الإثنين  14 تشرين الأول 2019
LOGO

"حكايةِ سرِّ الزيتْ" صوتُ منْ حُرِمَ الحريّةَ وذاقَ قهرَ الاسرْ بقلم فهيمة غنايم

2018-10-20 02:17:43 PM
بريشة: فهيمة غنايم

حينَ لامسَ الغلافُ الخلفيُّ وجهَ الكتابِ، طويتُ صفحاتٍ مغامرةٍ جاشتْ معها احاسيسُ متلاحقة بينَ سطورٍ تضِجُّ بالحياة. وتبعثُ الاملَ فيما جفَّ منْ عروقٍ عندَ اطرافِ الوقتْ. ترفعُ اشرعتَها نحوَ السماءِ لتحلقَ بينَ سحاباتِ الانتظارْ، تيقنتُ انَّ الرسالةَ قدْ لامستْ جدرانَ السجنِ مطليةً بزيتٍ بنكهةِ امِّ روميّ وجذورِها المتأصِّلةِ في عمقِ الارضْ.

غلافٌ معتقٌ كزيتٍ هوَ قوتُ الأملْ. لروايةِ أسيرٍ حرٍّ يقاومُ عتمَةَ الزنازينِ منذُ ثلاثةٍ وثلاثينَ عامًا توّجَ نزْفَ مِدادِهِ بِ "حكايةِ سرِّ الزيتْ" ، سرٌ لنْ يعرفَ ابعادَهُ الاّ منْ حُرِمَ الحريّةَ وذاقَ قهرَ الاسرْ .. وتعدُّ الروايةُ الأولى الموجّهَةُ للأطفالِ واليافعينَ ضمنَ ما يطلقُ عليهِ بـ"أدبِ السجون".

وهوَ "أدبٌ نضاليٌّ ثقافيّ إنسانيّ" يسعى الأسرى الفلسطينيون في معتقلاتِ الاحتلالِ "الإسرائيلي" لاحترافهِ كـ"ميدانٍ جديدٍ يكسرونَ بهِ ظلمةَ السجونِ وعتمةَ الزنازينْ" ، يعبّرونَ منْ خلالِهِ عنْ معاناتهِمْ وعذاباتهمْ وتحديهمْ لقساوةِ ظروفهمْ داخلَ أقبيةِ السجونْ, ينثرونَ عزيمةً صلبةً لا تنكسرْ . ليصرخوا صرخةً واثقةً بأنهمْ "أسرى بأجسادِهمْ لا بفكرهمْ وارواحهمْ، يمدّونَ الأحرارَ بالحياةِ ، فهمْ الأحياءُ الأحرارُ حتى خلفَ القضبانْ ".

فَنَزَفَ قلمُ وليد بمدادٍ عصيٍّ حينَ قالْ:" اكتبُ حتى اتحررَ منَ السجنِ على املِ انْ احررَهُ مني".

تدورُ "حكايةُ سرُّ الزيتْ" ، تحتضنُ سطورُها خمسٌ وتسعونَ صفحةً منَ القَطْعِ المتوسّطِ الصادرةِ عنْ "مؤسّسةِ تامرْ للتعليمِ المجتمعيّ"، حولَ طفلٍ في الثانيةَ عشرةَ منْ عمْرِه .. ذكيٌّ متَّقِدَ القريحَةِ اسمُهُ جودْ, ازهَرَ منْ نطفةٍ امشاجٍ جعلتْ لحياةِ والدهِ طعمًا بنكهةِ الحريه .. انتزعَها حينَ اشرقتْ الحياةُ منْ بينِ هدبيْهِ ليقولَ للغاصبِ انا هنا خلقتُ رغمًا عنكَ وعنْ قيدكْ.. جود الطفلُ الذي تخطى كلَّ الحواجزِ لأجلِ انْ يرى والدَهُ في أسرهِ ,واتبعَ وصيةَ "أمّ روميّ" شجرةَ الزيتونِ التي اجْتثَ جذورَها الاحتلالُ ليغرسَها في ارضٍ بعيده ..

كانتْ لهُ قنديلَ الزيتِ الذي انارَ دربَهُ ليحلِقَ بتفاصيلَ صغيرةٍ تلائمُ عمرَهُ الغضّ فتخترقُ جدرانَ الحقيقةِ حينَ تغلفتْ بالصمودِ والإرادةِ والاملْ .. كأنما كانَ وليدُ طفلًا بهيئةِ جود الصغيرِ يعيشُ مغامرةً قاسيةً ومثيرةً في آنْ. ..

لقدْ نسجَ وليدْ دقّه املَهُ الوليدَ حينَ اعتلى صهوةَ مغامرةٍ حلقتْ بنا الى عالمٍ اعمقَ منْ سطورِها المقروءَةِ الى عُمقٍ خلفَ المقروءِ بأبعادْ .حكايةٌ تدورُ تفاصيلُها بينَ الطفلِ جودْ واصدقائِهِ الحيواناتْ, ثمّ شجرةَ الزيتونِ "أمّ روميّ" وعمرُها 1500 عام, متجذرَةً معمرةً ليقولَ للعالمِ اننا هنا منذُ فجرِ التاريخِ بتاريخْ ، فمَنَحَتْهُ هذهِ الشجرةُ سرّها المتمثلِ بالزيتِ المقدّسِ الذي جعلَهُ غيرَ مرئيٍّ بعدَ أنْ مسحَ جسدَهُ بهِ، الأمرُ الذي ساعدَهُ واصدقاءَه على تجاوزِ كلِّ الحواجزِ العازلة ِوالوصولِ إلى والدهِ في زنزانتِه.

