الإثنين  17 أيار 2021
LOGO

الْوباءُ في الأعمالِ الأدبيّةِ/ بقلم: سليم بشير العابد

2021-05-01 06:00:21 PM
الْوباءُ في الأعمالِ الأدبيّةِ/ بقلم: سليم بشير العابد
سليم بشير العابد

 

عصفت الأوبئة في مختلف الحقب التاريخية بالعديد من المناطق حول العالم ابتداء من وباء حرب البيلوبونيسية بين حلفاء أثينا وحلفاء إسبرطة سنة ٤٣١ قبل الميلاد وصولا إلى الكوليرا التي أصابت مصر سنة ١٩٤٧. وقد تباينت وجهات النظر حول الوباء كَبابٍ باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. 

وتلبّست مفردات مثل الطاعون -الموت الأسود- والتيفوس والحمّى الصّفراء والجذام والكوليرا والإيبولا بمعانٍ جنائزية تنذر بالفراق والغياب السّحيق وعطن الموت.

ولكن كيف تحوّل موضوع الوباء إلى أعمال إبداعية نثريّة كانت أو شعريّة شرقا وغربا؟ وما النقاط الجامعة والفارقة في هذه الأعمال؟ وما الّذي أثار الأدباء باختلاف هويّاتهم لتحويل الوباء إلى موضوع كتابة؟

لقد زخرت المدوّنة الأدبية العربيّة والغربيّة بقصائد وروايات جعلت من الوباء غرضا وموضوعا، ومن الجوائح قصصا تروى.

فمن أشهر الأعمال الشّعرية في هذا الموضوع قصيدة "معسكر الكوليرا" الّتي قرضها سنة ١٨٩٦ الشّاعر والقصّاص جوزيف روديارد كيبلنغ، وهو أول إنجليزي يحصل على جائزة نوبل سنة ١٩٠٧وأصغر الحاصلين عليها سنّا. ثمّ قصيدة وزير مدينة لانسنجبرج عن الكوليرا التي أصابت هذه المدينة بأمريكا سنة ١٩٣٢، وتمّ نشرها سنة ١٩٣٧.

 وفي الوطن العربي، نظَمت رائدة الشعر الحرّ العراقية نازك الملائكة قصيدة "الكوليرا" سنة ١٩٤٧، وفيها تُصَوّر وقعَ الموت بعد تفشّي وباء الكوليرا في مصر، وقد فاقت في شعريّتها قصيدة علي الجارم الّتي قرضها في الكوليرا سنة ١٨٩٥.

ومن أشهر الأعمال النثريّة الروائيّة الغربيّة في أدب الوباء رواية "دفتر أحوال الطّاعون" للكاتب الإنكليزي دانييل ديفو التي أصدرها عام ١٧٢٢، ووثّق من خلالها الطاعون الذي اجتاح لندن عام ١٦٦٥، ورواية "حصان شاحب، فارس شاحب" للأميركيّة كاثرين آن بورتر صدرت سنة ١٩٣٩، ورواية "الطاعون" الصّادرة في ١٩٤٧ لألبار كامو، ورواية "العمى" لجوزيه ساراماغو سنة ١٩٩٥، ورواية "عام الطوفان" للكاتبة الكندية مارغريت أتوود المنشورة سنة ٢٠٠٩، ورواية "المحطّة الحادية عشرة" للروائيّة إيميلي سانت جون مانديل سنة ٢٠١٤.

أمّا أشهر الأعمال الروائية العربيّة التي اتّخذت الوباء موضوعًا، فهي رواية الكاتب المصري جمال الغيطاني "وقائع حارة الزعفراني" المنشورة سنة ١٩٧٥، ورواية الكاتب السوداني أمير تاج السرّ " إيبولا ٧٦" الصادرة سنة ٢٠١٢.

ولئن وحّد موضوع الوباء جميع هذه الأعمال الأدبيّة إلّا أنّها تختلف في مستويات القراءة، فبعضها تأثّر بأحداث واقعيّة حقيقيّة في سياقات اجتماعيّة محدّدة الزمان والمكان، على خلاف بعض الأعمال الأخرى التي اتخذت من الوباء قاعا رمزيا أو وجوديّا لتحليل السلوك البشريّ.

