سعيد بوخليط

2020-08-15 08:49:35 AM
أمبرتو إيكو.. فيلسوف العلامات (2 /2)
أمبرتو إيكو

الحدث فكر ونقد

ترتبط دائما، الدلالة والتأويل، عند أمبرتو إيكو. فالعلامة مرتبطة في الوقت نفسه بشيء ''ديناميكي" وكذا المُؤوِّل، بمعنى تمثيل يشرح العلامة بإحالتها على تمثلات أخرى ممكنة لهذا الشيء. لذلك، لاتوجد قط علاقة منغلقة وصلبة بين العلامة ودلالتها؛ تظهر بالأحرى الأخيرة مثل سلسلة متواصلة لإحالات تأويلية.

إنها إذن الأهمية التي يمنحها إيكو إلى تطور التأويل مما سمح له كي يطرح على المستوى السيميائي قضايا ترتكز في المعتاد على المجال التداولي؛ أقصد فكرة الخلفية المعرفية المتحولة والمتبلورة دائما بتفصيل التي تخول له الانتقال من الإطار المعجمي (نموذج منغلق، مرتبط بمدلولات حرفية) إلى المتعلقة بالموسوعية (مجموع العادات التأويلية لثقافة متداخلة)، مفهوم اكتسب أهمية متصاعدة عبر المؤلفات التالية لعمله الأول:  ''دراسة في السيميائيات العامة''.هكذا، تمحورت مقاربات عمله الآخر: ''السيميائيات وفلسفة اللغة''حول تحليل هذه المفاهيم، لكن أيضا ما يتعلق بنقاش فلسفي يهم جل المفاهيم السيميائية الجوهرية- من العلامة إلى أنظمة الرموز- بالانطلاق من فكرة أن المقاربة الفلسفية تعتبر بكل بساطة تأسيسية بالنسبة للسيميائيات العامة. 

تشتغل هذه الأخيرة لدى إيكو وفق روافد عدة:  أولا، عند حدود أكاديمية، مادامت تخصصات أخرى قاربت ذات القضايا انطلاقا من وجهات نظر أخرى.ثم، حدود ''متعاونة''، لأن تخصصات ثانية طورت نقاشات سيميائية يلزم اكتشافها وترجمتها بمقولات موحِّدة، ليس بالضرورة كونها حسب إيكو، وفق صورة مقولات لسانية:  إذن سيميائيات إيكو في الواقع غير قابلة للإدراك انطلاقا من النموذج الوحيد للتعابير واللغة. لقد شكلت حدودها التجريبية، موضوعات لم تحظى (أو في انتظار ذلك) بالتنظير من وجهة نظر سيميائية، بينما تكرست الحدود الابستمولوجية عبر انتماء السيميائيات العامة إلى العلوم الإنسانية، وبطبيعتها كممارسة مجتمعية، مادام كل نشاط نظري يعتبر ممارسة مجتمعية.

تبقى السيميائيات العامة لأمبرتو إيكو منفتحة على مختلف صيغ إعادة النظر، وبوسعها تجاوز المثالية السيميائية بأن تمحو التباين بين الثقافتين العلمية والأدبية مثلما أوضحت ذلك الأبحاث التي ضمها كتابه:   "كانط وخُلْد الماء ". 

* المنعطف الواقعي:  

بدأت تتضح ملامح هذا المنعطف ''الواقعي''، منذ سنة 1996، مع انعقاد ملتقى فكري في فرنسا (مقاطعة سوريزي – لاسال ) حول مشروع أمبرتو إيكو، وقد صدرت المداخلات تحت عنوان:  "باسم المعنى، حول عمل أمبرتو إيكو". بل وقبل كتابه:  ''كانط و خُلد الماء".

تذكِّرنا باتريزيا فيولي، كيف انصب تأمل إيكو على العلاقات بين الإدراك والسيميوزيس، بمعنى العلاقة التي نقيمها بين العلامة والمعنى، منذ حقبة كتابه:  ''دراسة في السيميائيات العامة"، حينما ساءل الطريقة التي تتناسل وفقها العلامات. منذ تلك الحقبة، لم يعد المدلول بالنسبة لإيكو، ينشأ فقط داخل اللغة، لكنه يتجلى سلفا في الإدراك.اهتمامه بهذا الأخير، يجعله قريبا من فينومينولوجية هوسرل.يلامس إيكو، من خلال نظرية الإدراك، التي تؤول على ضوء المقولات السيميائية، النواة النظرية للواقعية ويدرج بعض ثيمات العلوم الإدراكية.بذلك، تأتى له تدريجيا أن يفصل سؤال الواقعية عن الموضوعية.

