الإثنين  24 حزيران 2019
LOGO

"آمنستي" ووهم العدالة الدولية بقلم: ناجح شاهين

"ينجح تقرير العفو الدولية "مميت وغير قانوني" في إثبات الخطأ الفادح لوجهة نظر مناصري الشرعية الدولية وما يجري في مجراها من أجهزة ومؤسسات ومنظمات حقوقية ومحاكم...الخ. ذلك أن العفو الدولية قدمت دليلا دامغا على أن هذه الأدوات تعمل في خدمة المستعمر بدهاء في كث

2019-05-05 08:43:14 PM
ناجح شاهين

على الرغم من أن عملية الجرف الصامد (2014) قد أثبتت أنها الأكثر تدميرا من بين الاعتداءات الإسرائيلية الحديثة على فلسطين ولبنان، إلا أنها قد قوبلت بالصمت من قبل منظمات حقوق الإنسان. وقد يكون هناك القليل من المبالغة إن قلنا إن تلك المنظمات قد استبعدتها من دائرة اهتمامها. في أعقاب عملية الرصاص المصبوب (2008) صدر ما يقارب ثلاثمائة تقرير حقوق إنسان. وقد أصدرت هيومان رايتس ووتش وحدها خمسة دراسات جوهرية. ولكن هيومان رايتس ووتش أصدرت بشق الأنفس تقريرا واحدا عن الجرف الصامد. وقد يبدو لوهلة أن الاستثناء هو منظمة العفو الدولية التي نشرت سلسلة من التقارير. لكن هذه المنظمة إنما خرجت على إجماع الصمت لكي تقوم بما لم يجرؤ الاخرون على القيام به: لقد قررت أن تبيض صحيفة إسرائيل وتحمل الوزر للفلسطينيين. على وجه الخصوص، فإن إدانتها الشاملة لما حصل من هجمات صاروخية نفذتها بعض الجماعات الفلسطينية المسلحة خلال الاجتياح الإسرائيلي 2014، كانت بمثابة تخل فاضح ن واجبها المهني وخيانة تامة لضحايا غزة.

من البدهي أن يبدأ أي تقييم لحقوق الإنسان في الجرف الصامد بموت المدنيين والدمار الذي تسببت به العملية. وقد لاحظت العفو الدولية في تقريرها "مميت وغير قانوني" أنه "في الجانبين" "تحمل المدنيون وزر الحرب." لكن على الرغم من أن هذا التقييم قد يبدو صحيحا، إلا أنه يخفي الفجوة الواسعة التي تفصل بين حجم المعاناة التي تكبدتها غزة مقارنة بما تعرض له المدنيون الإسرائيليون. سيكون من الصعب أن نجد مثالا فاضحا أكثر من حالة الطفل الإسرائيلي الوحيد الذي قتل، مقابل 550 طفلاً قتلوا في غزة، ولن يقلل من قدسية كل حياة إنسانية أن نلاحظ أنه إذا كانت وفاة طفل إسرائيلي أمرا فظيعًا، فلا بد أن الحسبة نفسها لوفيات الأطفال في غزة تساوي 550 ضعفًا من الفظاعة ذاتها. يبحث المرء عبثا في مميت وغير قانوني من أجل أن يقتنع بوجود المعرفة المقارنة أو الدقيقة عند العفو الدولية.

