الخميس  05 كانون الأول 2019
LOGO

لماذا ترتفع نسب حالات الاكتئاب في فلسطين؟

2019-11-19 11:16:46 AM
لماذا ترتفع نسب حالات الاكتئاب في فلسطين؟
صورة تعبيرية

 

الحدث - إسراء أبو عيشة 

أصبح الاكتئاب يعتبر من الأمراض الشائعة على مستوى العالم بأكمله، وهو مرض نفسي يصيب الفرد مسببا له اضطرابات مختلفة، مما يجعل الفرد يشعر بالحزن الدائم، وعدم الرغبة في الحياة والعمل، ويمكن أن يقود الفرد إلى الانتحار. عالميا، حيث يعاني أكثر من 300 مليون شخص من جميع الأعمار من الاكتئاب، ويموت كل عام ما يقارب 800 ألف شخص نتيجة الانتحار وهو يعتبر ثاني سبب رئيسي للوفيات بين الفئة العمرية 15 – 29 عاما في العالم.

صورة تعبيرية للاكتئاب

وقالت أخصائية الطب النفسي ورئيسة وحدة الصحة النفسية في وزارة الصحة سماح جبر، إن الاكتئاب يزداد عند الشعوب التي تعاني من الحروب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ويمكن له أن يكون ظرفيا بسبب ظرف معين، أو بيولوجيا بنيويا.

وأشارت، إلى أن النساء في العالم يعانين من الاكتئاب بمقدار ضعفين مقارنة بالرجال، وذلك لأن النساء غالبا ما يتعرضن للعنف الخاص بالنوع الاجتماعي بشكل أكبر، وكذلك تعتبر حصتها العلاجية أقل من حصة الرجل، وتتأثر أيضا ببعض الظروف الموجودة من حولها. وهناك الكثير من الرجال يحرمون النساء من العلاج، وأيضا تخشى المرأة من نظرة المجتمع للشخص الذي يتعالج من الاكتئاب، أو خوف المرأة من سحب أطفالها منها إذا تعالجت وكشف أمرها، إلا أن هذه الأفكار خاطئة، فالاكتئاب مرض قابل للعلاج بسهولة.

وبين أخصائي الطب النفسي الدكتور محمود سحويل، أن من أهم أعراض الاكتئاب فقدان الطاقة الحيوية والمتعة في الحياة والحزن والإحساس بالعصبية والكآبة، واضطراب الشهية والنوم وفقدان الثقة بالنفس، والشعور بالذنب وفقدان الوزن وانعدام الأمل وصعوبات في التركيز، وفقدان الرغبة في ممارسة الجنس وأفكار انتحارية أو محاولات للانتحار، والإحساس بعدم احترام الذات، ولا يستجيب للأحداث والظروف المحيطة به.

وأشار سحويل، إلى أن أكثر من 80% من مرضى الاكتئاب والأمراض النفسية الأخرى في الضفة الغربية، لا يتوجهون للعلاج إلى أطباء نفسيين، بل يفضلون التوجه للعلاج بالأعشاب أو الذهاب للمشعوذين، وهي نتيجة الوصمة الاجتماعية الموجودة والنظرة الدونية نحو الذهاب للطبيب النفسي، بمعنى أن الذهاب إلى طبيب نفسي يجعل من الشخص مجنونا أو أنه مصاب بخلل عقلي، ولهذا هناك الكثير من الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية وأعراض عصبية ويفضلون عدم الذهاب.

وقال سحويل، "إن الاكتئاب في الضفة الغربية يعتبر عاليا جدا؛ حيث أنه يشكل 24%، أي أن ربع السكان في الضفة الغربية يعانون من الاكتئاب، وأكثر من 25% يعانون من صدمات نفسية، أما عالميا ودوليا فالاكتئاب يشكل 7-10% ويصل في بعض الدول إلى 17%، وتشكل نسبة الانتحار بفلسطين للأشخاص المصابين بالاكتئاب حوالي 15% .

وأوضح سحويل، أن من أهم أسباب الاكتئاب في فلسطين؛ وجود التوتر المزمن، حيث تصل نسبة الفلسطينيين في الضفة الغربية الذين قد تعرضوا للاعتقال مرة واحدة أو أكثر إلى 25%، ونسبة الذكور الفلسطينيين الذين تعرضوا للاعتقال لمرة واحدة أو أكثر 40%، وكذلك الظروف السياسية الموجودة بفلسطين جميعها ترفع من وجود الاكتئاب مثل: سياسية هدم البيوت ومصادرة الأراضي والاعتقالات المستمرة، ووجود الحواجز وإغلاق الطرق، وكذلك العوامل الاقتصادية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني فهي عوامل إضافية تزيد من الاكتئاب. ومن نتائج الاكتئاب، تشكيل عبء على الفرد والدولة والعائلة، حيث إن نسبة المصاريف تصبح عالية جدا، لأن نسبة شفاء الشخص المصاب بالاكتئاب تكون أقل بسبب ضعف مناعته، فيصبح بحاجة إلى أدوية  أكثر، وتكون إنتاجيته قليلة جدا.