 استندت إعادة قراءته للمسار الذي ينتقل من كانط إلى بيرس، وفي إطار ذلك العلوم الإدراكية، على الروابط وكذا التباينات بين مفاهيم ''الخطاطة"، "المثال"، وكذا''النموذج الأصلي".هكذا عرض إيكو بين دفتي كتابه:  '' دراسة في السيميائيات العامة''، ما كان بوسعه أن ينعته، وفق نبرة ساخرة:  "نقد السيميائيات المجردة''، و"نقد السيميائيات العملية''، إذا اقتفينا أثر المقارنة، يمكن ل:  ''كانط وخُلْد الماء "الانتقال إلى:  ''نقد الحُكْم السيميائي''.

فعلا، تمثل فلسفة كانط وبيرس بالنسبة لإيكو منعرجين مكناه، دون نسيان اتصاله بالظاهراتية، من النفاذ وجهة مسار يولد جراء اكتشاف بسيط لموضوع بفضل الحكم المتأتي من الإدراك، الذي يظل من بعض النواحي ''خاصا'' غاية أن يتشكل تماما مدلولا مُؤَوَّلا و''عموميا''، وقد مرّ وفق مختلف مراحل تطور الإدراك، ويعكس بالتالي حصيلة لها. 

من جهة أخرى، اهتم إيكو بالنظرية الكانطية حول الرسم التخطيطي المتعالي. فالأخير، بالنسبة لإيكو بمثابة حصيلة ذهنية قَبْلية أكثر من كونها عملا للخيال.يمثل فعلا هذا الرسم البياني اقتراحا ينطوي على شكل منطقي بما أنه يقدم تمثيلا؛ يعتبر أيقونة حسب إيكو، كما الحال مع الرسوم البيانية وكذا قواعد علم الجبر.

يتجلى التأثير الأكثر عمقا لساندرز بيرس والذي قاد إيكو نحو الانتقال من ''المرجع'' إلى"الموضوع'' مجيزا له توضيح العلاقات بين المعرفة، والدلالة ثم الأنطولوجية.دون توقفه على أن يطرح سؤالا كبيرا، بين طيات مختلف أعماله:  هل توجد مستويات نزوع، بل قوانين تجعل تشكّلات معينة أكثر طبيعية مقارنة مع أخرى، وفق معنى أن بعض أنماط المعرفة يميزها رسوخ قائم على طبيعة الأشياء، أو على العكس، قد ينحل الكائن داخل اللغة، ثم يحدث أي شيء؟مثلت هذه النقطة مجال نقاش مستفيض خلال ندوة سيريزي، دفعت الباحث جان بوتيتو كي يكتب نصا تمحور حول الانتقال إلى واقعية إيكو.

هكذا، يستعرض بالفعل في كتابه:  ''كانط وخُلْد الماء"، واقعية ينعتها ب "تعاقدية":  نتكلم عن شيء لأنه يوجد، لكننا سنتكلم عن أشكاله وممكناته القائمة داخل إطار جماعة ثقافية، من خلال ''تعاقد'' معين.بذلك، يخفف من الحدود الطبيعية للسيميائيات العامة مثلما أشار إليها في كتابه: ''دراسة في السيميائيات العامة"، كي يركز عمله التحليلي حول نفس هذا الحقل المتعلق بالسيميوزيس الأولى، وكذا التأسيس الأولي لمدلول بالنسبة للإدراك، من خلال اكتشاف شيء، يتموضع عند حدود كل نشاط سيميائي.

إن تجلى حقا هذا النشاط طبيعيا داخل إطار مؤسساتي، فصحيح أيضا أن السيميوزيس الأولي يمثل بالتأكيد أحد شروطه القَبْلية. فالأنماط المعرفية، والمضامين المتأتية عنها، بمثابة خلاصات لما سينتهي إليه، نتيجة اللغة، بُعْد معرفي بين-ذاتي وعمومي، قبل التواصل نفسه.بالنسبة لإيكو، ينبغي لسيميائيات فلسفية التفكير فيما يسميه ب:  "لغز الفعل الإشاري''، مثلما يلزمها، خلال الوقت نفسه، التصميم على أن واجبها النوعي يكمن في دراستها للظاهرة الأصلية، التي شكلت منطلقا لنشأة الممارسة ذات القصد، وكذا تمفصل أنظمة الإشارات. 