بغرض المحافظة على تظاهرها بعدم الانحياز، أعطت العفو الدولية الانطباع بأن إسرائيل وحماس كانتا مذنبتين بدرجة متساوية بجريمة انتهاك قوانين الحرب. وخلال فترة حاسمة حيث كان ما يزال بإمكانها أن تؤثر في الرأي العام، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرين يوثقان جرائم إسرائيل وتقريرين يوثقان جرائم حماس، لكنها خصصت على نحو مدهش صفحات إضافية لإدانة حماس تزيد بثلاثين صفحة عما خصصته لإسرائيل. كذلك حرصت المقدمات في التقارير الأربعة حول الجرف الصامد على موازنة توزيع اللوم والإدانة. وكأن ذلك ليس إشكاليا بما يكفي، يتم في سياق مميت وغير قانوني تقديم التفاصيل حول الطفل الإسرائيلي الذي قتل في هجوم لحماس على امتداد أكثر من صفحتين. لو كانت العفو ملتزمة حقا بالتوازن عوضا عن التظاهر بوجوده، الم يكن من واجبها أن تخصص 1100 صفحة لخمسمائة وخمسين طفلا مقتولا في غزة؟ لكن العفو الدولية لا تكتفي بذلك بل إنها تمضي أبعد لتلمح إلى أن حماس هي الطرف الأكثر جدارة باللوم بين طرفي  النزاع. وهكذا فإن نتيجة تقريرمميت وغير قانوني تشجب على نحو قاطع تجاهل حماس "الفاضح للقانون الدولي الإنساني"، بينما يستنتج أحد تقاريرها عن إسرائيل فيما يتصل بتهديم 18000 منزل في غزة لتصبح غير صالحة للسكن، وتشريد 110000 شخص ليعيشوا في العراء، أن هذه الوقائع "تطرح على الحكومة الإسرائيلية أسئلة صعبة فشلت في إجابتها حتى الآن". يا لرعب البشرية عندما تصبح هذه الوقائع مثيرة للتساؤل في عرف العفو الدولية بينما دفاع حماس المظلومة هي وشعبها عن النفس يعد انتهاكا فاضحا للقانون الدولي!

كيف تمكنت العفو الدولية من إدانة حماس وتبرئة إسرائيل تقريبا في ظل المعطيات الحاسمة؟! لقد قتلت حماس 73 اسرائيليا كان منهم ثمانية في المائة من المدنيين، بينما قتلت إسرائيل 2200 شخص من غزة 70 في المئة منهم من المدنيين؛ أما الدمار الذي ألحقته إسرائيل بالبنية التحتية المدنية في غزة (4 مليار دولار) فيتجاوز بسبعين ضعفا الدمار الذي لحق بالبنية التحتية الإسرائيلية (55 مليار دولار)، في حين تصل نسبة المساكن المدنية المدمرة من جانب إسرائيل إلى تلك التي دمرتها حماس إلى 18000:1.

من أجل تسويغ العنف الهائل المصبوب فوق غزة، عزفت إسرائيل على وتر ترسانة الصواريخ الفتاكة التي زعمت أن حماس قد حشدتها. وفي ترجيع لصدى الدعاية الإسرائيلية، فإن مميت وغير قانوني يذكر أنه في وقت قديم يعود إلى 2001، كانت حماس تقوم بتخزين الصواريخ قصيرة المدى؛ وأنها فيما بعد قد "طورت صواريخ قسام ذات المدى الأبعد"؛ وأن "السنوات الأخيرة قد شهدت قيام المجموعات المسلحة بإنتاج، وتحسين، وتهريب الآلاف من صواريخ غراد ب م 21 من أنواع مختلفة، بمدى يترواح بين 20كم إلى 48كم، وأنها حصلت على أو أنتجت عددا أصغر من الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، بما في ذلك "الصاروخ الإيراني فجر5 والصاروخ المنتج محليا م75 (وكلاهما بمدى 75كم)، فضلا عن صواريخ ج80 المنتجة محليا، والبالغ مداها 80كم". "إن الغالبية العظمى من سكان إسرائيل البالغ عددهم 8.3 مليونا، وكل الفلسطينيين من سكان الضفة الغربية المحتلة والبالغ عددهم 2.8 مليونا"، تستنتج العفو الدولية، "هم الآن في مدى الصواريخ التي تحوزها المجموعات الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة...لقد اتسعت دائرة الخوف". لاحظوا حرص منظمة العفو الدولية الذي يقطع نياط القلب على سلامة أهل الضفة الغربية من صواريخ غزة!