وبحسب جبر، فإنه عند قياس الاكتئاب للأشخاص الذين يتعرضون لأزمات في مجتمعاتهم أو مع أشخاص لاجئين؛ هنا اختبار الإكتئاب لا كون دقيقا بشكل كاف للتمييز هل هو اكتئاب أو تعاسة بسبب الظروف، فهنا يجب السؤال عن مدى تغيير الظروف ومدى التحسن الذي سيطرأ في حال تغيرت، لأن الاكتئاب الذي يكون بسبب ظرف معين يكون مؤقتا، بينما الاكتئاب العضوي أو الوراثي فرصة حدوث الاكتئاب المزمن، ومجرد توقيف الدواء تعود الحالة لما كانت عليه، "فقديما لم تكن تعرف أعراض الاكتئاب على أنها اكتئاب، لأنه كان يوجد سوء تشخيص للحالات".

وأوضحت جبر، أن الاكتئاب يأتي كاعتلال مشترك مع أمراض نفسية أخرى، مثال: الشخص الذي يعاني من الوسواس القهري سوف يكتئب، والشخص الذي يعاني من اضطرابات تناول الطعام أو انفصام سوف يصاب بالاكتئاب، وكذلك ممكن أن يصاب الشخص الذي يعاني من اضطرابات في الغدة الدرقية والأمراض المزمنة كالسكري والضغط بالاكتئاب، وهذا يفسر لماذا هو الاعتلال النفسي الأكثر شيوعا.

وأكدت لـ"الحدث"، أن الاكتئاب له أثر كبير على الأمراض الأخرى، أولاً أن الاكتئاب يأتي مرافقا لأمراض أخرى عضوية، مثل: أمراض القلب والشرايين، والسكري وأخرى "نفسية"، وكذلك الشخص المصاب بالاكتئاب تكون دافعيته لعلاج المشاكل الصحية الأخرى قليلة، مثال: "المرأة المصابة بسرطان الثدي وهو قابل للعلاج، إذا كانت نفسيتها سيئة هنا تكون فرصتها أقل في الشفاء، ويضعف المناعة لديها".

  تأثير الاكتئاب على الفرد:

 تقول جبر، إنه يضعف من علاقات الشخص الاجتماعية وقيامه بمسؤولياته، فإذا كان موظفا سوف يغيب عن وظيفته، وإذا كان أبا سيقصر في دورة في المنزل والإنتاج المالي للأسرة، وكذلك الأم سوف يؤثر على عنايتها بأطفالها وعلاقتها الزوجية، ويؤثر على الدور الاجتماعي والدور الوظيفي للفرد، وفي أسوأ الظروف سوف يقبل الفرد على الانتحار لأنه سوف يشعر بأن حياته فقدت معناها ولم يعد لها معنى وسوف يشعر بأنه عبء على الآخرين.

على العائلة:

عندما تكون الأم أو الأب مصابين بالاكتئاب، خصوصاً الأم؛ سيكون جميع أطفالهم متأثرين، سوف يحرم الطفل من عاطفة أمه سوف ينحرم من التغذية الجيدة، ولن تكون قادرة على القيام بمسؤولياتها تجاه البيت، فتتحول البنت الكبرى أم لأخوتها وهذا صعب جدا، "تبديل غير صحي في العائلة"، "العائلة الصحية هي أن كل فرد يأخذ دوره"، فغياب الأم أو الأب بسبب المرض يضعف شخصيتهم ويضعف دورهم الاجتماعي، وهذا ينطبق على الابن الكبير في العائلة عندما يغيب دور الأب وتضعف شخصيته ويغيب دوره كوالد بسبب ما يعانيه من اكتئاب.

 على المجتمع:

يصبح المجتمع فقيرا، لأن الدخل القومي يتأثر بذلك إذا لم يعالج الإكتئاب بطريقة فعالة.

وأكدت جبر، على ضرورة الانتباه الشديد على الأولاد الذين يغيبون عن المدارس غيابا متكررا، فهؤلاء الأولاد معرضون للاكتئاب ولأمراض الصحة النفسية أكثر من غيرهم، ويجب الانتباه كذلك للموظفين الذين يتكرر غيابهم كثيراً، فقد يكون العامل نفسيا، وهنا يجب على المؤسسة أن تخضعه لبرنامج علاجي.

وأوضحت، أن الغالبية الساحقة من الأشخاص الذين ينتحرون لديهم إضطراب صحة نفسية وفي الغالب يكون هذا الاضطراب اكتئابا أو مرضا نفسيا آخر مصحوبا بالاكتئاب.

يشار، إلى أن عدد حالات الانتحارفي فلسطين، ارتفعت خلال العام الماضي إلى 25 حالة، مقارنة مع عام 2017 (22 حالة).