مرة أخرى يرشد ساندرز بيرس، أمبرتو إيكو غاية جذور الإدراك المؤسِّسَة لإمكانية الدلالة؛ لكن، بكيفية تخالف ما قدمه في كتابه:  ''دراسة في السيميائيات العامة ''، بحيث استدعى هنا الموضوع الديناميكي.مع البقاء تماما ضمن نطاق حدود السيميائيات، على غرار الفارق بين العلاقة مثير- استجابة ثم العلاقة ذات العناصر الثلاثية الوحيدة السيميائية فعلا، مع الاحتفاظ بمفهوم العلامة وقد تمأسست، فقد منح إيكو السيميوزيس الأولي الدور الجوهري كمرحلة سابقة عن المعرفة والدلالة.

يتبيَّن إيكو ثانية الأسس المادية لهذا المسار مع الأيقونة باعتبارها صفة خالصة ''تنبثق'' من الشيء، دون أن تكون صحيحة أو خاطئة.ولكي يسير ضمن هذه الوجهة، فقد ارتكز على عمل تأويلي ينزع نحو فصل الأيقونة عن صلتها التاريخية بالصور المرئية.هكذا نحصل مع الحكم الإدراكي على أول تقديم ل:  "الشيء الفوري''(التعبير لساندرز بيرس)، وإن بقي فضفاضا كما الشأن بالنسبة لأشياء غير معلومة مثل خُلْد الماء.إذن، لايعتبر قط الشيء الفوري تجربة''خاصة'' للمعرفة؛بل تم تأويله نتيجة خاصيته العمومية، مما ينزع عن الشيء الذي تأتى لنا من خلال الإدراك، خاصيته المفردة، وبالفعل يمنح السعي المعرفي أول لمحة عن موضوع يمكن رؤيته ثانية ثم/أو يتجدد.

يعتقد إيكو بأن السيميوزيس الإدراكي يتطور حينما نتمكن من التلفظ بحُكْم إدراكي حول شيء معين بفضل سيرورة استدلالية؛بحيث يعكس نتاجا برهانيا. تتبلور هذه السيرورة عند مستويات مختلفة: يتعلق أولها ب''أنماط معرفية''، تجاوزتها مااصطلح عليه:  "محتويات متعلقة بالنواة''و أخيرا ''محتويات متعلقة بالكتلة''، التي استحضرها إيكو قصد تمييزه بين الذي نعرفه بالتجربة– الأنماط المعرفية وكذا المتعلقة بالنواة- ثم المعرفة المتأتية عن طريق الثقافة.في إطار هذا السياق، يناقش إيكو انطلاقا من أعمال البولونية ''آنا ويرزبيكا''، معطيات سيميائية أصلية و كلية، بمعنى تلك الصيغ الأولى للدلالة، أساس مختلف اللغات والثقافات.

يفضي هذا النقاش مرة أخرى نحو التمييز بين المعجم والموسوعة، فالأول يمثل المعارف اللسانية والثاني يمثل مجموع معارفنا المتعلقة بوقائع العالَم، المفترض لانهائيتها، أو على الأقل كونها منفتحة بشكل واسع.لقد لاحظت باتريزيا فيولي بأن الموسوعية ربما تقود نحو فروق أخرى تخفيها جزئيا، كالتعارض بين الأساسي والطارئ، الذاتي والموضوعي، الحقائق الفعلية ثم التي حصلنا عليها من خلال حُكْم معين، وأخيرا، السيميائي والتداولي .

تحيل مختلف هذه التمايزات، في نهاية المطاف، إلى التمييز بين التحليلي والتركيبي، وكذا إمكانية التمييز بين اللساني وغير اللساني، ثم علاقات الكائن مع اللغة كمحور حقيقي لهذه المرحلة من العمل الفكري لدى أمبرتو إيكو.