لتبلُغَ الحكايةُ ذروتَها، حينَ شعرَ الأبُّ بأنّهُ يسمعُ صوتَ ابنِهِ الصغيرِ كأنّما يدورُ في راسِهِ فقطْ ، حينَ ناداه قائلاً: "أنا جود يابا , جود ".

مين جود ؟!

جود ابنك يابا ..

تُجَسّدُ " حكايةُ سرُّ الزيتِ " "معاناةَ ذوي الأسرى الفلسطينيّينَ عندَ زيارةِ أبنائِهِمْ في سجونِ الاحتلالْ، وكيفَ يتقدَّمُ بهمِ العمر دونَ رؤيتِهِمْ، في إشارةٍ الى والدتِهِ التي قضَتْ عمرًا تأْمَلُ فيهِ انْ تحتضِنَ ابنها وليدَ خارجَ سجنِه ْ.. إضافةً إلى فتياتٍ ونساءٍ تسرقُ ظلمةُ الاسرِ منْ أعمارِهِنَّ وردًا وريحانا, وأطفالٍ اعتُقِلوا وانتُزِعوا منْ أحضانِ امهاتِهِمْ ومنْ طرقاتِ مدارسِهِمْ تنهشُ طفولتَهُمْ ظلمةُ الجهلِ والمستقبلِ المجهولْ ، لتصِلَ الروايةُ في خلاصتِها إلى أنَّ الفلسطينيّ أينما تواجَدَ فانّهُ يعيشُ في سجنٍ كبيرٍ، بحاجةٍ للوعيِّ والفكرِ والإرادةِ لأجلِ مستقبلٍ مشرقٍ يقودُهُ ابناؤُنا بالوعيِ والادراكِ لقضايانا المصيريَّه.

إنّ "حكاية سرّ الزيت"، تتحدّثُ عنِ الأسرى، وهيَ الجزءُ الأوّلُ، لجزءٍ مكمّلِ لا يزالُ يختمرُ في اوردةِ الكاتبِ بعنوانِ: "حكايةُ سرّ السيفْ" يتناولُ قضيةَ اللاّجئينَ والعودة. وأصدرَ خلالَ اعتقالِهِ كتباً عدّة، أهمّهُا: "صهرُ الوعيْ" و"الزمنُ الموازي" الذي جرى تحويلَهُ إلى مسرحيّةٍ قُدّمتْ على مسرحِ "الميدان" في حيفا، ويشرحُ فيهِ حالةَ السجينِ ونظامَ حياتِهِ في الأسر.

وليدُ الانسانْ الذي يقاومُ الاسرَ بكلّ حواسَهِ حبيسةَ الجدرانْ ,, قرّرَ انْ يطلِقَ لها عنانَ الزمنِ, لتخرجَ منْ قوقعتِها المقيّدَةِ الى فضاءاتِ الروحِ المحلقةِ فوقَ كلِّ مادّة ..

عُمْرٌ من الرطوبةِ المعتِمَةِ شقَّ وليدُ عتمتَها بكلّ قوةٍ .. حينَ رفعَ قلمَهُ لينيرَ ليلَهُ الطويلْ ..

جودْ بطلُ الروايةِ وفكرُها المتّقِدِ وروحُها التي تحررتْ منْ حيزِ المكانِ الى حيزِ القرارْ ..هوَ ذلكَ الطفلُ الكامنُ في روحِ وليدِ الرجلَ الذي لا يزالُ في عمقِ يقينِهِ انَّهُ حرٌ لمْ تأسِرْهُ قيودٌ ولا قضبانْ ..

والتضحيةُ في سبيلِ اتخاذِ القرارِ الأصوبِ و الأهمِّ، في كلماتِ جود الواعية ِ"يابا كون واثق إني مش رح أخذلك ولا أخذل الشباب"، وهكذا كانْ!

هكذا توزعَ زيتُ الاختفاءْ.

هكذا نحرّرُ المستقبلْ

"علشانْ نحررْ أقدمْ أسيرْ عربي"

"مينْ هوي"؟

"المستقبلْ يابا، المستقبلْ"

هيَ رسالةُ وليدْ لنا جميعًا الكبيرِ والصغيرْ..

حينَ توجَها بأنْ رصّعَها بقولِه "أَكْتُبُ حتّى أتحرّرَ منَ السجنْ، على أملِ أنْ أحرّرَهُ منّي"

والى جود حتى يعيشَ طفولتَهُ، ولكلِّ الأطفالِ الذينَ اصبحوا رجالًا ونساءً بالغينَ قبلَ اوانِهِم ْ

والى كلِّ البالغينَ الذينَ حرمَهُم السجنُ طعمَ الطفولة.