الجمعة  27 أيار 2022
LOGO

في معاني "معنى النكبة"

2022-05-10 08:27:24 AM
في معاني
رولا سرحان

 

يظل السؤال حول "معنى النكبة" حياً، ومعه كل الجهود الأكاديمية لملء صفحات البحث في المعنى وفي معنى المعنى. وفي ظل ورطة المعنى هذه، ومحاولات منحه خَلاصَهُ من أزمته الماثلة في استدامةِ تقليبِه ذات اليمين وذات الشمال، يستمرُ تحميلُ المعنى بالمزيد من المعاني. ويُصبح "معنى النكبة"، هو المعنى الوحيدُ القابلُ لاحتمالِ معانٍ أكبر منه واستدخالها فيه، واستقبال معانٍ أصغر منه وتحميلها عليه. هكذا حملت النكبة معنى التأخر والرجعية العربية، ومعاني الحداثة المجهضة فلسطينياً، ومعاني تذرير الهوية في الشتات والمنفى واللجوء، ومعاني الممارسة المخطط لها سلباً وطردا وتطهيراً عرقياً وفصلاً عنصرياً؛ تماماً مثل معاني العار التي يجرها التاريخ على التوالي على شكل تطبيع وسلام وأزمات القيادات الفلسطينية المركبة المتراكمة، والتقلص الجغرافي والتمدد الأمني تنسيقاً واستعماراً.

ومع تداولية معاني "معنى النكبة"، تظلُّ أشكلةُ بعض المفاهيم حاضرةً غائبةً، لربما لثقل تفاصيل النكبة وتجددها وبعث الروح فيها باستمرار. أول تلك المفاهيم هو مفهوم "الزمن المنكوب"، الذي يصبحُ واحداً من معاني النكبة. وما بين "الزمن المنكوب" وتوصيف آخر للزمن بـ "الزمن الموقوت" الذي يحملُ ملامحَ الانفجار على حد توصيف عبد الرحيم الشيخ في مقالة تحملُ نفس العنوان، حد فاصلٌ رفيعٌ. فـ "الزمن الموقوت" الذي هو حصيلةُ زمنين: زمن الاستعمار الثابت في تدفقه، وزمن المقاومة، اللذين باجتماعهما يولدان "الزمن الموقوت" القابل للانفجار؛ فإن "الزمن المنكوب" هو العطب الذي يُصيبُ فكرة الزمن ككل، فيُصبح زمناً معتلاً غير صالحٍ للقياس وفق التزمين الذي نعرفه على شكل ماضٍ وحاضر ومستقبلٍ. بل هو زمنٌ تتراكبُ فيه الأزمنةُ وتتفكك، وتظلُّ تتراكبُ على بعضها وتتفكك، كأن بها خللاً إلى ما لا نهاية إلا بنهاية النكبة. فـ"الزمن المنكوب" هو زمن يُقاس بلا وحدات الزمنِ، بل يُقاس بالتكوين الفلسطيني الأول ما قبل النكبة، وبحاضر الخطيئة المتمثلة بالنكبة، وبانتظار الخلاص النهائي بالخلاص من النكبة.  حينها يصبح الزمن قادراً على السير بشكله الطبيعي زمناً بطيئاً أو سريعاً، مملاً أو مثيراً. أي يُصبح زمناً إنسانياً معافى، قابلاً لأن يملأ الفلسطيني فراغه المفترض دون وجود مستعمِر يستحوذ على أدوات تشغيله وإيقافه؛ أي يُصبحُ الزمنُ "زمن الفلسطيني" خالصاً، ولا يُشكل هاجساً ولا يكونُ متصارعاً عليه.  

أما المتورطُ الآخر في معاني "معنى النكبة"، فمستمدٌ أيضاً من خاصية انتكاب الزمن هذه التي تُفسحُ المجالَ لحضور الذاكرة لتلعب هي الأخرى على عطبه، لأن النكبة التي لا تنتهي تستطيع أن تضغط على زر التوقف Pause مثل آلات التسجيل، فتتحرك الذاكرةُ مجددةً الماضي في الحاضر وتسيطرُ على المستقبل بتعليقه أو توقيفه وفق المبدأ الإيبوخي Epoche. بذا تُصبِحُ الذاكرةُ هي الأخرى قادرةً على تفكيك الزمن وتركيبه، وبدلاً من أن يكون الزمنُ هو الفاعلُ في الذاكرةِ، القادرُ على تفكيكها بتوريطها في النسيان والاستمرار في تشويه سمعتها بالنقصان وعدم التمام، تُصبح الذاكرةُ هي الفاعلُ في الزمن.

أما عملُ الذاكرة هذا، فيُحيلنا إلى معنى آخر من معاني النكبة، وهو مفهمة محيطِ الذاكرة  Milieu de Mémoire الذي تم افتراضُ انقضائه واختفائه لتحلَّ محلَّهُ أماكنُ الذاكرة Lieux de Mémoire كما أسس لذلك بيير نورا الذي فصل فصلاً قطعياً ما بين أماكن الذاكرة ومحيطها في جملته الشهيرة إن: "هنالك أماكن للذاكرة لأنه لم يعد هنالك محيطٌ للذاكرة." وتظل هذه المفهمة تعاني القصور في العديد من السياقات التي ما تزال تستمد ذاكرتها من محيطها، خاصة في السياقات التي يشكل فيها الموروث التقليدي (كما في جنوب أفريقيا)؛ أو الموروث الديني (كما في بعض مناطق وسط وشرق أوروبا) أو مآس تاريخية (كما في البلقان)؛ أو استمراراً للعنف الاستعماري (كما في فلسطين)، محيطاً مستداماً يوفر ظروف استمرارية إنتاج الذاكرة عبر محيطها. فالذاكرة التي لم تُقفل بعدُ، ولم يُمتَلك أفق استحضارها على شكل أماكن للذاكرة، هي ذاكرةٌ تتوالدُ من محيط ذاكرتها. وهذا يقودنا إلى التفكير في ذاكرة الفلسطينيين، ليس باعتبارها صيغةً نابعةً أو تعيش على الماضي، وإنما أيضا باعتبارها معياراً على الوجودِ داخل الحدث، بما في صيغة الحدث من حمولة زمنية وقابلية للاستمرارية، أو التوقف أو التخطيط له. إذ يُصبح الكوجيتو الريكوري: "أنا أتذكر، إذا أنا موجود" معياراً للوجود داخل الحدث نفسه، بصيغة "أنا الفاعلة" و"لي المالكة". وهو ما يضمن دفقة الزمن انسيابا، والسماح بالتنقل عبره في محاولةٍ للتعاطي مع التاريخ الذي هو الآخر متورط في معاني النكبة.

وورطة التاريخ إنما في كيف نمر من فيض الذاكرة إلى بدء عمل المؤرخ وكتابة التاريخ، الذي لم يبلغ بعد "كامل قوام استقلاله الذاتي عن الذاكرة" كما عبر ريكور.  بل هل نحن اليوم في حاجةٍ إلى كتابة التاريخ، ونحنُ لا نعلمُ بعدُ ماذا علينا أن نتذكر أو ماذا ننسى؟ وكيف نبدأ كتابة التاريخ ومن أين، أو لماذا علينا أن نكتبَ التاريخ والتاريخُ كما يقول محمود درويش: " يوميّاتُ أَسِلحَةٍ مُدَوَّنةٌ على أَجسادنا (...) فينا وخارجنا .. وتكرارٌ جُنُونيٌّ من المِقْلاع حتى الصاعق النَّوَويِّ. يصنعُنا ونصنعه بلا هَدَفٍ."