* رداء الفلسفة:   

مفاد الفكرة، المنحدرة من كتاب إيكو:  '' دراسة في السيميائيات العامة ''، أن نظاما دلاليا بمثابة بناء سيميائي مستقل يمكنه السماح بتناول العلاقات بين مختلف جوانب مشروع إيكو. يمثل الاختلاف الذي يرسمه بين التوظيف والتأويل، نقطة محورية في سبيل فهم التحليل الذي يطبقه على النصوص، ويسمح بالتساؤل حول نمط الحقيقة من هاملت إلى شكسبير، ومن الرداء الأحمر أو شارلوك هولمز، وكذا وضعية الحقائق الثقافية.إنها نفس الأفكار التي تلهم القيمة النظرية لإيكو، ونشاطه العملي على مستوى الترجمة، وكذا عشقه للسرد والصور.يمزج إيكو بين طيات نصوص رواياته شغفه بالسرد وكذا موسوعيته المذهلة:   بحيث تصبح السيميائيات في ظل مختلف ذلك مجرد جناية خيالية، والماضي يخفي الحاضر والمستقبل، ثم تلتقي الفلسفة بالرواية الشعبية. 

تشكل القضية الفلسفية عن العلاقة بين الكائن واللغة، أساس اهتمام إيكو بالأشكال الثقافية للكائن، والنصوص، والحكايات، وإبداعات الشعراء، لأنه مثلما كتب على صفحات:  ''ست نُزْهات في غابة السرد"، فقد أتت النصوص الخيالية كي تقدم الغوث إلى فقرنا الميتافيزيقي:  فمن خلالها نبحث عن التاريخ الذي بوسعه إعطاء معنى لوجودنا.

من بين أعمال أمبرتو إيكو الذي حظيت بثروة كبيرة في فرنسا، نذكر كتاب:  ''التعاون التأويلي في النصوص السردية''، الصادر سنة 1979، الذي أوضح بأن تأويل نص يقوم على تعاون فعال بين الكاتب والقارئ .يدرس إيكو، داخل نص، ما يشكل شرارة بخصوص حرية التأويلات وينظمها في الوقت نفسه؛ يبحث عن''بنية انفتاح العمل'':  ما لا يفصح عنه النص قط، لكنه يفترضه، يبشر به، مما يقتضي في الوقت ذاته، المضمر ثم الاهتداء بقرائه نحو ملء مساحات فارغة.يسمي إيكو:  ''القارئ النموذجي" كناية عن قارئ مثالي، يمتلك مختلف مرجعيات النص، بما فيها الضمنية، من ثمة قدرته على تحيين مختلف ممكناته.بالتأكيد، يحيل تصور من هذا القبيل على رمز خيالي، لأن القارئ الفعلي كما الشأن بالنسبة إلينا يلاحق على العكس إبان القراءة تجربة جوانب قصوره الذاتية.

*شعرية غاستون باشلار:  

في كتابه المعنون:  ''الأثر المفتوح''(1962)، يتبنى إيكو، شعرية غاستون باشلار، دون الإشارة إليها بالاسم.بجانب مؤلفات ''نتعلم منها بأناة''، ثم "كتب ضخمة'' يدرس من خلال باشلار نظام العالم، يضع فيلسوفنا المنعزل على طاولته، بمحاذاة:  ''الأشياء القابعة داخل حدود شكلها"، كتب الشعراء والروايات.هكذا، أسس باشلار فلسفة للقراءة، وكذا جمالية للخيال الأدبي، بفضل تأملات شاردة حول العناصر، تستدعي:  ''أفكارا دون مقاس''، و تبعث "صورا دون كابح''.

اهتمت أبحاث إيكو بموضوعات الشعر، والموسيقى، والتشكيل، هنا يصبح في وسعنا أن نستشف مع بنيات الأثر إيحاء رؤية للوجود تمر بالأحرى عبر البنية الخفية بدل الموضوع الظاهر.اختار إيكو نماذجه من الشعراء الفرنسيين، مثل بول فاليري بول فيرلين وكذا ستيفان مالارميه، حيث تعيين الموضوع لدى هؤلاء يعني إلغاء لثلاثة أرباع بخصوص متعة القصيدة، وقد خلقتها سعادة التنبؤ شيئا فشيئا ثم استلهام أحلام.

تتوخى شعرية الإيحاء هذه، أن تترك العمل منفتحا أمام حرية قرائه، يتجسد بفضل الأحاسيس وكذا خيال التأويلات، بحيث يستخلص القارئ من دواخله الجواب الأكثر عمقا، وقد هيأه سبيل التناغم المدهش الذي يفضي نحو الحساسية والخيال.هكذا، ينطوي العمل الفني في ذاته على تأويلات عدة.

