الجمعة  17 أيلول 2021
LOGO

يحتفلون بمناسباتنا الدينية والاجتماعية ويقدمون خدمات إنسانية.. مراكز الاستعمار الناعم في القدس

2021-08-02 02:31:24 PM
يحتفلون بمناسباتنا الدينية والاجتماعية ويقدمون خدمات إنسانية.. مراكز الاستعمار الناعم في القدس
أرشيفية

الحدث -سوار عبد ربه

واظب الاحتلال من خلال جمعياته الاستيطانية ومؤسساته التي عمل على نشرها منذ احتلال القدس، على محاولة صهر الوعي المقدسي، وتطويع العقل العربي وتهويده، من خلال محاولة قواته تهويد وأسرلة المدينة المقدسة وتفريغها من سكانها الأصليين، لصالح الصهاينة، الذين يسعون من خلال ممارستهم إلى تدعيم الرواية الصهيونية بأحقيتهم في المدينة. 

حتى في اقتحاماته المتكررة للمسجد الأقصى يسعى الاحتلال لإثبات الوجود اليهودي بشكل دائم في المسجد، لخلق شعور لدى المقدسيين أن هذا هو الوضع الطبيعي وهو ما عليهم تقبله، ومن أجل ذلك عمدوا إلى تقسيمه زمانيا ومكانيا، من خلال توزيع أوقات الصلاة بين المسلمين واليهود عند تنفيذهم للاقتحامات وأداء الصلوات التوراتية فيه.

هذا ما أكده الكاتب والمحلل السياسي راسم عبيدات في مقاله "اقتحامات الأقصى وتطويع العقل العربي والفلسطيني" إذ قال: "نعم حتى في الاقتحامات للأقصى هناك أهداف سياسية وحرب على الوعي من أجل كيه وصهره وتطويعه وجرفه، ولذلك لا بد من أوسع عملية تحصين لأبناء شعبنا وأمتنا لمنع اختراق وتطويع وعيهم، لصالح المشاريع المستهدفة والقبول بمخططات ومشاريع تقسيم الأقصى".

علاوة على ذلك، فمن جملة الأساليب التي اتبعها الاحتلال للتغلغل في المجتمع المقدسي؛ إنشاء مراكز جماهيرية هدفها الأساس اختراق المجتمع الفلسطيني المقدسي، تحت مسميات مختلفة، كالتطوير والتنمية المجتمعية، والاحتواء، وغيرها، جاء ذلك بعد فشلهم الملموس في تهويد الفكر والمجتمع المقدسي.

ويعرف الباحث في جمعية الدراسات العربية مازن الجعبري في لقائه مع صحيفة الحدث، المراكز الجماهيرية على أنها تتبع لبلدية الاحتلال بشكل مباشر، إذ أنشئت قبل عدة في سنوات في عدد محدود من أحياء القدس لتؤدي بعض الأنشطة الثقافية والفنية والجماهيرية، وتحديدا في أحياء غربي القدس.

ويضيف: "لاحقا أخذ الاحتلال قرارا لتركيز العمل في مدينة القدس من أجل تهويدها وأسرلتها ومنع المؤسسات الفلسطينية من العمل في مدينة القدس، فوسعوا نشاطها وقاموا بزيادة أعداد المراكز لتغطي أغلب أحياء شرقي القدس.

ويتابع: وفروا للمراكز ميزانيات ضخمة تتجاوز ال15 مليون شيقل في السنة، ثم وسعوا صلاحيتها وأعمالها، حيث تغلغلت بين الناس وعملت على قضايا البلدية كمشاكل الرخص، بالإضافة إلى الأنشطة مع المدارس، ثم أصبحت المراكز تعمل على التطبيع مع الإسرائيليين.

ويردف: ثم ارتبطوا مع الشرطة الجماهيرية، التي تعمل مع المدارس وتتابع القضايا المتعلقة بالشؤون الاجتماعية، كي يتغلغلوا بالجسد الفلسطيني.

وفي عيد الأضحى الأخير أقام مركز جماهيري بيت حنينا حفلا حضره أكثر من 500 شخص من أهالي وأطفال المنطقتين.

