الإثنين  14 تشرين الأول 2019
LOGO

في العدد 54: تدوير النفايات الصلبة.. مشاريع خجولة واستثمارات مؤجلة؟

2015-12-29 12:15:19 AM
في العدد 54: تدوير النفايات الصلبة.. مشاريع خجولة واستثمارات مؤجلة؟
تدوير النفايات

مسؤولون: لدينا الأفكار المبدعة لإعادة تدوير النفايات لكن الحصار ونُدرة التمويل يُقوض استمرارها بنجاح!

عبد الفتاح عبد ربه: مشاريع تدوير النفايات فرصة ذهبية للحصول على بيئة جميلة وآمنة صحياً!

نور أبو الرب: مشاريع إعادة تدوير النفايات تنعش الاقتصاد المتهالك في القطاع وتوفر فرص للإنتاج المحلي!

غزة-محاسن أُصرف

عانى قطاع غزة في السنوات الأخيرة من مشاكل بيئة عظيمة تمثلت في انتهاء العمر الافتراضي لمكبات النفايات الرئيسية الثلاثة في محافظات القطاع، ما أدى إلى تكدس النفايات بين الأحياء وفي الطرقات مثمراً مكاره صحية وبيئية، الأمر الذي يُحتم على المسؤولين في الهيئات الرسمية ذات العلاقة الاجتهاد في إيجاد مشاريع لفرز وتدوير النفايات وإعادة استخدامها في المجالات النافعة.

وتُشير التقديرات الإحصائية إلى أن كل مواطن فلسطيني يُنتج ما يزيد عن كيلو جرام يومياً من النفايات، ما يُعادل مليون وثمانمائة ألف كيلو جرام نفايات يومياً، لا يتم إلا فصل وتدوير جزء يسير جداً منها عبر مبادرات فردية في القطاع، فيما البقية تُشوه البيئة الفلسطينية وتُشكل خطراً على سلامتها.

وقال مختصون لـ"الحدث"، إن مشاريع إعادة تدوير النفايات من شأنها أن تنعش الاقتصاد المتهالك في القطاع، عبر توفير فرص للإنتاج المحلي في القطاع المختلفة كالورق والبلاستيك والزجاج، كما أنها تُقلل من نسب التضخم في معدلات البطالة بتشغيل أيدي عاملة، ناهيك عن أهميتها في الحفاظ على البيئة وتقليل كمية المُخلفات المنزلية.

ولكن على الرغم من هذه الأهمية لمشاريع إعادة التدوير إلا أنها مازالت ضعيفة، لأسباب تتراوح، وفق المختصين، بين قلة التمويل وعدم استقرار الوضع السياسي الذي أنتج حصاراً وإغلاقاً لكافة معابر القطاع، أثر على إدخال المواد اللازمة للاستفادة من النفايات الصلبة سواء عبر المبادرات الفردية أو المشاريع التي ترعاها الحكومة والتي بدأت تنفيذها في السنوات الأخيرة بعد شعورها بخطورة ما وصل إليه حال مكبات النفايات في مختلف مناطق القطاع.

 

"الحدث" في سياق التقرير التالي تبحث مع مختصين عن أسباب ضعف الاستثمار في مجال إعادة تدوير النفايات.

مبادرات

المخاطر الصحية والبيئية التي أثمرها إلقاء النفايات في مرمي الطرقات والأحياء الفلسطينية دفع بالعديد من الشباب الفلسطيني إلى التفكير في آليات واقعية لتوعية المواطنين بالثروة المهدورة بين أيديهم سواء على المستوى الاقتصادي أو الصحي البيئي، فأنشأت هنادي أبو عيطة مع أربع فتيات أخريات مبادرة "دوّريها" وطفنَ بها مختلف المحافظات مستهدفات النساء الفلسطينيات باعتبارهن الأكثر  اهتماماً بإيجاد آليات آمنة للتخلص من النفايات الصلبة في المنازل، تقول أبو عيطة لـ"الحدث" نُقدم التدريبات اللازمة للنساء فيما يتعلق بالواقع البيئي وآليات الحفاظ عليه من خلال تدوير النفايات الصلبة وإعادة استخدامها.

