الخميس  04 آذار 2021
LOGO

حوار الفصائل وتغييب المواطن "2" / بقلم: جمال زقوت

المواطنة وسبل إعادة بناء الحركة الوطنية

2021-02-08 09:35:55 AM
حوار الفصائل وتغييب المواطن
جمال زقوت

بالإضافة إلى فشل برامج القوى المهيمنة على المشهد وصاحبة الولاية الحصرية على الانقسام، فإن عدم الإقرار بهذا الفشل والاستمرار في ادعاء كل منهما في الحق بالانفراد والتحكم بمصير البلد وتمثيل الناس؛ قد أدى إلى انفصال كل منهما عن الواقع وتراجع ملموس في شعبية كل منهما، ففي الوقت الذي اعتمدت فيه سياسة الإقصاء داخل المنظمة والتعامل معها كأنها ملكية خاصة للمهيمنين عليها  والتفرد بقراراتها وإغلاقها على نفسها لدرجة لم تعد الأجيال الشابة تلحظ مجرد وجودها بفعل تفكيك طابعها الائتلافي ودورها الكفاحي وتحوّلها لمجرد تابع للمتحكمين بالسلطة، كان الطرف الآخر من الانقسام يمارس ما هو أخطر؛ ويختطف جغرافيا جناح الوطن الجنوبي، ويغلق أبوابه تحت قبضته من خلال الانقلاب الذي يتحول يومياً إلى حالة من الانفصال وتداعيات ذلك الخطيرة بل الكارثية ليس فقط على مكانة حقوق الإنسان بل ومكانة ومصير القضية الوطنية برمتها. 

إن مدخل حل الأزمة الوطنية يستدعي الإقرار بأن مرحلة الانفراد من أيٍّ كان بالسيطرة على القرار الوطني قد انتهى إلى غير رجعة، وأن اختطاف جزء من الوطن كرهينة في معركة الصراع على التمثيل هي جريمة وطنية أسست لاضعاف مكانة التمثيل الموحد ومكانة القضية الفلسطينية على الصعيدين الإقليمي والدولي، وهذان الأمران فتحا شهية الاحتلال، ومكّنا إسرائيل التوسعية من استحضار أيديولوجية التأسيس العنصرية للحركة الصهيونية بوضع مخططات الضم ومنع قيام أي كيانية وطنية فلسطينية موضع التنفيذ.

 ترافقت هذه المعارك الداخلية مع إقصاء المواطنين على ضفتي الانقسام؛ ففقدت القضية الوطنية سلاحها الوحيد ممثلاً بالمواطن الإنسان والتحدي الأكبر هو كيف يمكن تحرير إرادة المواطنين من هيمنة الانقساميني وتفردهم بالمصير الوطني، وتمكين المواطن بأن يعود، كما كان دوماً، سيما في مرحلة الانتفاضة الكبرى عام 1987، باعتباره مركز العملية الوطنية؛ هذا الأمر يتطلب استعادة المبادرة من قبل الفئات الشعبية ورفض احتكار السياسة من الطبقة الحاكمة على ضفتي الانقسام، والنضال الملموس لاستعادة كافة حقوق المواطنة التي تم دوسها في صراع المصالح ومعركة الصراع على التمثيل الانقسامية.  لقد آن الأوان لكي تصبح المنظمة بمثابة الجبهة الوطنية الائتلافية التي تضم الجميع والإقرار بالتعددية في إطار وحدة المؤسسات التمثيلية الجامعة، ومغادرة كل أشكال الإقصاء والهيمنة والتفرد، واتخاذ القرارات المصيرية بالتوافق والحرص على روح الوحدة والإجماع الوطني، كما يستدعي اعتماد استراتيجية الصمود المقاوم على صعيد الحركة السياسية وفي ميدان المواجهة مع مخططات الضم والاستيطان والتهويد ومجمل استراتيجيات المشهد الاستعماري وسياسات الأبارتايد الإسرائيلية. والتوقف عن اللهاث خلف وهم التسوية قبل استنهاض قوى المجتمع وتصويب ميزان القوى بصورة ملموسة، وقبل اعتراف إسرائيل المسبق بحقوق شعبنا الوطنية كما عرفتها الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي.