ولعلّ الخيط النّاظم لبنية هذه الأعمال الروائيّة هو:

١- ظهور الوباء ورصد الحالات الأولى.

٢- تفشّي العدوى بسرعة.

٣- إنكار السلطات للوباء وتخاذلها في التعامل معه مِنَ البداية.

٤- تحوّلات في سلوك الأفراد.

٥- ذروة الوباء.

٦-التدابير الجديدة لمقاومة الوباء.

٧- انحسار الوباء.

٨- الانفراج واستعادة الصحّة.

وبالنظر إلى رواية العمى نموذجا لأدب الأوبئة الّتي تكثّف فيها الحضور الرّمزي، نلحظ أنّها رواية قد خلت من كل الأسماء والأرقام والتواريخ، واكتفى كاتبها بوصف شخوصها والأماكن التي جرت فيها الأحداث، وانعدمت منها أو كادت علامات الترقيم. ومثلما كانت الرواية مبهمة في شكلها إبهام العالم الذي نعيشه، كان المضمون سردا للتحوّلات الطّارئة في سلوك البشر وضعفهم زمن الوباء. ففي مدينة العالم، يصاب أحدهم بعمى حليبيّ أبيض عند إشارة مرور لتتفشى العدوى بعد ذلك بين جميع السّكان، وتنهار المؤسسات بأنواعها السياسيّة والعسكريّة والدينيّة، وليواجه الإنسان مصيره بمفرده أمام الشرّ والفساد والأنانيّة. يعكس العمى في رواية أديب البرتغال الأوّل انهيار القيم الإنسانيّة الأصيلة، ليتدهور العالم ولا يبقى فيه إلا الكاتب ليكتب ذاكرتنا الجماعيّة، ويسرد عزاء القارئ الأعمى الباحث عن دليل في عالم السيولة بلغة زيغمونت باومان.

وبعد انتشار العدوى في شوارع العمى، وبداية رحلة البحث عما يسدّ الرمق ويلجم عواء الجوع، تلج زوجة الطبيب -الشخصية الوحيدة في القصة التي لم تصب بعدوى العمى- مخزنا تجاريّا يغصّ بكل الأجهزة الكهربائيّة التي لا قيمة لها زمن المحنة والجوع. فـ"كُسيرةٌ يابسةٌ وبُقيلةٌ ذاويةٌ" أهمّ للحياة من كل منتجات الدّعة والرّاحة. ومن خلال الرّمز ينتقد ساراماغو حفلة تفاهة التقنية وعالم الرفاه السحري اللّذيْن يتشدق بهما الإنسان.

لقد عكست الحكاية سعي الإنسان المحموم لتجاوز مدار الرعب والخوف من المجهول، فما أدب الأوبئة إلّا بحث أبديّ عن الطمأنينة التي أطاح بها نعيق الموت. بعد أن زفّت الجوائح بالإنسان في اللّامعنى كما يقول الكاتب إد سيمون، لتروم الرواية أن تعيده إلى طمأنينة عالم الدراية الذي افتقده.

فيم تتمثّل معاناة الإنسان زمن الوباء؟ هل في توقّف الحركة الطبيعيّة اليوميّة أم في اهتزاز وثوق الإنسان بالفتوحات العلمية التي كثيرا ما تغنّى بها وبسيطرته على الطبيعة؟ أم في فقدانه للحبّ الاجتماعي بتفاصيله اليوميّة أمْ في تغيّر المشهد اليومي المألوف؟

إنّ غاية أدب الوباء توسيع تخوم الفهم والمعرفة البشرية وتأكيد مسعى الخلاص والتبشير بالنجاة من المحن كما ترى الكاتبة لطفية الدّليمي.

 في ختام رواية ساراماجو وبعد أن يسترجع سكّان المدينة بصرهم يدور حوار بين الشخصيّتين الرئيسيّتين أي الطّبيب وزوجته، حوار يلخّص مأساة الإنسان "هل تريدني أن أخبرك بما يجول في ذهني؟"، "نعم، أخبرني"، "لا أعتقد أننا صرنا عميانا، أعتقد أننا عميان أصلا"، "نحن عميان لكنّنا نرى"، "عميان بوسعهم أن يروا، لكنّهم لا يرون" ص ٤١٣.

كذلك حال الإنسان "فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور" سورة الحج -الآية ٤٦