وتطمح الفتيات إلى توسيع المبادرة على نطاق أوسع ليُصبح تدوير النفايات وإعادة استخدامها في المجالات النافعة، سلوكاً يومياً من شأنه أن يُسهم في تحسين واقع البيئة المحيطة جمالياً وصحياً واقتصادياً أيضاً، حيث أشارت أبو عيطة إلى أن بعض النساء اللاتي تدربن على تدوير النفايات استطعن إنتاج مصنوعات يدوية فنية قمن بالاعتماد عليها كمصدر رزق لأسرهن الفقيرة.

تجربة ناجحة توقفت

في رفح نجحت قبل سنوات جمعية أصدقاء البيئة بالتعاون مع البلدية وبتمويل من "UNDP" في إقامة المصنع الأول في القطاع لإعادة فرز وتدوير النفايات الصلبة، وبحسب علي برهوم، المدير التنفيذي لمجلس إدارة النفايات الصلبة بالقطاع، فإن المصنع خلال سنوات تشغيله الأولى تمكن من تقليل كميات النفايات الصلبة المتكدسة في المكبات العشوائية والمكب الرئيسي في رفح، وذلك بنسبة (40%)، وأكد في تصريحاته لـ "الحدث" أن المصنع كان يُحول النفايات إلى مواد صالحة للاستخدام وتلبي حاجة السكان، ناهيك عن تصدير الحديد واستخراج السماد العضوي للزراعة، كما نجح في توفير فرص عمل لعشرات الأسر الفقيرة، وأضاف قائلاً: "كان إنشاء المصنع تحدياً كبيراً وخطوة عملية لكسر الحصار المفروض على غزة، لكنه لم يستمر".

وتساءلت مراسلة الحدث عن سبب عدم استمرار العمل في المصنع الأول لفرز وإعادة تدوير النفايات الصلبة، فكانت الإجابة على لسان المسؤول برهوم، فأوضح أن عدم الاستقرار السياسي في القطاع وإحكام إغلاق المعابر ساهم في إفشال التجربة رغم النجاحات العديدة التي أنجزتها على صعيد التشغيل وإيجاد مواد جديدة صالحة للاستخدام وتلبي حاجة الناس، إضافة إلى افتقار القطاع إلى التكنولوجيا الحديثة في هذه المجالات وخشية أصحاب رؤوس الأموال من توظيف أموالهم واستثمارها في مشاريع مماثلة يكون مصيرها الهدم أو القصف من قبل الاحتلال.

جهود أوقفتها السياسة

قبل سنوات تبنت بلدية غزة مشروع إقامة مصنع لفرز وتدوير النفايات للاستفادة من قرابة 1000 طن يومياً تُرحل إلى المكب الرئيسي بمنطقة جحر الديك جنوب غرب المدينة، يقول عبد الرحيم أبو القمبز مدير عام الإدارة العامة للصحة والبيئة في بلدية غزة، أن قدرة المصنع التشغيلية بلغت حين إنشاؤه 70 طن يومياً أي حوالي 5% من حجم النفايات التي تصل إلى المكب، ويُتابع أن السنوات الأولى شهدت نجاحاً كبيراً استطاعت البلدية أن تُصدر الحديد الذي  يُفرز من النفايات بنسبة 2% من إجمالي الكمية وكذلك الورق والكرتون كما عمدت إلى استغلال الدوبال في مشاريع الزراعة العضوية التي بدأت تشق طريقها في القطاع.

الحال، وفق أبو القمبز، لم يستمر على حال النجاح، والسبب كما أخبر "الحدث" حالة عدم الاستقرار السياسي الذي شهدها القطاع وتعمد إسرائيل إغلاق المعابر التجارية مع القطاع وكذلك هدم الأنفاق مع الجانب المصري والتي كانت وجهة تصريف المواد المفروزة من النفايات الصلبة، يقول المسؤول في بلدية غزة: "بعد الإغلاق أصبحت المفروزات عبء علينا ولم يتم الاستفادة منها بأي شكل من الأشكال باستثناء البلاستيك الذي كان يُعاد تدويره في مصانع محلية"، ويستدرك موضحاً أن هذه الصناعة بدأت بالتراجع خاصة في ظل وجود ظاهرة النباشين الذين يُقدمون على جمع البلاستيك وبيعه لأصحاب المصانع الصغيرة أملاً في توفير قوت يومهم، خاصة في ظل الارتفاع المهول في معدلات الفقر لديهم.