وفي ظل جائحة كورونا، عملت تلك المراكز على تقديم خدمات متنوعة للسكان، كتوزيع الطرود وتقديم المساعدات العينية، والاعتناء بالمسنين، ناهيك عن الأنشطة الترفيهية والثقافية والرياضية والاجتماعية التي يقومون بها على مدار السنة، وفقا للجعبري.

ويبين الجعبري أن هذه المراكز جاءت نتيجة للهبات الفلسطينية في القدس، لا سيما بعد استشهاد الطفل محمد أبو خضير، إذ فكر الاحتلال في اتباع سياسة الاحتواء مع المقدسيين بهدف أسرلتهم، واصفا إياها بالخطرة نظرا لتغلغلها في الأحياء المقدسية من ناحية اجتماعية.

المؤسسات الوطنية مقابل المراكز التطبيعية

ويتفق نشطاء مقدسيون على أن هذه المراكز جاءت لتحل محل المؤسسات الوطنية الفلسطينية في القدس، مستشهدين بذلك على أساليب التضييق التي تتبعها بلدية الاحتلال مع مؤسساتنا الفلسطينية، من إغلاقات متكررة، ووضع شروط تعجيزية عليهم.

وفي تاريخ 11/3/2020 قال الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي في القدس في بيان له، "إن مقاطعة هذه المراكز التي تشكل خطورة على الهوية الفلسطينية والوعي الوطني، هي مسؤولية جماعية رسميا وشعبيا؛ ما يتطلب وضع خطط واستراتيجيات مضادة، تشمل إقامة مراكز فلسطينية مماثلة تكون مدعومة حكوميا، وبمشاركة القطاع الخاص الفلسطيني الذي تقع على عاتقه أيضا مهمة مواجهة مشروع التهويد والأسرلة".

في هذا الشأن يوضح أ. مازن الجعبري أن بلدية الاحتلال تلاحق المراكز والمؤسسات الوطنية الفلسطينية، وتصدر أوامر إغلاق، كما وتعرقل كافة نشاطاتها الفلسطينية، بالإضافة إلى التضييق على الأندية التي تعنى بالشؤون الرياضية والشبابية وغيرها، وجاءت المراكز الجماهيرية الاحتلالية خدمة لسياسة الاستعمار، لطمس الهوية الفلسطينية وتدجينها.

ويقول الجعبري: "الاحتلال يقوم بتقييد لهذه المؤسسات لتغيير الهوية السياسية للمدينة وهي إجراءات قصرية شملت العشرات من المؤسسات العاملة في المدينة، موضحا أن هذه المؤسسات كانت موجودة بالأساس قبل إنشاء المؤسسات الاستعمارية، وكانت تقوم بأدوار متنوعة للفلسطينيين، سواء في القدس أو في الضفة الغربية أو في قطاع غزة.

ووفقا لدراسات، أغلق الاحتلال منذ احتلال القدس عام 1967م، ما يزيد على مئة جمعية خيرية فلسطينية، كان يتركز جل عملها على ترميم المنازل وصيانة البلدة القديمة والحفاظ على العقارات وإعداد الخرائط وصيانة الأراضي وتقديم خدمات حقوقية وغير ذلك.

أما الكاتب والمحلل السياسي راسم عبيدات فيوضح أن الاحتلال يعمل على تهميش دور ووجود المؤسسات في مدينة القدس من حيث التعدي عليها بالإغلاق وتفريغها من محتوياتها، وعدم السماح للعاملين فيها بالوصول إلى أماكن عملهم، فالاحتلال لا يريد أي وجود فلسطيني في القدس.

وكانت القوى الوطنية والإسلامية في مدينة القدس دعت إلى المقاطعة الشعبية والوطنية لكل من يروج ويعمل في هذه المراكز، عند إنشائها، مؤكدة أنها "شكل ناعم من أشكال الاحتلال وسياساته في مدينة القدس، حيث لا يعقل أن من يعطي أوامره بالهدم وملاحقة أهلنا وشعبنا في المدينة، أن يكون حريصًا على أبنائنا وبناتنا، فلا فرق بين جرافة تقوم بالهدم، ومركز تؤسسه وتدعمه تلك الجهة.