على الرغم من أن العفو الدولية لا توثق مصادر معطياتها، إلا أنها على أغلب الاحتمال مأخوذة من المصادر الرسمية الإسرائيلية، ومن الصعب أن لا يشك المرء فيها. وقد زعم التقييم الإسرائيلي الرسمي بعد الجرف الصامد أنه عشية عمود السحاب (2012) كانت حماس "قد حشدت ما يزيد على 7000 صاروخ وقذيفة مورتر"، بينما عشية الجرف الصامد "كانت قد حصلت على أكثر من 10000 صاروخ وقذيفة مورتر". لكن إذا كانت حماس قد حشدت بالفعل ترسانة ضخمة من الأسلحة الفتاكة، فإن من العجب أنها لم تتسبب إلا في مقدار قليل جدا من الموت والدمار. تسرق العفو الدولية صفحة أخرى من الدعاية الإسرائيلية لترجع تلك المعجزة إلى بطاريات إسرائيل المضادة للصواريخ: "ساعد نظام القبة الحديدية المضاد للصواريخ في الحد من الإصابات المدنية في مناطق كثيرة"، كما أنه استخدم في "حماية المناطق المدنية من المقذوفات الآتية من قطاع غزة". في الواقع، كان من الواضح تماما من المصادر الإعلامية العامة أن مخزون حماس يتكون من أسلحة بسيطة إلى درجة أن منتقدي حماس من جانب السلطة الفلسطينية نفسها يسمونها في أحيان كثيرة بالصواريخ العبثية.

 وفي سياق جردها المبالغ به لترسانة حماس، تستشهد العفو الدولية بالادعاء الإسرائيلي حول اعتراض سفينية إيرانية محملة بالصواريخ متجهة إلى غزة. وقد قامت العفو الدولية بحذف المعلومة واسعة الانتشار التي وجدها فريق خبراء من الأمم المتحدة والتي تقول إن الأسلحة الإيرانية كانت متجهة لا إلى غزة ولكن إلى السودان. بتبنيها خط السرد الإسرائيلي حول ترسانة حماس من الصواريخ الفتاكة، أصبحت العفو الدولية سواء أقصدت ذلك أم لا وكيلا ومتعهدا لدعاية الدولة العبرية. ولا بد أن وصفها لأنفاق حماس مغرض بدرجة لا تقل عن كل ما سبق.

كررت العفو الدولية الادعاء الرسمي الإسرائيلي بأن الاجتياح البري لغزة قد أطلق من أجل تدمير شبكة الأنفاق، وتحديدا الأنفاق ذات الدهاليز التي اكتشفت قرب المناطق السكنية في إسرائيل، وأن الجنود الإسرائيليين في مرات عديدة قد تمكنوا من استباق متسللي حماس ومنعهم من استهداف التجمعات المدنية. وقد تجاهلت العفو الدولية الأدلة من المصادر الإسرائيلية ذاتها بأن مقاتلي حماس الموجودين في الأنفاق قد استهدفوا الجنود الإسرائيليين وليس المدنيين. وحتى عندما يقرر الناطق الإسرائيلي أن أنفاق حماس تصل إلى "داخل أو قريبا من التجمعات السكنية" فإنه ينتهي إلى أن كل حالة من تسلل مقاتلي حماس قد توجت لا بالاعتداء على المدنيين ولكن بمواجهة مسلحة مع المقاتلين الإسرائيليين.

لا بد أن اعتماد منظمة العفو الدولية على المصادر الإسرائيلية الرسمية قد سمح لها بتضخيم مسؤولية حماس الجرمية وتقليل مسؤولية إسرائيل. وقد نتج هذا التشويه جزئيا عن عدم حصول العفو الدولية على أية معلومات فعلية من ساحة الحدث. فقد منعت إسرائيل العفو لدولية (وغيرها من منظمات حقوق الإنسان) من دخول غزة أثناء عملية الجرف الصامد وبعد انتهائها. بناء على ذلك، وباستثناء اثنين على الأكثر من موظفيها الميدانيين المقيمين في غزة، كان على العفو الدولية أن تقوم ببحثها من الخارج. من الناحية العملية، حرم هذا القيد الذي تفرضه إسرائيل منظمة العفو الدولية مرارا من تقييم صحة المسوغات الإسرائيلية الرسمية. كيف تغلبت العفو الدولية على هذا التحدي المعرفي؟ بشكل نمطي كانت العفو تسجل الادعاء حول جريمة حرب إسرائيلية، ثم يأتي الإنكار الإسرائيلي، ثم تتقدم العفو "بشكل حيادي" للدعوة إلى القيام بتحقيق ملائم على الأرض –وهو تحقيق تعلم العفو الدولية جيدا أن إسرائيل لن تسمح به أبدا. وهكذا يترك القارئ في حالة فراغ قانوني ومعرفي تام فيما يتصل بالعثور على الحقيقة. لكن عندما قيمت الادعاءات حول انتهاك حماس للقانون الدولي في عملية الجرف الصامد، أشارت العفو الدولية إلى إساءة حماس للسلوك في الماضي على أساس أنه دليل إسنادي لإدانتها. لكن إذا كانت العفو الدولية تصر على ارتكاب مغالطة "الاستدلال من الجهل"، أليس من واجبها أن تضع الإنكار الإسرائيلي أيضا في سياق أكاذيب إسرائيل الكثيرة في الماضي؟ فقد ثبت بانتظام عند فحص مزاعم إسرائيل أنها أكاذيب واضحة.