يتمنى أبو القمبز أن تستقر الأوضاع السياسية في القطاع وينجح المجتمع الدولي في إجبار "إسرائيل" على رفع حصارها الظالم عن القطاع، لتدور عجلة مصنع فرز وتدوير النفايات الذي توقف.

تلوث بيئي خطير

من جانبه تحدث د. عبد الفتاح عبد ربه، الأستاذ المشارك في كلية الهندسة البيئية بالجامعة الإسلامية، عن المخاطر البيئية التي يُحدثها تأخر مشاريع إعادة تدوير النفايات الصلبة في القطاع، في ظل قلة الوعي الثقافي والبيئي لدى المواطنين لأهمية هذه المشاريع وضرورة مشاركتهم في إنجاحها بفصل وعزل النفايات عن بعضها البعض ليتم تدويرها وفقاً للحاجة الاستهلاكية لها، وقال لـ"الحدث": "عدم فرز النفايات واختلاطها يُنتج منها مادة سامة تؤثر على سلامة التربة وعلى سلامة الخزان الجوفي"، وأضاف أن حرق النفايات في بعض الأحيان نتيجة تكدسها ونفاذ القدرة الاستيعابية للمكبات في مختلف مناطق القطاع تُسهم في تلويث الهواء بمواد سامة وخطرة، تنعكس مستقبلاً على الحالة الصحية للمواطنين.

ونبّه عبد ربه إلى ضرورة قيام المؤسسات الرسمية ومؤسسات القطاع الخاص المعنية بالبيئة، بتوعية الجمهور الفلسطيني والتشديد على أهمية فرز النفايات أملاً في الحفاظ على صحتهم وسلامة البيئة التي يعيشون فيها ومواردها الطبيعية، وأردف قائلاً: "الطريقة الآمنة في التعامل مع النفايات تمنع تلوث البيئة سواء التربة أو المياه الجوفية ويمنع أيضاً نقل الأمراض والأوبئة للإنسان"، وأشار إلى أن نجاح المواطن في فرز النفايات من شأنه أن يُسهل عملية إعادة تدويرها والاستفادة منها مجدداً الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الجدوى المالية منها.

رافعة للاقتصاد المأزوم

فيما يُقر الخبير الاقتصادي نور أبو الرب بالأهمية البيئية والاقتصادية التي تُحققها مشاريع إعادة تدوير النفايات، مؤكداً أنها مشاريع "اقتصادية استثمارية"، وتُشكل رافعة للاقتصاد المأزوم، وقال في مقابلة هاتفية مع "الحدث": "إن إقامة تلك المشاريع تحتاج إلى خبراء مهرة ورأس مال إضافًة إلى بيئة مستقرة سياسياً يُمكن معها إدخال الأدوات والمواد اللازمة لإنشاء وتشغيل المصانع والورش الخاصة بعملية التدوير".

وفي سياق متصل تحدث عن الأهمية البيئية، موضحاً الآثار الإيجابية لمشاريع التدوير بتخليص القطاع من كميات النفايات الهائلة بطريقة آمنة تُحافظ على صحة المواطنين وتهبهم أيضاً جمالاً للبيئة التي تُحيط بهم، داعياً الحكومات إلى ضرورة دعم الجهود لإنشاء مشاريع استثمارية في مجال تدوير النفايات الصلبة في فلسطين، بالإضافة إلى تشجيع الشباب الفلسطيني لإنتاج أفكار إبداعية في عمليات التدوير التي من شأنها أن تُحقق الأمان البيئي والاقتصادي في فلسطين، وتابع أن الأموال الضخمة التي تحتاجها هذه المشاريع والتكنولوجيا المتطورة تجعل المسؤولية الملقاة على كاهل الحكومات أقوى في تقديم الدعم اللازم المادي أو اللوجستي، وإيجاد استراتيجية متكاملة على مستوى الوطن لوضع الضوابط والأسس الصحيحة لأماكن مكبات النفايات وآليات العمل بها ومعالجتها معالجة صحية واقتصادية معاً.