بدل، أن يجعلنا الفن ضمن نطاق اكتشاف العالم، سيخلق أشكالا أخرى تضاف إلى القائمة لكن لها حياة وقوانين خاصة بها.تقتضي اللغة الشعرية، عند إيكو، هذا الانقلاب على مستوى الوظائف العاطفية والمرجعية للغة، بحيث ينبغي لكل دلالة البقاء على نحو غير محدد كي تتمكن من الارتباط بدلالات أخرى، تنتجها قراءات متعاقبة للقصيدة.مادامت الفيزياء الجديدة قد اختبرت أهمية اللاحتمي، لذلك لايمكننا الاستغراب بأن القارئ قد أذهلته الإمكانية اللانهائية للأثر المنفتح، الذي يأخذ على عاتقه انعكاسات لاواعية، ويدعو إلى وضع العلِّية جانبا، ثم تجاهل كل تواطؤ سيميائي قصد التمكن من بلورة اكتشافات غير متوقعة وإرساء تحالفات جديدة.داخل هذا المضمار تحديدا، يتبنى إيكو نظريات غاستون باشلار حول الخيال المبدع.

*الخيال الخلاق حسب باشلار:  

الصور بمثابة قوى نفسية أولى، أكثر قوة من الأفكار والتجارب التي نحياها.فإذا كانت الصور منقطعة كي تنتج ثانية الأحاسيس تقريبا بأمانة، فإننا:  '' لانرى قط كيف يمكن للخيال تجاوز هذا الدرس الأول.بوسع الخيال حينئذ الاكتفاء بتعليقات''.نعتقد مع:   ''الإضاءة الخاطئة للإيتيمولوجيا''، بأن:   ''الخيال مجرد مَلَكة لتشكيل الصور.لكنه بالأحرى قدرة على تحوير الصور التي يقدمها الإدراك، بل يمثل أساسا مَلَكة انتشالنا من الصور الأولى، وتغيير هذه الصور.بالتالي، إذا لم يتحقق تحوّل للصور، وتآلف غير متوقع لها، فلامعنى للحديث عن الخيال، مع غياب الفعل المتخيّل.أيضا، إذا لم يحرضنا حضور صورة، للتفكير في أخرى غائبة، ولم تحدد صورة طارئة خصوبة صور شاذة، ثم تشظيا على مستوى الصور، فلا مجال للحديث بهذا الخصوص عن خيال. هناك الإدراك، ذكرى إدراك حسي، ذاكرة عادية، ألوان وأشكال معتادة.لذلك فاللفظة الجوهرية التي تتناسب والخيال، ليست لفظة صورة، بل المتخيَّلِ''.

يعكس الاشتغال على العوالم السردية وكذا الموضوعات الثقافية، لدى أمبرتو إيكو مناسبة جديدة كي يطرح سؤالا فلسفيا مركزيا:  ذلك المتعلق بطبيعة العلم، أو بالأحرى العلوم.تنتمي معرفة العالم لديه إلى العلم؛لكن بخصوص هذه الفكرة يضمر إيكو تصورا واحدا ومتعددا في الوقت نفسه. يُطرح التباين لديه، بين العلوم الطبيعية وعلوم الثقافة، عند المستوى السيميائي.الأولى تأويل للمعطيات، وهي بالتالي من الدرجة الأولى، بينما الثانية تجسد تأويلات من الدرجة الثانية إلى اللانهائي.لكن ابتداء من اللحظة التي تستهدف خلالها رموزا ذات صلاحية عامة وكذا موضوعات يمكن ملاحظتها عموميا، ويحتفظ الاثنان بعناصر مشتركة تمثل سمة علميتها.

لقد أرسى أمبرتو إيكو دعائم مقاربة''توفيقية'' للسيميائيات، ظلت منفتحة على كل مراجعة، أدركت كيفية تحقيق تكامل بين التراث الفلسفي والمنطقي، وكذا تراث هيلمسليف، ثم التقليد البنيوي.فالسيميائيات العامة بالنسبة إليه فلسفة للغة، تطبق مقولاتها الخاصة على مختلف الأشكال التعبيرية.ففي كل مرة ترتبط خلالها صفة''شامل''بدراسة ظواهر اللغة، الدلالة، التواصل، نجدنا أمام مايسميه ب:  "بادرة فلسفية''، خلال حديثه عن سيميائيته العامة.والحال، بالنسبة لأمبرتو إيكو، تنزع تحديدا النظرة الفلسفية صوب ماهو عام.             

*مرجع المقالة:  

Claudia Stancati:  La vie Des idées ;16 décembre 2016.