إن هيومن رايتس ووتش الأمريكية كانت أكثر نزاهة من العفو الدولية (على الرغم من تقاطعها معها في إدانة الطرف الفلسطيني) عندما نددت برفض إسرائيل منحها حق الدخول؛ "إذا كانت إسرائيل واثقة في ادعائها بأن حماس مسؤولة عن موت المدنيين في غزة، فإن عليها أن لا تغلق الطريق في وجه منظمات حقوق الإنسان التي تريد تنفيذ تحقيقات في المواقع على الأرض". العفو نفسها كانت قد قالت إن "الحكومات التي ترغب في إخفاء انتهاكاتها لحقوق الإنسان من الوصول إلى العالم الخارجي قامت في الأغلب بمنع العفو الدولية من الوصول إلى الأماكن التي ارتكبت فيها الانتهاكات". وهكذا إن كانت إسرائيل قد منعت الوصول إلى غزة بعد الجرف الصامد، ألم يكن من الواجب أن تقود فرضية عمل العفو الدولية إلى أن مزاعم إسرائيل المضادة لن تصمد أما تحقيق في المواقع؟ إذا حرم المشتبه به على نحو واضح المحققين المحايدين من الوصول إلى مسرح الجريمة، فإن الاستنتاج الذي لا هوادة فيه هو أن لديه شيئا ما ليخفيه. وقد كانت العفو الدولية مبادرة دائما إلى الإدانة الصريحة لدول مثل سوريا وفنزويلا وإيران عندما يبدو منها أقل القليل في سياق منع المحققين الدوليين من القيام بعملهم. لكن إسرائيل تثبت أنها رقم صعب بالفعل.

ينص قسم المنهجية في "مميت وغير قانوني" على أن العفو الدولية قد "درست الوثائق ذات الصلة التي أنتجتها وكالات الأمم المتحدة، والمؤسسات الحكومية والعسكرية الإسرائيلية، والمنظمات غير الحكومية الإسرائيلية والفلسطينية، والمجموعات الفلسطينية المسلحة، والتقارير الإعلامية، من بين مصادر أخرى، واستشارت الخبراء والممارسين في المجال قبل أن تكتب التقرير." لكن واقع التقرير هو أنه يقدم الكثير من الادعاءات من الهيئات الحكومية والعسكرية الإسرائيلية، ولا يحتوي إشارة مرجعية واحدة إلى أية منظمة حكومية أو غير حكومية فلسطينية.

لقد نجح تقرير العفو الدولية مميت وغير قانوني في إثبات الخطأ الفادح لوجهة نظر مناصري الشرعية الدولية وما يجري في مجراها من أجهزة ومؤسسات ومنظمات حقوقية ومحاكم...الخ. ذلك أن العفو الدولية قدمت دليلا دامغا على أن هذه الأدوات تعمل في خدمة المستعمر بدهاء في كثير من الأحيان، ولكن أداءها هذه المرة كان مكشوفا تماما بالنظر إلى وضوح دم الضحية الذي تنكره العفو الدولية وتصر على تبرئة الجلاد من تبعاته على الرغم من أنه يقطر من يديه وأسنانه وشفتيه