إن أي معالجة جادة للأزمة الوطنية والمأزق الذي تواجهه القضية الوطنية يجب أن يأخذ بالاعتبار مضمون وجوهر النقاش الجاري في المجتمع وداخل المجموعات والحراكات المجتمعية حول مدى العلاقة وماهية الترابط بين الوطني والاجتماعي، فاستعادة الهوية والكيانية الجامعة يجب أن تكون في صلب الحوار الوطني، فالنقاش حول بلورة الكيانية الجامعة التي تحققت سابقاً في إطار منظمة التحرير كممثل شرعي وحيد لشعبنا وأسباب تراجع مكانتها في الوعي الجمعي العام، وسبل معالجة التصدعات التي تعيد لهذه الكيانية مكانتها وشروط هي عناوين البحث التي يجب أن تتصدر أعمال الحوار الوطني. والإمساك بالأهداف المشترك "العودة وحق تقرير المصير لكل مكونات الشعب" ضرورة قصوى لحماية وإعادة توحيد الهوية الجامعة بديلاً لحالة التفكك التي تسود التجمعات الفلسطينية. إن هذا يتطلب العمل الفوري لإنهاء الانقسام وتداعياته على أساس الإقرار بالشراكة والوحدة الوطنية التعددية، وهذا الأمر بأيدينا من خلال إعادة بناء المنظمة على أسس ديمقراطية  والتعامل الجدي مع متطلبات التغيير الجوهري في بنيتها، والعمل الجاد لاستعادة ثقة الشعب في كافة أماكن تواجده بما في ذلك لاجئي الشتات، وأبناء شعبنا داخل 48 بقيادتها الموحدة وهيئاتها التمثيلية الجامعة، الأمر الذي يتطلب بلورة صيغة هوياتية وبرنامجية موحدة الأهداف العامة حتى لو تمايزت بالخصوصية، بالإضافة إلى إعادة جوهر الصراع بوصلها الأساسية مع الاحتلال والتمسك بروايتنا التاريخية في مواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني، وما يتطلبه ذلك من استنهاض مراكز القوة الكامنة في المكونات الثلاثة. أما الأمر الجوهري الآخر فهو إعادة تعريف العلاقة بين مهمتي التحرر الوطني والبناء الديمقراطي والحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لشعبنا ، فدون إغفال المسألة الوطنية وتعقيداتها السياسية فإن مركز العلاقة بين المهمتين هو سؤال المواطنة ومدى القدرة على إعادة المواطن الإنسان لمركز العملية الوطنية لتمكينه من مغادرة الإحباط وحالة الانكفاء والانتقال إلى المشاركة والثقة بقدرته الفردية والجمعية على إنجاز مشروعنا الوطني الجامع، فهذه العلاقة قائمة على بعدين يتمثلان باستحقاقات إحياء الانتماء لهوية جامعة والاستجابة للمصالح والاحتياجات الفردية والجماعية المباشرة للمواطنين، من خلال الربط الملموس بين احتياجات الناس للصمود و ديمقراطية التمثيل الموحد ؛ فكلما تقدم مشروعنا الوطني كلما تقهقر الطابع العنصري لدولة الاحتلال والأبارتايد، لقد تم ذلك في الانتفاضة الأولى لدرجة أنه تم طرح حكم ذاتي ثقافي لجماهير 48 مثلاً، ذلك كله بحاجة للإمساك بمسألة حق تقرير المصير ووحدة المشروع الوطني ورافعته الأساسية الوحدة والصمود المقاوم والتعددية، وإعلاء صوت وتظهير ملموسية المشروع التنويري الحداثي في سياق المشروع الوطني الناظم لنضال شعبنا ومعركته الطويلة لانتزاع حقه في الحرية وتقرير المصير.

وللحديث بقية ؛