ومن الجدير ذكره أن إجراءات الاحتلال التعسفية بحق المؤسسات الفلسطينية في القدس تعتبر مخالفة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أكدت أكثر من مرة على أن القدس مدينة محتلة، تنطبق عليها كل القرارات الدولية التي تحرم إحداث تغييرات جغرافية أو ديمغرافية بحق الأرض والسكان.

المراكز تستقطب الطلاب وتبث سمومها في المناهج

وللوقوف عند آلية عمل المراكز الجماهيرية في المدارس المقدسية، لا بد من الإشارة إلى أنواع التعليم في مدارس العاصمة، حيث يوجد 45-47% مدرسة في القدس تتبع إلى بلدية الاحتلال و23% مدارس خاصة ترخيصها وتمويلها إسرائيلي و10% مدارس أهلية بعضها يتلقى أموالا إسرائيلية و8% مدارس تتبع للأوقاف الإسلامية والسلطة الفلسطينية.

وتسعى "إسرائيل" بشكل حثيث إلى فرض منهاج التعليم الإسرائيلي على مدارس شرقي القدس بهدف إحكام سيطرتها الكاملة على جهاز التعليم.

في هذا الجانب يوضح رئيس اتحاد لجان أولياء الأمور زياد الشمالي في لقائه مع صحيفة الحدث أن المراكز الجماهيرية جاءت لتحل محل المؤسسات الفلسطينية الوطنية، وهدفت إلى القضاء عليها، من خلال استقطاب الأطفال وشريحة الطلاب، واصفا إياها بالبؤر الاستيطانية الاجتماعية.

ووفقا للشمالي طرحت المعارف الإسرائيلية والبلدية الخطة الخمسية التي تعمل على أن تصبح نسبة المدارس التي تتبع الجانب الإسرائيلي 90% في القدس، وهذه المدارس هي محطة عبور للجامعات الإسرائيلية أيضا، إذ تعمل المؤسسات الإسرائيلية على الترويج لجامعاتها من خلال المراكز المنتشرة في أرجاء القدس حيث أنشأت برامج تتبع لمجلس التعليم العالي الإسرائيلي، مهمتها زيارة المدارس الثانوية، وتعريف طلبتها بإمكانيات التعليم العالي في الجامعات الإسرائيلية.

وحول هذا تقول إحدى الطالبات المقدسيات التي أنهت مرحلة الدراسة الثانوية في مدرسة المأمونية التابعة لبلدية الاحتلال في القدس في لقائها مع صحيفة الحدث: "كانوا يعملون على مشروع من الجامعة العبرية يتضمن دورات لها علاقة بالطب واللغة وأمور أخرى، فالتحقت ببرامج اللغة العبرية من الصف الحادي عشر مدة سنة ونصف، بالإضافة إلى منحة لطلاب شرقي القدس فعرضوا علينا أن نسجل".

ويتفق كل من مساعد الأمين العام لاتحاد المعلمين –فرع القدس منيف الخطيب، ونائب محافظ محافظة القدس عبد الله صيام في لقائهما مع صحيفة الحدث على أن قطاع التعليم في القدس مستهدف من قبل سلطات الاحتلال التي تعمل على محاربة المنهاج الفلسطيني والمدرسة الفلسطينية والمعلم الفلسطيني، مع تأكيدهما على أهمية وضرورة بقاء هذه المدارس في المدينة المقدسة واستمرار التعليم فيها بالمنهاج الفلسطيني، إذ تواجه مدارس الأوقاف في القدس وطلبتها تحديات كثيرة تضاعفت في العام الحالي والسابق بسبب استمرار قرار الاحتلال إغلاق مكتب مديرية التربية والتعليم الفلسطينية في القدس من جهة، وأزمة كورونا والتعليم الإلكتروني من جهة أخرى.

