الأربعاء  28 تشرين الأول 2020
LOGO

ما أكثرَ الفِيَلَة!/ بقلم: عبد الله لحلوح

2020-09-22 08:11:28 AM
ما أكثرَ الفِيَلَة!/ بقلم: عبد الله لحلوح
عبد الله لحلوح

لم يعد الأمرُ غريبًا أن ترى الانبطاحَ رياضةً يمارسُها الكبير والصغيرُ، ويدمنُها جيلٌ كاملٌ من الذين خارت قواهم؛ إما لأنهم يعانون أمراضًا مزمنة، أو لأنَّهم رُدّوا إلى أرذلِ العمر، وكأنهم أقسموا جَهدَ أيمانِهم ألا يخرجوا من هذه الفانية إلا بعدَ أن يمارسوا رياضةً ما. وكانت رياضة الانبطاح مناسبةً لأجسادهم وكروشهم وعروشهم. فما نراهُ اليوم من خنوعٍ واستسلامٍ وركوع، وما نسمعه يوميًّا من أصوات انهياراتٍ مدويةٍ لأبراج القيم والأخلاق، ليس إلا ارتداداتٌ طبيعيةٌ لزلزال الانحراف الفكري والقِيَمي، فالفيلةُ تتكاثرُ في زمن الردَّة والنكوص، والمباراةُ في مرحلة الإيابِ ضعيفةٌ وغير مشجعةٍ على مواصلة المتابعة.

إنَّ ثقافةَ الهرولةِ التي باتت تُدرَّسُ في جائحةِ القبائل العربية، راحت تُعزِّزُ الإيمان الفردي والجماعي بضرورة تقديس الآخر المستبد، وتحاولُ بطريقةٍ ما أن تلوِّنَ الهزيمة بمصطلحاتٍ جديدة، فانفتاحُ المنغلقين السود على المنفتحين البيض أمرٌ إيجابيٌّ، وقرارٌ استراتيجيٌّ، وهو يصبُّ في المصلحة القومية العليا للقبيلة، وفي الجريرة تشتركُ العشيرة. وبالتالي فلا بدَّ من مواجهةِ الهزيمة بهزيمةٍ أكثر نعومة، وإلا فكيفَ سنتجنَّبُ خَطَرَ الفِيَلَةِ التي ترعى في أرض الله، والكبير يقول: لا تمسّوها بسوء؟

لقد بات واضحًا أنَّ المشاهد الحالية التي نراها اليوم تترى تباعًا، لا تبشرُّ بالخير، بل تنذرُ بشرٍّ عميم، حيثُ الخوفُ من اللاشيء أصبحَ خوفًا من كلِّ شيء، والسكوت علامةُ الجُبْنِ لا علامة الرضا، فأن ترضى أنْ تقتحمَ الفيَلةُ حاكورةَ جدِّك، وأنْتَ تصفِّقُ لها بالعيون الكالحات، وتضعُ يديْكَ على أفواهٍ تحاولُ أن تستعلمَ عن سرِّ هذا التصفيق، وتردِّدُ في سرِّكَ: "حُطّ راسك بين هالرّوس" أمرٌ بحاجةٍ إلى تفسير، مع أنَّه ظاهريًّا يُفَسِّرُ نفسه بنفسه، فلم تحتفظ المعاجم اللغوية بجذورٍ تشيرُ إلى انبطاح الحداثة، وتطورات الدياثة، ظنَّا من أصحابها بأنَّ اللغةَ العربيةَ على مرونتها لن تعجزَ عن اشتقاقاتٍ جديدة بعد ألف وخمسمئة عام وشحطة من حروب الأوس والخزرج، وغدر بني النضير والقينقاع. وكان الذي كان، فوقفت اللغةُ عاجزةٌ عن تبرير السقوط، ووضعِ اشتراطاتٍ جديدةٍ لمفرداتٍ يمكن أن يقبلها المعجمُ الحديث، فمجامعُ اللغةِ في بلادٍ عجزت عن تجميعِ أهلها، ستظلُّ عاجزةً عن تجميع المفردات التي تُجَذِّرُ لحالةِ القهقرى، والفوضى الخلّاقة التي بشَّرت بها ذات يومٍ أُنثى عاقر، ومكَّنها الأعرابُ من الحملِ بسلالاتٍ مختلفة، فلدينا في هذا الوطنِ الممتدِّ من الملحِ إلى الملح أجمل ابتسامة، وأكبر قطعة كيك، وأوسعُ (خُزقٍ) يعبر منه – رغم ضيقه- كلُّ من يريد العبور.

تتكاثرُ الفيلةُ التي تتغذّى على خيرات مزارعنا، وتعيث خرابًا في محميَّات شيوخ القبائل، وعيالُنا يرتِّلون لها آياتٍ من الفرحِ المؤجَّل، ويتداعون لحضور مراسم زواجٍ جديدٍ هنا وهناك، ويسيرون خلف مواكبِها مطأطِئي الرؤوس، بلا فؤوسٍ ولا كؤوس، بعد أنْ ودَّعوا العروس، وزفَّوها لعريسٍ (هامل). وهم يعلمون أنَّه سيمنعهم منها ويمنعها منهم، ولن يَدفعَ لها مَهْرًا، ولن يكتري لها مُهراً، بل سيركبُ ذويها ركوبَ خيَّالٍ أتقنَ السباقاتِ على ظهورِ الحمير، وسيظلُّ في أحسنِ الحالاتِ (يُراشي) على فيلِه الذي يرعى في حدائقنا المعلقة، ويهمس من بعيد: إياكم والاقتراب منه. أكرموا وفادته، وأحسنوا معاشرته، فإنَّه إن غضبَ سيكون شرُّه وبالًا، فهو لا يلقي لكم قلبًا وبالا، فغنّوا له كلَّما غاطَ وبالا. ولا تُشعِروه بالوحدة؛ لأنَّ ضجره غير محمود. وهو يدركُ تمامًا أنَّ الشيوخَ سيدركون أنَّه ضَجِرَ وسَئِمَ العزلة، فلا بدَّ من عقدِ اجتماعٍ على مستوى أَئِمةِ القبائل، والتشاور في موضوعِ تحسين ظروف الفيل، بل إنَّهم سيرونَ أنَّه من الواجب والعُرفِ والدين أن يكمِّلوا له نصف دينه، فليزوِّجوه، وليحتفلوا أيامًا لا معدودات، ومن أرادَ الزيادة فله أجرُها، والكبيرُ يضاعفُ الكرابيجَ لمن يشاء، وكلَّما كبرت عجيزة المضروب، تضاعفت الكرابيج، وكانَ وقعُها لطيفًا كما يقول أحدهم في سياقٍ غير هذا. هنيئًا للفيلةِ التي تتكاثر في مضاربنا، ومرحى للخوارجِ الذين يصلّون لقِبْلةٍ جديدة، وقُبلةٍ فريدة.