طرق تشخيص الاكتئاب:

وبينت جبر، أن أكثر تشخيص فعال وجيد للمريض المصاب بالاكتئاب هو الانطباع السريري، على الرغم من وجود قائمة تشخيصية لفحص الاكتئاب مثل قائمة "إندبرا وبيك"، إلا أن الافضل من ذلك هو التشخيص في العيادة، لأنه يعطي نتائج دقيقة من خلال الحديث مع المريض، خاصة وأن المريض يتحدث طويلا، ومن خلال حديثه يتم الكشف عن شخصية الشخص، وفيما بعد يتم توجيه بعض الأسئلة المحددة له لمعرفة إن كان يعاني من الاكتئاب العادي أم أنه يعاني من الاكتئاب ثنائي القطبية، أو أن هناك أعراضا انفصامية أخرى، باحثاً عن جميع القائمة التشخيصية.

 وقالت جبر، "من خلال ذلك يمكنني أن أعرف نوبة الاكتئاب هذه هل هي أول مرة أم أنها من قبل ومتى أول مرة أصيبت الحاله بهذه النوبة، وكم من مرة أصيبت، وأوجه السؤال هنا في حال عدم الإصابة الاكتئاب، هل تصيب الحاله صورة عكسية غير الاكتئاب مثلاً: "حالة من الانبساط الزائد، من الطاقة العالية، من الإقبال الكبير على الحياة، من التسوق، من صرف النقود، من الطموح الزائد"، زيادة مفاجئة في الثقة بالنفس، هنا أتساءل عن أعراض نوبة الهوس، لأن  هناك خللا كبيرا يقع به الأطباء النفسيين، أن المريض عندما يكون في مزاج عال ممكن أن يتم علاجه عن طريق كتابة دواء الاكتئاب العادي، هنا يمكن أن تسبب له مشكلة إذا لم يقم الطبيب بسؤاله عن نوبة المزاج العالي التي ترافق الحالة أم لا، لأنه إذا كان الشخص يتعرض لهذه النوبة هذا لا يمكن تشخيص مرضه الاكتئاب، بل هو نوبة اكتئابية والتي هي جزء من اضطراب مزاجية ثنائية القطبية، ويعالج بطريقة مختلفة، لذلك من المهم جدا أن نسأل عن هذه الأشياء.

كما لا بد من سؤال المريض عن الأعراض الوسواسية، بصفة عامة، كيف يعيش حياته من حيث الترتيب والتنظيم والميول الكمالية، الشعور بالذنب، ممكن أنه كان يتحمل أعراض الوسواس القهري، لكن اشتدت عليه فدخل في اكتئاب فأتى للعلاج.

وأوضحت، "غير أن هذه الأعراض تشعرك بأنك ملاحق هنا أعراض فصامية، فقد تأتي بصورة اكتئاب لكن يجب البحث بشكل أعمق لكي نتأكد بأنه لا يوجد مرض آخر، يجب كذلك سؤال المريض هل يسمع أصواتاً ويرى أشياء لا أحد يراها هذه أعراض ذهانية في الاكتئاب، غالباً تكون متمازجة مع المزاج، بينما لو سمع الشخص صوتا يخبره بأن "جاره جاسوس"، هذه ارتيادية، عندما يكون الصوت غير متماشي مع المزاج هذا أعراض ارتيادية تجعلنا نفكر بالانفصام، هكذا يتم التشخيص النفسي.

طرق علاج الاكتئاب

وحول طرق العلاج، أوضح سحويل، أنه يوجد درجات للاكتئاب "الاكتئاب الخفيف، والبسيط والشديد".

  1. الاكتئاب البسيط: في كثير من الحالات لا يحتاج إلى دواء، ويكون العلاج مقتصرا على جلسات "علاج كلامي" مع المريض، خاصة إذا كان الاكتئاب هو نتيجة أزمة ظرفية معينة ومؤقته.

  2. الاكتئاب المتوسط والشديد: يكون المريض بحاجة إلى علاج ودواء، لأن الشخص في هذه الحالة من الصعب أن يتفاعل مع الطبيب، ولا يكون لديه رغبة بالحديث مع الطبيب، فهو بحاجة للعلاج أولا ومن ثم العلاج النفسي عن طريق الجلسات.

وبين سحويل أن 50% من الأشخاص الذين يتعرضون للاكتئاب في الضفة الغربية يتم علاجهم بعد أول مرة يتم شفاؤهم، و30% يتكرر لديهم المرض، و20% يصبح لديهم اكتئاب مزمن.

وأشارت جبر، إلى أن علاج الشخص المكتئب هو حق للشخص، وحق لا ينزعه أحد، ولا يعتبر الشخص المكتئب فاقدا للرشد، ولا تسحب منه حضانة الأطفال، هذه عبارة عن مخاوف للناس تمنعهم من تلقي العلاج.

وأفادت جبر، أنه على الإنسان اتباع نمط حياة صحي مثل: ممارسة الرياضة، النوم الكافي، تناول الطعام الصحي، لأن الجسم يجهد عندما يتعرض لسوء إدارة الحياة وغياب العوامل الصحية ، كذلك النوم الكافي يساعد الدماغ على التشافي ويقلل من فرص الإصابة بالاكتئاب.