وجاء في ورقة بحثية أعدها مدير مكتب التربية والتعليم في القدس سمير جبريل حول واقع مدارس الأوقاف في القدس، أن هذه المدارس "أبنيتها عبارة عن بيوت سكنية لأنها غير مؤهلة لاستيعاب الطلبة بأعداد كبيرة وصفوفها مكتظة، وتفتقر إلى الساحات والملاعب والقاعات والمسارح المدرسية وهي من الركائز الأساسية للمدرسة، كما أن نصف المباني تقريبا مستأجرة وتزيد إيجاراتها السنوية عن نصف مليون دينار أردني، فضلا عن صعوبة الحصول على رخص بناء بسبب الشروط التعجيزية التي تفرضها بلدية الاحتلال من جهة، ومن جهة أخرى سيطرت البلدية على الأراضي المخصصة في المخطط الهيكلي للمنفعة العامة.

ويضيف أن الكثير من المدارس لا تتوفر فيها المرافق التعليمية اللازمة، إما لضيق المكان أو لعدم توفر الإمكانيات، كما أن هذه المدارس تعتمد في نواحي الصيانة أو التأهيل أو الترميم على عدد من المؤسسات، بالإضافة إلى أن رواتب المعلمين منخفضة جدا.

لذا، ونتيجة لتردي أوضاع المدارس الفلسطينية في القدس، إلى جانب الجهود التي بذلتها المراكز الجماهيرية، لاستقطاب الطلاب المقدسيين إلى مدارسها ومناهجها التعليمية، يوجد تخوف من ازدياد أعداد الطلبة الملتحقين بالمنهاج الإسرائيلي "البجروت".

لكن الشمالي يركد على أنه "بعد سنوات من محاولات التهويد والأسرلة لم يتجاوز عدد الطلبة الملتحقين بالنظام الإسرائيلي 8000 طالب من أصل 100 ألف طالب مقدسي، ولكن هناك تخوفات، فالتوجه الإسرائيلي اليوم في بناء مدارس فقط للمنهاج الإسرائيلي والمناهج التي تدرس المنهاج الفلسطيني تبقى كما هي".

ومن السهل التنبؤ بالوضع التعليمي في مدينة القدس مستقبلا، قياسا بالوضع التعليمي الحالي في الداخل المحتل، حيث أن الفلسطيني في أراضي 1948 يتعلم عن الطالب "الإسرائيلي"، ولا يتعلم عن ذاته، فالمنهاج المدرسي مليء بالرموز "الإسرائيلية" والنشيد "الإسرائيلي"، وتاريخ "الشعب اليهودي" وغيرها الكثير من التاريخ المطروح من وجهة نظر استعمارية.

بدورها، تقول المعلمة ح. ن من مدينة يافا: "المعلم الفلسطيني في الداخل المحتل، يتعرض لمضايقات كثيرة، وهو ممنوع من الخوض في النقاشات السياسية أو التاريخية التي تروي تاريخ فلسطين، وإن قمنا بذلك كمعلمين يكون ذلك سريا، خوفا من عواقب الطرد من الوظيفة".

وبحسب ح.ن: المعلم الفلسطيني في الداخل المحتل، يظل اسمه على لائحة الانتظار في قائمة التوظيف لفترات طويلة، مقابل توظيف المعلم الإسرائيلي بأسرع وقت ممكن، وهذا واحد من جملة مضايقات يتعرض لها المعلم الفلسطيني في الداخل.

وتضيف المعلمة ح. ن: في بعض المدارس يتم إجبار المعلمين على وضع صورة بن غوريون ويتم تدريس حصة "موطن" التي تتحدث عن "إسرائيل" ورموزها خاصة لدى الصفوف العليا، ناهيك عن أن المناهج لا تحتوي على التاريخ الفلسطيني، ولا حتى هامشيا، فهم لا يعترفون بالوجود الفلسطيني".

ختاما، يمكن تلخيص ما يقوم به الاحتلال من محاولات تغلغل في العقل المقدسي على وجه الخصوص والفلسطيني عموما، لا سيما الطالب الذي يكون في مرحلة تكوين الوعي والشخصية والفكر بقول الكاتب الإنجليزي ريتشاردسون "يخطط منهاج التربية القومية في كثير من الحالات لخلق أساطير قومية لترسيخ الوعي القومي و لإضفاء الشرعية على التقاليد التاريخية وكسب ولاء الشعب في الأوضاع السياسية المختلفة".